هل قُتل الحسين في كربلاء؟ أم أنه يُقتل منذ كربلاء كل يوم؟ ومنذ كربلاء وحتى الآن، كم كربلاء مرت علينا؟ يُقال أنها سُميت كربلاء لما حدث فيها من “كربٍ” و”بلاء”.

سيأخذ الطريق من مكة التي اعتصم بها رفضا لبيعة “يزيد” إلى الكوفة. سيسير الكثيرون بعده في نفس الطريق ويكابدون ما كابد، لن يصل هو إلى الكوفة أبدًا. وربما يصلون هم أو لا يصلون فلكلٍ منهم كربلاؤه. وسنفهم من قصته أن النصر يكمن دوما في الطريق، وليس حتما في الوصول.

يحاول “يزيد” – وكل يزيد يحاول – بطريقة أو بأخرى إضفاء الشرعية على تنصيبه كخليفة فيقوم بإرسال رسالة إلى والي المدينة يطلب فيها أخذ البيعة من الحسين الذي كان من المعارضين لخلافة “يزيد”، إلا أن الحسين يرفض أن يبايع “يزيد”، ويغادر المدينة سرًا إلى مكة ويعتصم بها وهو يقول: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”.

لم يقبل الحسين أن تتحول الخلافة الإسلامية إلى إرث إذ أن هذا يختلف اختلافا منهجيا كاملا عن فكرة الخلافة. وتبدأ القصة الدامية في أحداثها الغادرة. الآلاف من أهل الكوفة يطلبون من الحسين القدوم إليهم ليبايعوه خليفة للمسلمين فيرسل ابن عمه “مسلم بن عقيل” ليكشف له حقيقة الأمر.

سيجد “مسلم” في الكوفة تأييدا لفكرة خلافة الحسين ومعارضة شديدة لخلافة “يزيد بن معاوية”، فيرسل للحسين بأن يأتي لكن الأحداث ستتسارع بقتل “مسلم” في الكوفة على يد “عبيد الله بن زياد” بعد أن تتخلى عنه الجموع التي أيدته، خوفًا من بطش “بن زياد”.

في طريقه سيعرف الحسين بمقتل ابن عمه، وسيشير عليه الكثيرون بالعودة، لكن إخوة مسلم يصرون على الذهاب للقصاص. سيذهب الحسين متخذًا موقفًا أيديولوجيا منهجيا صارما وهو يقول: “من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله، ناكثا عهده مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يُغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله”.

في تلك المعركة الفاصلة في التاريخ كم تتوقع أن يكون تعداد جيش الحسين؟ بضعة آلاف أليس كذلك؟ أم بضع مئات على الأقل؟ في الحقيقة كان تعداد جيش الحسين ثلاثة وسبعين رجلًا وفي رواية اثنين وسبعين رجلًا. اثنان وثلاثون فارسًا وأربعون راجلًا في مجابهة جيش قوامه خمسة آلاف فارس على أقل تقدير، وعندما يلتقي الجيشان إذا صح وسمينا جيش الحسين جيشًا سيخيرهم بين ثلاث: “إما أن تَدَعُوني فأنصرف من حيث جئت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور”.

 

ولن يرضوا هم إلا بالتسليم التام والبيعة التامة، فيرفض سيد شباب أهل الجنة ويحارب حتى آخر قطرة من دمه. في تلك النقطة تحديدا من القصة دومًا ما كنت أتساءل، أين أهل الكوفة الذين طلبوا منه المجيء؟ ولم تخلوا عنه؟ هل طمعًا في ذهب “يزيد” أم خوفًا من بطشه أم الاثنين معا؟

ولم تتخلَ الأمم كثيرًا عن محرريها؟ ليس ذلك فحسب ولكن منهم من ينضم أيضًا إلى جيش بن زياد ليشارك في المعركة ضد الحسين. موجع هو الخذلان، موجع ومرير. وليس أوجع من خذلان من ظننته ناصرك أبدًا. وقبل أن تبدأ المعركة الدامية تتحدث الكثير من الروايات عن أن جيش بن زياد يمنع الماء عن الحسين وأهل بيته وصحبه. أهل بيت رسول الله يُمنع عنهم الماء، الأطفال والنساء يتضورون عطشا. لكن الفارس لا يستسلم قائلا: “موت في عز خير من حياة في ذل”.
وتبدأ المعركة الدامية، يبدأ رماة جيش بن زياد في إمطار الحسين وأصحابه بوابل من السهام، يسقط أصحاب الحسين واحدا تلو الآخر.

حتى يبلغ عدد من سقطوا بعد ساعات قليلة خمسين قتيلا، ويستمر الهجوم والزحف على من بقي من جيش الحسين، حتى يُحاصروا من كل الاتجاهات. ثم يبدأ جيش بن زياد في حرق خيام الحسين وأصحابه. وعندما يعرف رضي الله عنه أنهم يتأهبون للإغارة على أهل بيته، يصرخ فيهم قائلا: “إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارًا في دنياكم”. لكن هؤلاء لا يردعهم شيء، وتستمر المعركة.

لا يستسلم أحد من جيش الحسين ولا يتراجع أحد، لكن جنودًا من جيش بن زياد يتركون معسكره، وينضمون لمعسكر الحسين منهم: “الحر بن يزيد الرياحي” الذي يقول قولته الشهيرة: “إنّي والله أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئًا، ولو قطّعت وحرّقت”، ثمّ يضرب فرسه فيلحق بالحسين فيحيط به جيش بن زياد من كلّ صوب حتى يردوه قتيلا فيأتيه الحسين قائلا: “يا حر، أنت حرّ كما سُميت في الدنيا والآخرة”. وتستمر المعركة، يُقتل ابنه الأكبر علي، إخوته: عبد الله وعثمان وجعفر ومحمد، أبناء أخيه الحسن؛ أبو بكر القاسم والحسن المثنى، ابن أخته زينب، عون بن عبد الله بن جعفر الطيار، آلِ عقيل جميعهم. ولا يستسلم الحسين ولا يتراجع ولا ينجو بنفسه.

وتبدأ اللحظات الأخيرة، يمتطي الحسين صهوة جواده يتقدمه أخوه “العباس بن علي” حاملا لواء المعركة، حتى يقع شهيدا. ويبقى ابن بنت رسول الله يحارب جيشًا كاملا وحده، ويطلق صرخته الأخيرة، “هل من ناصر ينصرني؟ هل من ذابّ يذبُّ عن حرَمِ رسول الله؟”، فتجيبه طعنة غادرة من سهم مثلث ذي ثلاث شعب، فيخترق قلبه، وتنهمر ضربات الرماح والسيوف على جسد سيد شباب أهل الجنة، ويسقط صريعًا وغريبًا ووحيدًا.

 

ثم يأتي “شمر بن ذي الجوشن” ليفصل رأس الحسين عن جسده باثنتي عشرة ضربة سيف. حتى يحملها لابن زياد في الكوفة. وهكذا.. هكذا قُتل الحسين. الحسين الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: “حسين مني وأنا من حسين”.

 

بعد استشهاده يُعثر في جسده الشريف على ثلاثٍ وثلاثين طعنة، وأربعٍ وثلاثين ضربة سيف، أما عن رأسه فيختلف المؤرخون في مكانها فمنهم من يقول أن الرأس دُفن مع الجسد في كربلاء، ومنهم من يقول في الشام أو في عسقلان أو في القاهرة أو في البقيع. وحتى الآن لا يُعرف تحديدا مكان رأسه الشريف.
ويبقى السؤال الأهم، من الذي انتصر؟ الحسين أم من قتله؟ الجرح أم السكين؟ السيف أم الطعنة النجلاء؟ الدم المسفوك أم من سفكه؟ الرأس المحمول لابن زياد في الكوفة أم “ابن زياد”؟ الجسد المسجي في الصحراء ثلاثة أيام قبل أن يستطيعوا دفنه أم الخليفة القابع في قصر الإمارة؟

ستجيبك لعنة دم الحسين، ستتحول لعنة دم الحسين إلى ثورات كبرى كثورة بن الزبير، وسيُقتل قتلة الحسين على أيدي المختار الثقفي وإبراهيم بن مالك الأشتر. بعضهم سيصاب بحالة أشبه بالجنون قبل موته، إنها لعنة الدم ويا لها من لعنة.

سيجيبك التاريخ وتجيبك الجغرافيا، ويجيبك الفقهاء والأئمة والمؤرخون على مر التاريخ كله، سيجيبك الحسين نفسه قائلا: “لست أخاف الموت وهل تقدرون على أكثر من قتلي؟ لكنكم لا تقدرون على هدم مجدي، ومحو عزي وشرفي”.

عبر التاريخ كله سيُقتل الحسين ألف مرة، وستُضحي الكثير من أيامنا كربلاء، ولن يكف جيش بن زياد عن قنصنا وحرقنا وقتلنا والتمثيل بجثثنا. عبر التاريخ كله سيأتي حسين وألف حسين كي يرفعوا راية الحق ضد كل سلطان جائر، لا يضيرهم أبدا فصل رؤوسهم عن أجسادهم لقاء ذلك، وسيأتي “الأحرار” ويتركون جيش بن زياد كي ينضموا لجيش الحسين فيضحون أحرارًا في الدنيا والآخرة، كما “الحر بن يزيد”. وسيأتي ثمة شمر وألف شمر، ليقطع رأس الحسين وكل حسين ويفصلها عن جسده كي ينال رضا سلطان ما.

لن تتوقف القصة أبدا بل ستتكرر كل يوم، عبر التاريخ كله ستظل صرخة الحسين تدوي، هل من ناصر ينصرني؟ هل من ذابٍ يذب عن حرم رسول الله؟ فهل من مجيب؟ ومتى سنترك “الكوفة”؟ وننصر الحسين، وننصر جد الحسين، وننصر دينًا لطالما خذلناه، فخذلتنا الدنيا بأسرها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد