كحال كثير من الناس، كانت لدينا فعلًا أسئلة صعبة حول قناة الجزيرة، منها اتهامات وأخرى استفسارات، نطرحها بين وقت وآخر للنقاش، وكانت الحلقة التي أعلنت عنها القناة ضمن برنامج «ما خفي أعظم » هي المفتاح المهم للإجابة عن تلك التساؤلات حينما ظن الجمهور من خلال الفيديوهات التشويقية للحلقة بأنها محاكمة الجزيرة لنفسها، أو على الأقل حتى لا يذهب خيالنا إلى ما هو أبعد، فإنها ستكون مواجهة كوادر القناة والمسؤولين فيها بالاتهامات التي يطلقها صناع القرار في العالم عمومًا حول الجزيرة. أو نحن كمواطنين وخصوصًا في العراق، حيث لدينا الكثير من التساؤلات حول السياسة التحريرية التي تنتهجها القناة خاصة بما يتعلق بملف داعش!

انتظرت الحلقة، ونويت أن لا آخذ دور الناقد، بل على العكس كانت النية أن أستمع إلى الأسئلة «الصعبة» وإلى أجوبة الجزيرة، فهذه القناة برغم كل الاستفهامات فهي مدرسة في الإعلام العربي كنا وما زلنا نتعلم منها، وهي التي وضعت العهد القديم من الإعلام في الوطن العربي وراء ظهرها، سائرة نحو صناعة عهد جديد منذ تأسيسها لترفع سقف الحرية الغائب في أوطاننا، في زمن كان الماء يملأ فم المواطن العربي مانعًا حتى التفكير خلسة بقضاياه، كانت الجزيرة الصوت الآخر لنا الذي لا يظهر في وسائل إعلامنا الرسمية!

مرت الدقائق منتظرًا حلقة نارية، فيها الكثير من التقنيات الدرامية المشوقة، ولكن بدأ انطباع يتسرب إلي أن هذه الحلقة من «ما خفي أعظم» صُنعت باعتبارها دعاية للقناة وليس لإيصال الإجابات الحقيقية للمتلقي العربي وللرأي العام، وإن خفّفت وطأة العبارة قليلا فإني أزعم أن الحلقة كانت لتدافع الجزيرة عن نفسها لا أكثر ولا أقل، وهذا الأمر خالف نهج الحلقات الأخرى من «ما خفي أعظم» والذي يقدمه الصحافي الفلسطيني تامر المسحال التي كانت تبحث عن الحقيقة بجرأة أكبر .

هل كانت الأسئلة صعبة؟ لا أخفي أنها صعبة فعلًا، خصوصًا إذا كانت خارجة من مؤسسة إعلامية تواجه نفسها بهذه الأسئلة، والتجربة بحد ذاتها فيها جرأة كبيرة وهي أيضًا انقلاب على أبجديات العمل الإعلامي العربي الذي يضعنا عادة في قوالبه المعتادة ولا يفكر خارج الصندوق كما فعل صاحب فكرة هذه الحلقة، ولكن هل أوصلتنا تلك الأسئلة إلى الإجابات الصعبة؟ لا أظن ذلك!

في الحلقة كان السؤال الصعب يُرمى من تامر المسحال باستحياء ودون أي مجادلة أو تشكيك من قبله، وكانت الإجابات الصادرة دبلوماسية كإجابات المسؤولين الحكوميين العادية، وعلى هذا الأساس أعتقد أن المتلقي لم يكن بحاجة إلى فيلم تحقيقيّ، كان على الجزيرة أن توفّر على نفسها هذا الجهد بمحتوى مرئي أو مكتوب آخر تضع فيه الاتهامات وتجيب عليها بتلك الطريقة الدبلوماسية.

الصحافة الاستقصائية دورها أن تتيح لنا معلومة لا يمكننا سماعها أو معرفتها في أي محتوى إعلامي آخر، أن تستخرج الأجوبة الصعبة التي لا يريد المعنيون في الموضوع الذي يقوم الصحافي بالبحث عنه بمعرفته من قبل المتلقي.

كل المقابلات التي خرجت في تلك الحلقة، كانت عبارة عن دفاع كبير، إلا مداخلة صغيرة من «محمد كريشان» الذي اعترف أن القناة بالغت في مضيّها مع الربيع العربي وهذا ما أحرجها فيما بعد، واعتراف ضمني ما بين السطور لمدير القناة الإخبارية ياسر أبو هلالة عن تغطية «عاصفة الحزم» حين قال إن هامش التغطية أصبح أكبر بعد الأزمة الخليجية وكأنه يريد أن يقول إن الجزيرة كانت مجبرة أن تأخذ الرؤية الخليجية في تلك الأحداث قبل الأزمة مع دول الخليج.

على سبيل المثال عندما طُرحت قضية البحرين والتغطية الفقيرة للجزيرة لها، كان جواب وضاح خنفر أنهم يتناولون الأخبار حسب أهمية وثقل البلد الذي تجري فيه الأحداث، ومضت هذه القضية دون نقاش وكأنها إجابة مسلّم بها منتقلا إلى ملف آخر وكأنها الحقيقة!

كان الأجدر بمنتجي الحلقة ومعدّيها أن يكونوا أكثر شجاعة، وفي ظني أن المقابلات كانت ربما شجاعة إذا تمّت مشاهدتها بشكل كامل بعيدًا عن المونتاج، ولكن الهدف ربما ليس تحقيقًا كما أشرت سابقًا!

أكثر ما امتعضت منه في الحلقة هو ختامية «تامر المسحال»، كان نصًا أدبيًا دعائيًا بامتياز، على غير عادته، أعطانا ملخّصًا أن «اليوم يراد للجزيرة أن تصمت، أو أن تنزع رداءها فتكون حيث لا يريدها جمهورها كما عهدها منذ عقدين من الزمن، سبقًا وعمقًا وجرأة»، وأعطاني ملخّصًا أنا أيضًا بأنه طرف في الموضوع ومنحاز، وليس صحافيًا استقصائيًا في هذه الحلقة!

وفي النهاية، ما «خفي» بقي مخفيًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد