مع الجريمة البشعة التي ارتكبها تنظيم داعش في ليبيا بإعدام 21 عاملاً مصريًا في ليبيا، ظهرت العاطفة الإنسانية فجأة عند مؤيدي الحكم العسكري في مصر، وظهرت العواطف والمشاعر الجياشة فجأة عند من كان بالأمس يهلل ويطبل لمقتل 30 مشجعًا كرويًا بحجة أنهم لم يكن معهم تذاكر لدخول المباراة، وأنهم يستحقون ذلك لخرقهم النظام العام وإلى آخره من تلك الاتهامات.

ولكن الأمر اختلف عندما كان المجرم غير المجرم وفي بلد غير البلد, مما يدعو إلى إعلاء الشوفينية والعنصرية، وعقد النقص، والوهم بأن المصري مُعادىً من جميع قوى الشرِ في العالم, وغالبا ما يتم تفريغ عقد النقص في شتيمة البلدان العربية المجاورة.

واختفت النبرة الإنسانية عندما قرر النظام التدخل العسكري في ليبيا، وقصف مدينة درنة التي لا وجود لداعش فيها بالطائرات، وقتل المدنيين. وهلل أصحاب المشاعر المرهفة للضربة الجوية، وحلت محل النبرة الإنسانية نبرة فاشية وطنية ترى أن من حق المصري قتل هؤلاء الأبرياء من أجل جريمة ارتكبها آخرون، وإن الجيش المصري لا يُسأل عما يفعل، وإنه يجب علينا عقاب ليبيا بأكملها ردًا على جريمة داعش، في تكرارٍ لما تفعله داعش من قتل أناس لا ذنب لهم، ولا ناقة لهم ولا جمل في صراعاتهم, ردًا على جرائم أنظمة بلدانهم.

ونرى تلك الحالة متكررة مع الأنظمة وأنصار الأنظمة التي تدّعي محاربة داعش, فها هم من يهتفون بحياة الملك في الأردن، لا يهمهم من قتلهم الطيران الأردني في قصفه لسوريا والعراق, لا يهمهم دماء الأطفالِ والنساءِ ممن قصفهم الطيران الأردني في حربه ضد داعش, تظهر مشاعرهم عندما تقتل داعش مدنييهم ويفرحون عندما يقتل جيشُهم مدنيي غيرهم، يبكون حين تحرق داعش أحد طياريهم حرقًا ولا تهتز لهم شعرة عندما يموت أطفالُ سوريا والعراق حرقًا أو يُدفنون تحت الأنقاضِ أحياء جراء القصف الوحشي, في تكرار لما حدث منذ أربعين سنة عندما تباكوا على اغتيال رئيس الوزراء (وصفي التل)، ولم تهتز لهم شعرة عندما قَتل وصفي التل الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ليُصفيَ حساباته مع منظمة التحرير الفلسطينية.

ونفس الشيء بالنسبة للنظام السوري وأنصاره, فلا يَهم من قتلهم بشار بدم بارد ولا يَهم المتظاهرون الذين سلّط عليهم شبيحته, ولا يَهم من يقتلهم يوميا بالبراميل المتفجرة تحت ستار محاربة داعش، والذي يأمل من خلاله العودة إلى الاعتراف الدولي بشرعية نظامه على الأراضي السورية، بعد أن أسقطتها دماء شهداء الشعب السوري، وكل هذا بأعينهم يهون من أجل بقاء “سوريا الأسد” وبقاء محور الممانعة المزعوم, ولكن عندما يستهدف أحدهم قوات النظام, سواء كان من استهدفه من أبطال الثورة الحقيقيين أو من داعش، فإن اللطميات والمرثيات والإنسانية تنزل عليهم فجأة وتلعن الإرهابيين الأشرار الذين ينفذون المؤامرة الكونية ضد نظام الممانعة.

بعد كل ذلك، ما الفرق بين داعش وبين الأنظمة العربية؟

ما الفرق بين من يُقتل بغير حق باسم الدين ومن يُقتل بغير حق باسم الوطنية؟

وما الفرق بين أنصار داعش وبين أنصار الأنظمة العربية؟

داعش تَقتل كل من يعارضها, سواء كان إسلاميًا أو لا, فكل من لم يبايع الخليفة المزعوم يُتهم أنه مرتد أو باغٍ، أو من الصحوات (الصحوات في الأصل لقب يطلق على مسلحي العشائر الذين تعاونوا مع الأمريكان بعد غزو العراق) أو من الطائفة الممتنعة (أي ممتنعة عن إقامة الشعائر), ويحللون قتلهم وذبحهم، ويعتبرون قتالهم أَولى من قتال نظامي الأسد والمالكي, وأَولى من قتال أمريكا والقوات الدولية الغازية وإسرائيل.

أما الأنظمة فتقتل كل معارض لها بدعوى الحفاظ على أمن الوطن والنظام العام, والحفاظ على صنم الدولة الذي يجب أن يقدسه الشعب, ويستحق الموت كل من يعارضه أو يفكر في معارضته، والتُهم بالتخوين جاهزة وفتاوى علماء السلطان بقتلهم واتهامهم بأنهم خوارج ومارقون عن الدين تملأ الإعلام، وتستحل الأنظمة القتل والحرق والتعذيب وانتهاك الأعراض وكل ذلك بدعوى الحفاظ على أمن الوطن, فما الفرق بين جرائم داعش ضد معارضيها وجرائم السيسي وبشار الأسد؟

أنصار داعش ينظرون لها بعين القداسة، ففي وجهة نظرهم هي التي أعادت الخلافة الغائبة وردت للمسلمين اعتبارهم وأنها أعزت الإسلام والمسلمين وأذلت الشرك والمشركين، وأن من يعارض داعش هو بالضرورة يهودي، أو صليبي، أو رافضي، أو على أفضل تقدير مسلم مائع الدين، ويجب عليه مراجعة دينه والتوبة.
وإلا فهو عدو لله ورسوله والمؤمنين, وبالنسبة لهم فداعش لا تُسأل عما تفعل, فدفاعها المزعوم عن المسلمين يجعلها معصومةً وفوق الخطأ, وهي وحدها من لها الحق في توزيع صكوك الغفران وتحديد من هو مسلم ومن هو كافر ومن هو مرتد.

وكذلك أنصار الأنظمة العربية ينظرون لها بعين القداسة، ففي وجهة نظرهم هي من تحميهم من جيرانهم الأشرار الذين يحقدون عليهم وعلى بلدهم وهم من يسهرون لحماية أمن الوطن وتوفير فتات الخبز للمواطنين الصالحين. وإنّ جميع أهل الأرض يحيكون ضدهم المؤامرات للنيل من عظمة وطنهم وحضارتهم العريقة، والحاكم، وحكومته، وجيشه، وشرطته، وقضائه.

لذلك يملكون الحق المطلق في تخوين المعارضة والدعوة إلى قتلهم واتهامهم بالعمالة لجهات أجنبية والتآمر على أمن الوطن، وكل من يفكر في معارضة الحاكم ولو في شيء تافه فهو خائن بالنسبة له.

والنظام وأجهزته معصومون ولا يُسألون عما يفعلون ويحق لهم ارتكاب كافة الجرائم ضد “المواطنين غير الصالحين” من أجل حماية الوطن وحماية صنم الدولة ووهم الاستقرار.

يوجد فارق بين داعش والأنظمة, ولا فارق بين أنصار داعش و بين هتيفة، وسحيجة، ومطبلاتية الأنظمة، لا فارق بين “باقية وتتمدد” وبين “تحيا ماسر” و”عاش الملك” و”عاشت سوريا الأسد”، كلهم دواعش.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد