رآه على الجانب الآخر من الطريق بأحد شوارع نيويورك وصرخ “انظر، إنه بوب ديلان” ثم ركض إليه “بوب … أنا أغني، أدعى جيمي هيندريكس …”

هذا ما دار في اللقاء الأول بين أيقونتين في عالم الموسيقى، بوب ديلان وجيمي هيندريكس كما يصفه أحد أصدقاء جيمي كان بصحبته ذلك اليوم، ويكمل: “أخبره ديلان إنه يعرف بالطبع من يكون وأنه أحب إعادة تقديم جيمي لبعض أغانيه مثل like a rolling stone, all along the watchtower”.

 

كل من ديلان وهيندريكس له رواية مختلفة عن اللقاء الأول – وربما الوحيد – بينهما، جيمي على سبيل المثال يقول أنه التقى ديلان مرة واحدة في منتصف الستينيات في حفل صغير في نيويورك “كنا ثملين للغاية، ضحكنا كثيرًا سويًا، ربما ديلان لا يتذكر هذا اللقاء” هناك دائمًا شيء غامض في علاقة الرجلين ببعضهما، تعدد الروايات دليل على ذلك، شيء واحد مؤكد، أن جيمي كان يشعر بتواضع شديد ناحية ديلان وأنه كان يجد فيه مصدرًا للإلهام.

 

يقول والد جيمي هيندريكس أن استماع ولده إلى ديلان كان سبب رئيسيًا أنه احترف الغناء ولم يكتف بالعزف على الجيتار، وعلى الرغم من أن لكل من الرجلين مسار موسيقي مختلف إلا أن جيمي كان يشعر كثيرًا بأن أغاني ديلان تلمسه بشكل شخصي، يقول “أحيانًا أشعر حين أؤدي أغنية لديلان أنها تناسبني وتنطبق علي تمامًا، كما لو أنني من كتبها”.

 

All along the watchtower
كتب ديلان هذه الأغنية بعد حادث دراجة نارية كاد أن يودي بحياته، هذا الحادث كان نقطة تحول في مسيرة ديلان الفنية، إذ أدرك قيمة الحياة وأنها ليست مزحة.

 

ربما هذا ما حاول أن يعبر عنه في هذه الأغنية، الأغنية هي حوار بين شخصيتين، المهرج واللص، الشخصيتان كأنهما “بيرسونا ” للفنان ذاته وحوارهم حوار بداخله، حوار عن الرغبة في الخلاص، عن عدم إدراك الكثيرين لقيمتهم كبشر وتعاملهم مع الحياة كأنها مزحة، عن مجتمع جامد فاقد للمعنى مجسد في “القلعة” كما تصف الفقرة الأخيرة من الأغنية، وعن مسؤولية الفنان ممثلاً في المهرج واللص في التغيير ومواجهة “القلعة”.

 

 

لا عجب أن تأسر أغنية كهذه قلب عاشق مخلص لديلان مثل جيمي هيندركس، تقول صديقته كاثي إيتشنجهام أنه عاد إلى لندن من الولايات المتحدة في مطلع عام 1968 وليس معه إلا زجاجة ويسكي والألبوم الأخير لبوب ديلان، استمعا إليه كثيراً وأعادا الاستماع إلى أن قرر جيمي أنه سيغني إحدى أغاني الألبوم، توجه إلى استوديو أوليمبيك بلندن وبصحبته ديف مايسون عازف الجيتار بفريق “ترافيك” وعازفي الإيقاع والبيز بفريق جيمي هيندركس ميتش ميتشل ونويل ريدنج.

 

انسحب نويل ريدنج يومها من الاستوديو وتولى مايسون مسؤولية البيز جيتار مؤقتا قبل أن يقوم هيندريكس بنفسه فيما بعد بتولي مسؤوليته بجانب الغناء والعزف على الجيتار الكهربي، وانضم إليهم راين جونز من فريق “رولينج ستونز” والذي كان متواجدًا في الاستوديو حينها، وأدار التسجيل تشاس شاندلر العضو السابق في فريق “أنيمالز”، الفريق الذي جاء جزء كبير من شهرته بسبب تقديمهم لإحدى أغاني بوب ديلان أيضًا، أغنية House of the rising sun.

 

أنه تحالف قوي وسينجز إحدى افضل الأغاني في تاريخ موسيقى الروك. تم استكمال التسجيل في نيويورك ضمن جلسات تسجيل ألبوم هيندريكس الأخير، لكن جيمي أصبح مهووسًا بأغنية ديلان تحديدًا، فقد ظل لأسابيع يعدل ويحذف ويضيف لموسيقى الأغنية.

 

فأصر على سبيل المثال أثناء تسجيل الجيتار الكهربي أن يجعل الصوت الناتج يشبه ما يتخيله داخل راسه، يرغب في أن يجعل الموسيقى تعبر عن ما وصفه بـ “الإحباط المتصاعد” بالأغنية، حاول تجربة كل ما وقعت عيناه عليه تقريباً لاستخدامه للعزف على الجيتار، أغطية معدنية للزجاجات أو سكاكين، واستقر في النهاية على استخدام قداحة سجائر للعزف على الجيتار الكهربي ليكون الناتج النهائي أحد أفضل صولوهات الجيتار الكهربي على الإطلاق.

 

 

عدم الرضا الدائم والرغبة المستمرة في التحسين سيطرا عليه أثناء الجلسات، إلى الحد الذي أزعج زملاءه. على أية حال، الأغنية حققت نجاحًا ساحقًا فور صدورها، ببساطة أصبحت أيقونة لتلك الحقبة، أحبها الجميع، عشاق الروك في نيويورك ولندن أوالجنود العالقون في أدغال فيتنام، صارت رمزًا.

يقول بوب ديلان أنه أحب كثيرًا إعادة تقديم جيمي لأغنيته، بل أن ديلان أعاد تقديمها بطريقة تشبه نسخة هيندريكس باستخدام الجيتار الكهربي بدلًا من النسخة الأولى لديلان التي استخدم فيها الكلاسيك جيتار والهارمونيكا، وهي أكثر أغنية قدمها ديلان في حفلاته على الإطلاق، قدمها أكثر من أية أغنية أخرى له، لكن هل أحب جيمي هيندريكس تجربته؟

 

لقد توقف عن عزف الأغنية في الحفلات بعد ثلاثة أشهر فقط من صدورها. تجاهل طلب الجمهور أن يغنيها أو تعلل بأنه نسي الكلمات. ربما استمر معه عدم الرضا، رغبة الفنان أن يقدم دائمًا الأفضل والأفضل، ربما اعتقد أنه كان في الإمكان أفضل مما كان، ربما …

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد