مما استوقفني وأنا أتابع الأخبار التي تنقلها الفضائيات التلفزيونية هذه الأيام عن السودان، وعن موجة الربيع العربي الثانية، التي ما انفكت تغمر الدول العربية، وتبشر بميلاد الأمة من جديد، بعد أن عم الفساد والاستبداد والظلم، معظم الأوطان العربية، إن لم يكن كلها، سواءً كان الفساد والاستبداد، أم الظلم من أنظمة قامت عليه، أم تسترت عليه، أم أنظمة الدولة العميقة، أم أنظمة الدولة العميلة، مما استوقفني هو الخبر الذي تطوع فيه مذيع فضائية ما، بالحديث عن الكنداكة.

فقد ذكر واقعة الفتاة السودانية التي كانت تهتف ضد الظلم والطغيان والجبروت، والتي وصفها من حولها بأنها كنداكة، وذكر المذيع الذي لم يظهر المعلومة التاريخية الصحيحة كاملة عمن هي الكنداكةّ! ذكر في تعريفها كلمتين اثنتين وهما «الملكة النوبية»، ولكن الذي ينبغي أن أضيفه هو أن الكنداكة ليس لقبًا يطلق على الملكة النوبية فحسب، ولكن الكنداكة هي شخصية حقيقية بالفعل، وأنها كانت مثالًا سودانيًّا واضحًا لشجاعة الملكات السودانيات وجرأتهن وإقدامهن.

ففي سنة 23 ق.م. مما تذكره بطون كتب التاريخ، مثل مؤلف تاريخ السودان، أن الإمبراطور «أوغسطوس قيصر»، وهو الذي آل إليه ملك مصر بعد البطالسة، أخرج معظم عساكره من مصر لغزو بلاد العرب، وكان على مروي «وهي مدينة في شمال السودان، ذكرها المؤرخ اليوناني (هيرودتس) وغيره من مؤرخي اليونان والرومان» حينئذ ملكة تلقب بكنداكة، تحب الحرب والفتوح فاغتنمت الفرصة، وسارت بجيش مؤلف من 30 ألف مقاتل إلى مصر تريد افتتاحها، ففتحت حامية فيلي وحامية أسوان اللتين على حدود مصر، ودخلت مصر العليا، وكان النائب الروماني إذ ذاك رجلاً شديد البأس يسمى «بترونيوس» فحمل على كنداكة بجيش منظم مؤلف من 10 آلاف رجل و800 فارس، فلما سمعت كنداكة باستعداده رجعت إلى إثيوبيا السفلى؛ فتتبعها حتى أدركها بقرب سلقيس (دكا)، وطلب منها رد الأسرى والغنائم التي أخذتها من مصر.

ولما لم تجبه جوابًا مرضيًا حمل عليها، وكان معظم جيشها غير منظم ولا سلاح له إلا الفؤوس، فانتصر عليها انتصارًا عظيمًا، وشتت جيشها كل مشتت، ثم تقدم إلى إبريم، وكان فيها حامية قوية للإثيوبيين، فاستولى عليها ثم سار إلى نبتة فخربها خرابًا فظيعًا، وفرت الملكة كنداكة من وجهه فامتنعت وتحصنت في قلعة في الشلال الرابع، ولما رأت أن لا طاقة لها على حربه، بعثت إليه في طلب الصلح، وفي هذا ما يوضح الدهاء والحيلة التي يلجأ إليها قادة الحرب!

وكان «بترونيوس» قد نفد منه الزاد وأضنى جيشه الحر، فاضطر أن يرجع إلى الإسكندرية قبل نهاية الصلح، وفي طريقه أقام حامية في إبريم مؤلفة من 400 رجل وحامية في دكا، فلما رأت كنداكة أن «بترونيوس» رجع عنها مضطرًا، جمعت شتات جيشها وسارت حتى وصلت إلى إبريم فحاصرتها، ولكنها لم تلبث أن رأت عجزها عن استمرار الحصار فرفعته، وأرسلت إلى الإمبراطور أوغسطوس قيصر، وكان إذ ذاك في جزيرة ساموس في الأرخبيل الرومي؛ فصالحهم على الشروط التي قدمتها كنداكة.

ثم ذكرت كتب التاريخ أنه لم يكن بين الرومان وإثيوبيا (إثيوبيا هو الاسم الذي أطلقه اليونان على جميع بلاد شديدي السمرة) ما يذكر إلى أيام الإمبراطور نيرون، وهو الإمبراطور الخامس من أباطرة الرومان على مصر، فإنه في سنة 60 م أرسل حملة إلى إثيوبيا بقصد اكتشاف منابع النيل فكان من أخبارها، أنها سارت فيه حتى وصلت إلى مستنقع لا يمكن سلوكه؛ فعادت بالخيبة إلى مصر، قالوا وكان الحاكم على مروي في عهد هذه الرسالة ملكة تلقب بكنداكة. بقي أن أشير إلى أن صفة الشجاعة والإقدام إذا توفرت فإنها هي التي تجمع بالكنداكة الملكة الحاكمة على مروي في تلك الأيام والكنداكات الماثلات اليوم، وهو الحديث الذي ساقتنا إليه موجة الربيع العربي الثانية في السودان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد