عندما يتوقف عداد عمري، ويتم اجتياز رقمي للشخص الذي يليني بالقائمة، سيخلو للفراغ الكبير مكاني. أنا لا أؤمنُ بتناسخ الأرواح لكن تخيُّل كهذا يُرضيني. فـللمرّة الأولى سيعود صوتي لمكانه الأصلي منتظرًا تلكَ الفتاة في يومها الأول ليكون صوتي من نصيبها، وتصعد الروح لبارئها، وجسدي الضئيل المُتعب من الحياة سينال منه الموت أخيرًا، وللمرّة الأولى ستعجبه الهزيمة ويستسلم لها.

حينها، تصبح أشيائي جائزة، يُمكن لأيّ شخصٍ العبث بها وأخذ ما يُحب دون أيّ نوع من الخجل لأخذ شيء ليس له، وبالتأكّيد لن يلتفت لمشاعر ميت. وهل الأموات يشعرون؟ وإستكمالًا لرحيلي عن عالمكم، ستذهب ذكرياتي لتُكمل شبيهاتها في عقولكم، وذكريات أخرى بلا أشباه، ستُدفن إذا لزم الأمر أو تبقى حائرة. وليومٍ أول وأخير أُصبح موضوع حديث كلّ الَّذين تقاطعت حياتي وحياتهم يومًا ما، وظننتُ أنا أنه الأبد وتيقنوا هم من نهايته القريبة. لا أعلم أهذا كان من ضعف البصر أم من ضعف البصيرة! ولا تعنيني الإجابة الآن.

في عالمكم الكبير، لن يتذكّرني في غيابي الطويل هذا سوى عائلة صغيرة، يشكلّها أبي وأمي وإخوتي الثلاثة وأختي الوحيدة. بالطّبع سيحزنهم ذهابي المبكّر، فقط لأنهم لم يعرفوا كم انتظرته، ولا أنّي بقيتُ هنا أكثر من اللازم، ولا حتى أنّي سعيدة جدًّا الآن. في النهاية، نلت من الحياة، وخسرت الأخيرة أمام الموت، اليوم أَيقنت روحٌ جديدة أن الحياة ما هي إلَّا كذبة كبيرة وأن تلك الهدايا الرائعة التي كانت تُلقى لنا من حينٍ إلى آخر ما هي إلا فتات خبز.

خمس نجمات كانت تُضيء سماء أمي وحياتها، حتى في وضح النهار كانت تراهم نجمات لامعة، وعندما يزورنا الليل، لا تجعلهم يغيبون عن نظرها. وفي حالة غاب أحدهم تطعن الليل حتى يعود، تبدأ بعَدّ النجمات حتى تصل للرقم الطبيعيّ، اليومَ، وبعد أن غادرتُ للأبد، مهما قامت أمي بالعَدّ لن تصل للرقم الطبيعيّ، لكن هُناك ستكون أختي تساعدها على إتمام عمليّة العد، كما تفعل دائمًا.

في غيابي الطويل، سيفتقد أخي الصغير تفاصيل رسمناها معًا منذ الصغر، ومشاجرتنا القاتلة أثناء المذاكرة. سيفتقد أخي الكبير وجودي المُزعج الذي يحبه. أما بالنسبة لأخي الأوسط سيحزنه غياب ضحكة وجهي وعبوسه كما أفتقدت ضحكته وأكثر. ستغضب منّي أختي الكبيرة، ستغضب؛ لأنها لم تستطع إبعاد يد الموت عني هذه المرّة كما فعلت من قبل، سيحزنها غيابي وربّما ستجد صعوبة في تصديقه، لسنوات ستنتظر عودة فراشتها الصغيرة – كما تُناديني دومًا- بالتأكّيد ستفتقد أحاديثنا الليلية في الأيام الأولى، لكن مع مرور الزمن سترضى لي بغيابي الطويل هذا وتتأكد أنه يُناسبني أكثر من ذلك الحضور الموجع. سيجد أبي صعوبة في تصديق رحيلي، أنا ابنته الصغيرة المشاكسة المُتعبِة والمُتعبَة على الدوام، لم يسمح له الموت برؤيتي وأنا أحقق حلمه الذي رآه ليّ، لكن في النهاية، سيرضى بقضاء الله وقدَّره ويتقبل الخسارة الثانية في أبنائه بثباتٍ ورضا. ستكون أمي راضية على كل حال، ستُدهش الجميع بثباتها ولو أنّها لم تتقبل غيابي كليًّا، ولكن ستتحمل من أجل إخوتي، تفعل هذا دائمًا وبالتأكيد لن تتخلى عنهم الآن، ستكون أكثرهم دعاءً لي، أنا أعلم.

في نهاية المطاف، آمل أن أكون قد ذهبت بهدوء كما أتيت، وللعلم، لا أُثقل كاهل أحد بأيّ شيء لذلك لن تؤنبكم ضمائركم. ربّما أعود للعالم مرّة أخرى على هيئة فراشة، لكن لا أعدكم بهذا فأنا سأظلّ كما أنا، يغريني الغياب الطويل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد