ربط تاريخي

قديمًا في بغداد وفي زمان الخلافة العباسية، وتحديدًا آخر أيّامها، كانت المدينة على موعد مع السفّاح هولاكو الزعيم التتري، الذي كان يعد العدة لإسقاط الخلافة العباسية، والحق يقال إنه أعدّ العدّة كما ينبغي، بينما كان رد فعل الخلافة لهذا الإعداد ضعيفًا واهنًا، وإذا كان الحال كذلك فلا بد أن ينتصر هولاكو على عدوّه وإن كانوا مسلمين؛ ذلك لأن لله سننًا لا تتبدل، والذي يأخذ بأسباب النصر من أهل الدنيا، فإنه سينتصر.

بدأ هولاكو يرتب خطته التي سينقض بها على بغداد، والتي كان خليفتها وجيشها يتابع ما يفعله هولاكو، وكأن الأمر لا يعنيهم، فأصلح هولاكو الطرق كافة المتجهة من الصين إلى العراق، وأقام الجسور الكبيرة على الأنهار التي تعترض طريق الجيوش، كذلك فعل سياسيًّا؛ فقد عقد بعض الأحلاف السياسية مع بعض موازين القوى في المناطق التي كان يمر بها، تحالف مع ملك أرمينيا الضعيفة لا لشيء إلا لخبرته في قتال المسلمين، تمامًا كتحالف أمريكا مع بريطانيا في حرب العراق.

ثم قام هولاكو بالخطوة الأهم وهي عقد التحالفات مع الأمراء المسلمين ليقاتلوا معه الخلافة، تمامًا كما هي التحالفات التي تبرم اليوم لإغراق أنفاق حماس، ولضرب الحصار على غزة، ولتصنيف قطر إرهابية، ولقطع الإمداد عن ثوار ليبيا، ولقصف اليمن، فكل هذه التحالفات وُقِّعَتْ مع زعماء مسلمين، تمامًا كما بايع هولاكو أمير الموصل، وسلطان السلاجقة، أمير حلب ودمشق الذي أرسل ابنه ليقاتل مع هولاكو في مشهد يتكرر هذه الأيام في المناورات التي يجريها الطيران الحربي الإماراتي مع طيران الاحتلال الصهيوني، وكذلك فعل أمير حمص الذي قدم ولاءه لزعيم التتار، في مشهد يذكرك بتجوُّل قاسم سليماني رفقة الجنود الروس في أحياء المدن السورية.

وصل هولاكو أيضًا في مجهوده السياسي إلى شخصية خطيرة في البلاط العباسي، فقد وصل إلى الشخصية الثانية في الدولة، وهو الوزير «مؤيد الدين العلقمي» وقد كان شيعيًّا، وكان رجلً فاسدً خبيثًا رافضيًّا شديد التشيع، كارهًا لأهل السنة، ومن العجب أنه يصل إلى هذا المنصب وهو على هذه الصفة، وفي دولة سنية تحمل اسم الخلافة!

تمامًا كوصول يوسف العتيبة الإماراتي إلى منصب سفير الإمارات، التي تدّعي أنها عربية في واشنطن، العتيبة الذي كشفت الوثائق المسربة من بريده الإلكتروني في يونيو (حزيران) 2017 عن علاقته الوثيقة بمؤسسة «الدفاع عن الديمقراطيات» التي تمولها منظمة المؤتمر اليهودي العالمي، أبرز اللوبيات الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة.

ولا شك أن وصول مؤيد الدين العلقمي الشيعي إلى منصب الرجل الثاني في الخلافة كان قلة رأي، وضحالة فكر، وسوء تخطيط من الخليفة، بينما كان وصول «العتيبة» لهذا المنصب الخطير عن سبق إصرار وترصد.

مؤيد الدين بقيَ في منصبه 14 سنة كاملة، من سنة 642 هجرية إلى سنة 656 هجرية عندما سقطت بغداد، فكان هولاكو على اتصال به، مستغلًّا فساده وتشيعه وكراهيته للسنة، واتفق معه على تسهيل الدخول إلى بغداد، وذلك في مقابل أن يكون له شأن في «مجلس» سيدير بغداد بعد سقوطها، وكأني بمؤيدٍ هذا هو السيسي وهو يلعب بالاقتصاد المصري ويعوِّم الجنيه، ثم يحفر «التفريعة»، ويبدّد أموال الشعب هنا وهناك، ويغرق الأنفاق، ويهجّر أهل سيناء، ليكون الشريط الحدودي مع الكيان الصهيوني سهل الاختراق.

لقد أدى الوزير الفاسد دوره على أكمل وجه، وكان له أثر بارز في الأحداث التي مرت بالمنطقة في تلك الأوقات، وكذلك فعل السيسي في عام 2013م.

وخلاصة الجهود الدبلوماسية التترية أنهم تعاونوا مع ملوك النصارى، وكذلك تحالفوا مع بعض أمراء المسلمين، ومع الوزير الفاسد العلقمي، ويجدر القول هنا إن المسلمين بصفة عامة كانوا يراقبون الموقف عن بُعد وكأنه لا يعنيهم، تمامًا كما يحدث الآن من وأد للربيع العربي بسجن الثوار وقتلهم ونفيهم وتهجيرهم، والشعوب العربية الفطن منها لا يتفاعل إلا بهاشتاجات لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفي خطوة عجيبة طلب هولاكو من العلقمي أن يقنع الخليفة أن يخفض من ميزانية الجيش، وأن يقلل من أعداد الجنود، وأن لا يصرف أذهان الدولة إلى قضايا التسليح والحرب، بل يُحول الجيش إلى الأعمال المدنية من زراعة وصناعة وغيرها! وكأنه يتحدث عن جيش نعرفه يتقن «الكعك»، ويبرع في بيع السكر والزيت المستورد! ويبني الجسور ويزرع الخضراوات، وقد قام بذلك العلقمي، والعلقمي نسخة 2020م أيضًا.

في يوم 12 محرم من سنة 656هـ حاصر المغول بغداد فجمع الخليفة مستشاريه، وبطبيعة الحال فإن العلقمي سيكون نسخة من أبو مازن الفلسطيني، فقد أشار إلى إقامة «مباحثات سلام» مع التتار الذين كانوا يدكون حصون المدينة، تمامًا كمحمود عباس عندما كانت حرب غزة الأخيرة، ولا مانع من كثير من التنازلات، فكان العلقمي يوسع الفجوة جدًّا بين إمكانيات العدو وإمكانيات المسلمين، كي لا يبقى هناك أمل في المقاومة كخلفه عباس 2017م.

اشتد الحصار على الخليفة فقرَّر أن يرسل للتفاوض مع التتار وزيره الخائن العلقمي في مشهد يذكر بامتلاء الساحات في مصر لتفويض السيسي، وامتلاء الصناديق في تونس لانتخاب السبسي، وامتلاء الجبهات في ليبيا للقتال مع حفتر!

وعاد المبعوثان العجيبان من عند هولاكو إلى الخليفة يحملان له طلبًا عجيبًا، لقد سمع هولاكو بـ«المتطرفين» داخل بغداد، والذين ينادون بشيء خطير «الجهاد»، هذه الدعوة التي ستنسف كل مباحثات «السلام».

وكأنها مفاوضات حصار قطر لإيقاف دعم حماس وتسليم الدكتور القرضاوي، من جمعٍ من (علاقمة 2020)، لقد طُلب من الخليفة أن يسلم كل رؤوس الحركة الإسلامية في بغداد، وتحديدًا «مجاهد الدين أيبك» الذي كان يتزعم فكرة المقاومة.

استمرت المفاوضات، إلى أن جاء العلقمي مستبشرًا يَعِدُ الخليفة بالأمان لأهل بغداد، مقابل تدمير الحصون، ردم الخنادق، تسليم الأسلحة، والموافقة على أن يكون حكم بغداد تحت رعاية أو مراقبة تترية.

لقد ختم هولاكو مباحثاته مع المبعوثين بأنه ما جاء إلى هذه البلاد إلا لإرساء قواعد العدل والحرية والأمان، وبمجرد أن تستقر الأمور سيترك العراقيين يضعون دستورهم، ويديرون شؤون بلادهم بأنفسهم.

تمامًا كما يريد عادل الجبير ومحمد بن زايد وحكام الإمارات، من اليمنيين والليبيين والتونسيين والمصريين أن ينعموا بالحرية والديمقراطية اللتين تنعم بهما الإمارات والسعودية والبحرين.

تجدّدت الآمال في نفس الخليفة، كما تتجدّدُ الآمالُ الواهية اليوم في نفوس المصريين بالانتخابات الرئاسية، ووهم خسارة السيسي، وكما تتجدد الآمال الواهمة بتحرير الأقصى بتوجيهات من الملك سلمان.

مؤيد الدين يَعِد الخليفة بالحياة، نعم سيعيش ذليلًا وضيعًا ولكنّه في النهاية سيعيش، يقول العلقمي إن هذا في السياسة يسمونه: «واقعية». وكأن دحلان يقتفي أثر العلقمي في مفاوضات القاهرة مع وفد حركة حماس، فدحلان يتحدّث بالمصطلح ذاته تمامًا «الواقعية».

الخليفة يريد بعض الوقت للتفكير، لكن القصف التتري لأسوار وحصون بغداد لا ينتظر، وبدأت المدينة الآمنة تُروّع للمرّة الأولى في تاريخها، كما تروّع حلب وطرابلس وصنعاء اليوم، وفي هذه الأثناء يَقْتُلُ سهمٌ من سِهام المغيرين جاريةً كانت تلعب بين يدي الخليفة وتُضْحِكُه، لكن أين العقل في رأس الخليفة؟! العاصمة مُحاصرة، والموت على بعد خطوات، والخليفة يستمتع برقص الجواري، تمامًا كما لاَعَبَ الملك عبد الله بوش الابن راقصًا والأخيرُ يتجهّز لغزو العراق، وكما فعل الملك سلمان مع ترامب، بعد أن صارت الجزية تدفع من المسلمين. إذ يبدو أن الرقص أصبح في الدماء.

استمر التتار في قصفهم مدَّة أربعة أيام إلى أن بدأت الأسوار الشَّرقية بالانهيار، ومعها انهار الخليفةُ تمامًا، لدرجةِ أَنّه لجأ مرة أخرى إلى صديقه الخائن العلقمي، الذي أشار عليه أن يخرج لمقابلة هولاكو بنفسه لكي يُجري معه المفاوضات. تخيل مفاوضات في مثل هذه الظروف.

أمر هولاكو أن يأتي الخليفة ومعه كبار رجال دولته، وفقهاء المدينة، وأمراء الناس والأعيان، حتى يحضروا المفاوضات، واكتشف الخليفةُ ما كان واضحًا لكلّ الخَلْق، ولكنّه لم يرهُ إلا الآن، لقد اكتشف أن الحق لا بدّ لهُ من قوّة تحميه، وبدأت الأوامر تخرجُ من هولاكو:

1ـ على الخليفة أن يصدر أوامره لأهل بغداد بإلقاء أي سلاح، والامتناع عن أي مقاومة.

2ـ يقيد الخليفة، ويساق إلى المدينة في أغلاله، وذلك لكي يدل التتار على كنوز العباسيين.

3ـ يتم قتل وَلَدَيْ الخليفة أمام عينه!

واستبيحت بغداد بعد أن ألقى أهلها السلاح، وبعد أن قُتلت صفوة أهلها، وبعد أن انساب جُند هولاكو إلى شوارع بغداد المختلفة، وانطلقت وحوش التتار الهمجيّة تنهشُ في أجساد المسلمين، في سِلسِلَة مشاهد تذكّرني باستباحة عاصمة الثورة الليبية مدينة بنغازي من قوات حفتر في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 حيث أحرقت البيوت، ونهبت الأرزاق، وأغلقت الشّوارع، وقَتَلَتِ الحُفّاظ والعُلماء والوعّاظ، بذريعة الإرهاب، ولو قُدِرَ للإرهاب أن يتكلم أو يشتكي لقال للعالم وبصوت عالٍ إن آبائي وأجدادي هم العَسْكَرُ وبنو صُهيون من عربٍ وعجم، وإني قد وُلِدتُ من أبوين عسكريّ وصهيوني، وتَرَعْرَعْتُ وعشت في معسكر لجيشٍ عربيّ تُديره عائلةٌ يهودية.

ثلاثة عشر يومًا والقَتْلُ لا يتوقّف، والإبادةُ لا تنتهي، ولا دِفاع ولا مُقاومة، كل هذا والخليفةُ ابنُ الخلفاء حيٌّ يُشاهد، وهذا هو العذاب المُهين.

وسِيقَ الخليفة إلى خاتمته، بعد أن رأى كلّ ذلك، «رفسًا بالأقدام»! أيُّ ألم، وأيُّ إهانة، وأي ذُل؟!

ثم أحرقَتْ مكتبةُ بغداد، وهي أعظم دُور العلم في الأرض، والتي أسسها الخليفة هارون الرشيد وضاعت في عهد الخليفة الذي جعل من الخائن وزيرهُ الأول.

أما اليوم إذ يكتب الأحرار على أبواب الأقصى فصلًا جديدًا، في سفر النصر لا مِنّة فيه لمخلوق فالمنُّ لله وحده وهْوَ وليُّ الجَزَاء، يخرجُ علينا الديوان الملكي السعودي والصُّحف المصرية التي لا تُسَاوِي في قدْرِهَا جناح بعوضة في مشاهد «علقميَّة»، لتسرق النصر وتتسلّق عليه وتنسُب الفضل لغير أهله.

أيها «العلقميون الجدد»:

من سيصلُ إلى القدس هي الشّعوب المسلمة، ودون القدس الكثير من المظالم إن لم تتجاوزها الشعوب لن تصل، وقديمًا في أيام العرب ولما أغار بعضهم على عبس وساقوا إبلهم قال شداد لعنترة: كُرّ، فقال له: العبدُ لا يحسن الكَرّ إنّما يحسنُ الحِلاب والصّر، فقال له شداد: كُرّ وأنت حُر، فقاتل قتالًا شديدًا حتى هزم القوم واسترد الإبل.

الشعوب الآن تشبه عنترة، فلن تعرف الطريق إلى القدس ولا إلى الكرامة قبل أن تعرف الطريق إلى حريتها، وتثق في نفسها وهوِّيتها وتتعلم وتبتكر وتطعم نفسها وتلبس ممَّا تصنع، وقبل ذلك أن تتخلّص من «عَلْقَمِيّيهَا» وتابعيهم بغير إحسان.

صدقوني سينقشع الظلام بعد أن نعرف الحرية وسنصلي في القدس بعد أن نؤمن بالحرية، وسيجر المحتل أذياله بعد ذلك، وما النصر إلا من عند الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد