(1)

أجلس إلى شاشة الكمبيوتر. أقوم بإخلاص بالعديد من الأعمال الفارغة التي لا قيمة لها ولا هدف. يمرّ أخي بالصالة متحدثًا إلى أمي البعيدة. أسمع همهمات كلامها بلا تركيز كبير. قبل أن تقر الجملة في أذني. “فيه واحدة ماتت في طلعت حرب”.
“واحدة ماتت؟”
أقولها لنفسي متعجبًا. لم أتابع السياسة منذ أزل بعيد. لم أعد قادرًا على تحمل المزيد من الهراء، الأنانية، الغباء والكذب. لكن أثار الأمر فضولي. من ماتت؟ ولماذا؟

أكتشف بعد قليل أنها (شيماء الصبّاغ). الاسم مألوفٌ قليلًا. ربما مرّ عليّ من قبل. لا يهم. ماذا كانت تفعل لكي يقتلوها؟ هنا تنبّهت إلى أنني صرت أبحث عن سبب يبرر إطلاق الخرطوش على رؤوس الناس في الشوارع.

بعد فترة من العيش في كنف الأقذار تتطبّع بشيء من طباعهم. شئت أم أبيت. “آسف”، قلتُها لشيماء، وأنا أبحث بجدية عمّن كانت.

(2)
صحفيةٌ هي. أمين العمل الجماهيري بحزب “التحالف الشعبي الاشتراكي”. متزوّجة ولديها طفل. جاءت من الإسكندرية خصيصًالتشترك في إحياء ذكرى ثورة يناير. فأبت الذكرى إلا أن تموت الثورة وتأخذها معها في الطريق. أنظر إلى وجهها مليًا وعقلي لا ينفك يسأل: لِمَ اشتركت في هذا العبث؟ كيف تحمّست للمشاركة أصلًا؟

 

ماذا كانت تفعل في وسط البلد؟ يتضّح أن الحزب قد دعا إلى مسيرة لإحياء ذكرى الثورة ووضع بعض الأكاليل والزهور على نصب الشهداء. بعض المصادر تقول أنها كانت مسيرة صامتة. هكذا خُطّط لها على كل حال لأنه من المستحيل ألّا يضيق صدر هؤلاء القوم فيجأرون بالهتاف في مثل هذا الوقت، في مثل هذا المكان.

هتفوا. وكان على الداخلية أن تأتي بالطبع. سود الأزياء، سود الوجوه والقلوب. لابد أنهم نظروا إلى التظاهرة بسخرية تامّة. “عشرات؟ لقد التهمنا ميادين كاملة من قبل!” هكذا يفكرون وهم يعدّون قنابل الغاز وطلقات الخرطوش. سيطلقون القليل من الرصاص على الأقدام – وربما الأذرع – ويستعملون الغاز بكثافة ولن يصمد أحد. وربما لن يسمع أحد بأنه كانت هنا مسيرة أصلًا.
قليل من الاشتباكات. لا بأس.لقد اعتدنا هذا النوع من العمل.

هنا طاشت طلقة الخرطوش. تُرى هل طاشت من عبد الصمد الريفي الفقير الذي لا حول له ولا قوة، أم طاشت من يد سعادة الباشا؟
هل طاشت من عبد المأمور أم المأمور؟

لا يهمّ كثيرًا. لأن كليهما مذنب بذات القدر، ولن ينال أحدهما من العذاب ضعف الآخر.ولأنها استقرّت في رأس شيماء على أية حال. الخرطوش يُطلق على الأقدام في الحالات الحرجة. كانت هذه حالة أكثر من حرجة.هناك من جرؤ على رفع صوته يا قوم. هكذا ماتت شيماء.

(3)
كان من المتوقع أن يمرّ الأمر بسلام. لكن القدر أبى. أؤمن إيمانًا كاملًابأن الله يلفت أنظار الخلق إلى حيث يجب أن ينظروا. فإن آمنوا فقد اهتدوا، وإن ضلّوا فالله لم يظلمهم وإنما ظلموا أنفسهم. هكذا يلتقط أحدهم بهاتفه اللحظات الأخيرة لشيماء الصبّاغ كأنها رسالة السماء إلى قوم من الأنطاع.

الدماء تسيل من رأسها المصاب بالخرطوش. أحد رفقائها يحملها متلفتًا حوله في جزع. ليس هذا هو الملفت هنا. الملفت هو من حولها، الشعب. كانوا – أُقسم – يضعون أيديهم في جيوبهم ويشاهدون. من كان ماشيًا في طريقه توقف. لكن هذا كل شيء. لم يمدّ أحدٌ يدًا ليساعد. أنعام تقف حول المشهد في حسرة، بل أضلّ سبيلًا.

“وقّفلي تاكسي والنبي!”

تذهب شيماء إلى المستشفى. تموت شيماء في المستشفى. ينتشر العويل على أرجاء مواقع التواصل الاجتماعي. تنشر الصفحات نكاتها الساخرة عن الشرطة التي تعهدت بالقبض على القتلة. أجلس أنا لأكتب مقالًا عن شيماء. هي هي الدائرة. هو هو العجز.
لا شيء جديد.

 

كان يجب أن أتوقع هذا حين أصبحت مشاهدة القنوات الإخبارية بفظائعها كمشاهدة مسلسل شيق. لا تتوقع رد فعل سويًّا ممن يعدّون لأنفسهم كوبًا من الشاي وربما بعضًا من المسليّات قبل مشاهدة فيديوهات التعذيب والقتل على قنوات المعارضة القليلة الباقية ويمصمصون شفاههم.

هذا حال المعارضين فتخيّل من يؤيّد القاتل. لقد طبّعنا تطبيعًا كاملًا مع القتل كضيف سعيد على دولتنا الحبيبة الجديدة. فجّرنا فيهم قنبلة. أحسن. واحد صفر.
(4)
هل ستُعلن الدولة سبعة حدادًا على روح شيماء؟

هناك رواية اسمها “كل شيء هادئ في الجبهة الغربية”.يموت البطل في نهاية الرواية. يخرج التقرير بهذه النتيجة. قتيل واحد. عدا ذلك لا شيء حدث.

لن أقبل الحداد عن نفسي قبل أن تجد الشرطة القاتل، ناهيك عن أن خادم الحرمين لا نساويه بامرأة سافرة. ثم إنه قتيل واحد. عدا ذلك كل شيء هادئ في الجبهة الغربية.

بالمناسبة فإن الشرطة متهاونة للغاية في عملها هذه الأيام لأن بعضًا من أصدقائي أحرار العقل ما زالوا أحياء. والأدهى أنهم خارج السجون. هذا شيء خطر جدًا وينذر ببارقة أمل كارثية.

 

أناشد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن تعمل آلة القتل أكثر من ذلك قليلًا، لأن الأمل خطير كما تعلّمنا جميعًا.

وإليكم موجز الأنباء:

– يرى الدكتور حازم عبد العظيم أن ما قيل عن شيماء “أفورة” و”يخدم شلة دواعش يناير”.

– علّقت داليا زيادة، المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الديمقراطية (الحرة طبعًا) قائلة:
”بالعقل كده الداخلية تقتل حد من مظاهرة متكونة من 20 شخص ليه؟ ليس من مصلحتها، هيا فاضية لمظاهرات ولا تفجيرات ولا إيه”.

– أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، اللواء هاني عبد اللطيف؛ أن أجهزة الأمن تكثف من جهودها لتحديد هوية المتهمين في واقعة مقتل الناشطةشيماء الصباغ.

 

(5)
“شيّع صحابك من معركة بالليل
والصبح فرّج دمهم للخلق
ولأتوبيسات الناس الرايحة للأشغال
اصرخ بصوت عالي.. وبحشرجة في الحلق
واسكت عشان ما بقاش فاضل
كلام يتقال”

مصطفى إبراهيم

(6)
“نسكتوا ولا نحاول؟
لا.. نحاول”

الأبنودي قبل أن يتوقف عن المحاولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد