مع زيادة أعداد الناس ومع زيادة وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة وظهور الرويبضة ومقدرة أي شخص أو كيان إطلاق الاتهامات والفتي بغير علم من خلال أي منبر وبدون أي تكلفة، أصبحت الإشاعات وليدة كل يوم، فكل يوم جديد تطل علينا الإشاعات الغريبة والجديدة منها ما يكون (محبوكًا) فيدخل عقولنا ونصدقه عن طيب خاطر! ومنه من يكون كذبه واضحًا وضوح الشمس فيدخل في إحدى الأذنين ويخرج من الأخرى!

واليوم الذي لم نسمع فيه إشاعات أو أخبارًا مثيرة سواء أخبار حقيقية وتم تضخيمها بدون داعٍ لجذب الجمهور أو أخبار كاذبة لا صحة لها من الأساس، يصبح اليوم ممل خالٍ من الوجبة الدسمة وإن صح التعبير؛ الوجبة الدسمة المسمومة! نعم فهي تُسمم القلوب بمساعدة العقول!

فالإشاعات أصبحت مصدر رزق للصحف ووسائل الإعلام الصفراء بجانب المكاسب التي يحصل عليها الخصم من تشويه أحد خصومه وتفريغ أحقاده الشخصية في بث الإشاعات وتصفية الحسابات، وأصبحت الأداة الفعالة لبعض الأجهزة الأمنية في تحقيق الأمن أو الذعر لدى الناس أو للضغط على بعض الأشخاص إلى آخره.

ودائمًا ترتبط الإشاعات بالأشهَر على الساحة والذي يجذب الناس سواء لأن له جمهورًا أو أعداء يعشقون سماع الأخبار عنه أو لرأيه المؤثر فيتم استخدام اسمه في موضوعات لتضليل الناس وتوهيمهم بأن تلك آراؤه فيفاجأ دائمًا بأخبار وآراء وأحداث وحوارات وأفعال تقال عنه ليست بآرائه أو أفعاله ولم تحدث ومحال أن تحدث!

ومن الصعب التحكم في تلك الإشاعات لأن الكلمة التي تتجاوز الفم وتخرج محال أن تعود مرة أخرى، ناهيك على أنك من الصعب أن تعرف من صاحب الكلمة من الأساس لأن الكلام لا بصمة له.

ومن المؤسف أن البطل الحقيقي في تلك المهزلة هو من يروج الإشاعة! فهو أكثر خطورة من صانعها، والتعامل مع تلك الإشاعات بطريقة خاطئة يساعد على نشرها بل وربما تصديقها عند الكثير من الناس فالإشاعات بلاء ومرض خبيث، حتى طريقة «وداوها بالتي كانت هي الداء» ربما لا تُفيد كثيرًا، فتكذيب الإشاعة من ذات منابر صدورها حتى بالأدلة والبراهين ربما يكون قد فات أوانه! حتى الأيام التي يُمحى معها كل شيء؛ هُناك من لا يزال يتذكر، وحتى لو مُحيت كل كلمة مع الوقت، فيكفي أن الوقت الذي يمر على صاحبه يمر كالعلقم، بعدما أصبحت الأمور معكوسة في عقول الناس، وبدلًا من أن تكون البينة على من ادعى لديهم، أصبحت على من اتُّهِم!

لذلك حتى لا نُشارك في تلك الجريمة، من الواجب علينا إن لم ترَ أعيُننا أو يُبرهن لعقولنا، أو نلتمس الحقائق بأيدينا، يجب أن لا نُصدق، فانتباهنا نحو الإشاعة وحده كفيل بأن ينشرها! وترويجنا لها مكروه كما جاء في الحديث بنص قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، متفق عليه. وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع».

فعلينا أن نتبين مما يُشاع كما قال الله تعالى (فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) الآية 6 سورة الحجرات.

فكم من كلمة أدانت أخلاق الناس وخربت بيوتًا، وكم من كلمة هدمت اقتصاد بلاد، وكم من كلمة نشرت البدع والفساد، وكم من كلمة نشرت الذعر في القلوب، وكم من كلمة ضلت قلوب الناس وعقولهم فضلوا طريقهم، وكم من كلمة قالت لصاحبها دعني؟!

فاتقِ الله وتذكر قوله (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) الآية 18 سورة ق. وتذكر أيضًا أنه كما تدين تدان، فإن ساعدت في نشر إشاعة عن شخص ما اليوم، فليس ببعيد أن يأتي الغد بإشاعات عنك لا تجد من يصدها ويكذبها، أو يقف تداولها عِندهُ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد