الإسراء والمعراج هي معجزة من معجزات الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – أراد الله لها أن تكون معجزة غيبية، ولكن أيدها بشقها المادي وهو رحلة الإسراء.

 

 

 

الإسراء هي الرحلة التي قام بها النبي بصحبة جبريل – عليه السلام – على البراق من مكة إلى القدس ليلاً “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)”(سورة الإسراء).

 

 

 

 

الإسراء  في حد ذاته جزء من المعجزة فهي كما ذكرنا آنفاً الجزء المادي من المعجزة الذي رد به الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المشككين، فأول ما قيل نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً وأنت تدعي أنك أتيتها في ليلة واحدة، وتمادوا في التحدي بقولهم صف لنا المسجد الأقصى، وقال رجل منهم أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني كيف بناءه وهيئته؟

 

 

 

 

 

مع علمهم أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لم يذهب إليه قط فوصفه وصفاً دقيقاً أذهل الحاضرين، وأكد على رؤيته له بأم عينيه، استمر تحدي النبي لهم؛ فقال: رأيت قافلة لكم، وأن جملاً قد ضل منهم، وأن القافلة يتقدمها جملاَ لونه أسود، وأنها ستصل إلى مكة في شروق يوم كذا، فانتظروا وصول القافلة، إلى أن صاح أحدهم الشمس أشرقت، فقال آخر القافلة وصلت.

 

 

 

 

تأكيداً ـ من الحق ـ على أن الإسراء هو الشق المادي والجانب العقلي من المعجزة ذكر الزمن في قوله ليلاً؛ لأن الرسول تكلم في أمور مادية يلزمها الزمن لحدوثها طبقاً لقوانين البشر، أما المعراج فهو كله أمر غيبي لا يخضع للقوانين البشرية، ومن رحمة الله بعقولنا أنه أتى بدليل مادي تأكيداَ على حدوث معجزة الإسراء حتى إذا حدثنا عن معجزة الصعود إلى السماء أمنا بها؛ لأنها معجزة غيبية فلم يصعد أحد إلى السماء حتى يصف له النبي ما رأى، كما سألوه أن يصف لهم بيت المقدس.

 

 

 

 

هكذا نرجو أن نكون أجبنا على تساؤل الدكتور الكيالي لماذا تمت عملية المعراج من فوق القدس، ولم تتم من مكة مباشرة؟ وبينا أن الإسراء ليس سبب من أسباب المعراج، ولكنه جزء أصيل له تداعيته في المعجزة الكبرى.

 

 

 

 

 

بقية حديث دكتور الكيالي في جريدة عمان ذكر الآية “وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ(14)” (سورة الحجر) إشارة منه إلى وجود الأبواب ولتفسير الآية السابقة أحب أن أقرنها بالآية التي تليها “وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (15)” {سورة الحجر} ، فالآية 15 مكمله للآية 14، وبالرجوع لسبب النزول في كتب التفسير سنجد أنهم طلبوا أن ينزل إليهم ملك من السماء فقال الله لهم ضارباً مثلا أعلى من طلبهم وأقوى أنه حتى لو فتح عليهم باباً في السماء فظلوا يصعدون إليها، وليس مجرد ملك ينزل إليهم لقالوا نحن مسحرون، رغم أن المعجزة لو حدثت ستحدث في وضح النهار؛ لأن الله تعالى أتى بكلمة ظل، ولم يستخدم كان أو أمسى.

 

 

 

 

استكمل حديثه عن القرآن في فقرة أُخرى من المقال وذكر آية “وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا(19)” }سورة النبأ}، وعقب عليها قائلاً: “فالمنطق أنه لا يوجد أحد يفتح باب داخل الفراغ فالسماء بالنسبة لنا هي فراغ”، وهنا أخذ الدكتور الكيالي الآية ليخرجها كلية من السياق “إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا(19)  وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20)” (سورة النبأ).

 

 

 

 

أخبرنا الله ـ عز وجل ـ في هذه الآيات عن أمور ستحدث يوم القيامة لم تحدث بعد، مثل مجيء الناس للحساب، ونقل واقتلاع الجبال من مكانها، فهل حُوسب الناس واُقتلعت الجبال؟ بالطبع لا، إذاً فلماذا كانت للسماء أبواب؟ وأهمل الدكتور الكيالي أن القران يُفسر كلية، وأن السماء والأرض يوم القيامة ستبدل إذاً ما ينطبق على يوم القيامة لا ينطبق على غيره بالأحرى طبقا لقول الله: “يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(48)” (سورة إبراهيم).

 
أخيراً لتفسير معنى أبواب السماوات سأنقل لكم ما قاله ابن عاشور في كتابه التحرير والتنوير الذى فسر فيه القرآن: “وأبواب السماء أسباب أمور عظيمة أطلق عليها اسم الأبواب؛ لتقريب حقائقها إلى الأذهان، فمنها قبول الأعمال، ومسالك وصول الأمور الخيرية الصادرة من أهل الأرض، وطرق قبولها، وهو تمثيل لأسباب التزكية، قال تعالى: والعمل الصالح يرفعه، وما يعلم حقائقها بالتفصيل إلا الله تعالى؛ لأنها محجوبة عنا ، فكما أن العفاة والشفعاء إذا وردوا المكان قد يقبلون ويرضى عنهم فتفتح لهم أبواب القصور والقباب ويدخلون مكرمين.

 

 

 

وقد يردون ويسخطون فتوصد في وجوههم الأبواب ، مثل إقصاء المكذبين المستكبرين وعدم الرضا عنهم في سائر الأحوال، بحال من لا تفتح له أبواب المنازل، وأضيفت الأبواب إلى السماء ليظهر أن هذا تمثيل لحرمانهم من وسائل الخيرات الإلهية الروحية، فيشمل ذلك عدم استجابة الدعاء، وعدم قبول الأعمال والعبادات، وحرمان أرواحهم بعد الموت مشاهدة مناظر الجنة ومقاعد المؤمنين منها. فقوله: لا تفتح لهم أبواب السماء كلمة جامعة لمعنى الحرمان من الخيرات الإلهية المحضة”.

 

 

 

 

لقد انتهيت من الرد على الدكتور الكيالي في شقي المقال: الشق العلمي في المقال الأول والشق القرآني في المقال الثاني، ويبقى لي أن أوضح لماذا انتشر هذا الفكر وهذا المنهج في أوطاننا، ولماذا أحدث هذا المقال ضجة وتناولته منصات عده على أنه اكتشاف علمي أُخذ من القرآن وماجت به الجماهير تتناقله برغم ما فيه من أخطاء؟

 

 

 

 

 

الفرد المنخرط في الجمهور كما قال غوستاف لوبون تتلاشى لديه الشخصية الواعية، وتسيطر عليه الشخصية اللاواعية، وبما أن اللاواعي هو المسيطر فإنه يريد الانتصار لمعتقداته بأي شيء، ويساعده على ذلك التحريض والعدوى من الجماهير المحيطة به، وهكذا تزيد كرة الثلج وتكبر؛ لأنه كما أكد لوبون “بمجرد أن ينضوي الفرد داخل صفوف الجمهور فإنه ينزل درجات عديدة في سلم الحضارة. فهو عندما يكون فرداً معزولاً ربما يكون إنساناً مثقفا متعقلاً، ولكنه ما إن ينضم إلى الجمهور مقوداً بغريزته” والجمهور لا يفكر بعقله في أغلب الأوقات وينساق كما في تصديق الأساطير والخرفات ويأتي لوبون في موضع آخر ليؤكد كلامه: “بما أنه لا يمكن تحريك الجماهير والتأثير عليها إلا بواسطة العواطف المتطرفة، فإن الخطيب الذي يريد جذبها ينبغي أن يستخدم الشعارات العنيفة وينبغي عليه أن يبالغ في كلامه ويؤكد بشكل جازم ويكرر دون أن يحاول أثبات أي شيء عن طريق المحاجة العقلانية”.

 

 
لا يمكن للقارئ أن يُفصل عن الجمهور إذاً لابد أن يقع تحت هذا المؤثر، فإثاراتنا موضوع كهذا ما هو، إلا إسهاماً وتشجيعاً لتحل الأفكار المنطقية العقلانية، بدلاً من الأفكار الغوغاء في العقل الباطن؛ لتصبح هي السجية والفطرة فكما تخلص العالم من بعض الأفكار الهدامة آمل أن يتخلص من تصديق الأفكار الغوغائية، فالعرب قديما تخلصوا من عبادة الأوثان، والأوربيون تخلصوا من الجهل والتطرف، وهذا نتاج عمل فلسفي شاق، استمر رافعي لواء التغيير في توجيهه للجماهير لفترات طويلة حتى تغيرت قناعتهم، ومحاولة منا لتحريك الماء الراكد للرد على مثل هذه الأفكار، وإقراراً منا أن الإسلام عقيدة إيمانيه قوية بما تكفي لدفاع عن نفسها دون اختلاق موضوعات لتشد من عضدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- التحرير والتنوير – محمد الطاهر بن عاشور
2- تفسير الشعراوي – محمد متولي الشعراوي
3- تفسير ابن كثير – ابن كثير
4- المعجزة الكبرى – محمد متولي الشعراوي
5- سيكولوجية الجماهير – غوستاف لوبون
عرض التعليقات
تحميل المزيد