مـمَّـا لا مِرية فيه أن الشريعةَ التي تأتي من الله – تعالى – لخلقه وعباده لا يمكن أن تكون مصدرَ شقاءٍ وشَظَفٍ للناس، أو وسيلةً لفضحِ المذنبين، فالله تعالى سِتِّيـرٌ يحب السِّتـرَ، ومَن سَتـَرَ مسلمًا ستـَرَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخرة كما جاء في الحديث المشهور.

ثم إنَّ مبنى الشريعةِ وأساسَها – كما قال ابن القيم – عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا؛ فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنْ الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى الْبَعْثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ؛ والشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللَّهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَظِلُّهُ فِي أَرْضِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَتَمَّ دَلَالَةً وَأَصْدَقُهَا، وهِيَ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَحَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّةُ الْأَرْوَاحِ؛ وهِيَ بِهَا الْحَيَاةُ وَالْغِذَاءُ وَالدَّوَاءُ وَالنُّورُ وَالشِّفَاءُ وَالْعِصْمَة. انتهى كلام ابن القيم بتصرف.(1)

بَيدَ أنَّ ما نراه ونلمَسُه مِن واقع المسلمين وتعاملِهِم مع النَّاسِ، لا سيمـا المذنبون منهم هو اِزورارٌ عنيدٌ عن وجهةِ تلكم الشريعةِ الرَّحيمةِ العَتِيدَة، وبعيدٌ عن روحِها بُعدَ المشرِقَين، ولا يُنبئ إلا عن قسوةٍ في القلوب، وزحمةٍ في التشريع، وهتكٍ لحرمات الناس، وفضحٍ للعصاة والمذنبين على رؤوس الخلائق.

ومن تلكم التصرفات المبنيةِ على فِقهِ الرَّحمةِ ما نراه بين الفينة والأخرى من نشرٍ لمقاطعَ يَتِمُّ فيها قطعٌ لأيدي السُّراق، وجلدٌ ورجمٌ للزناة، وإلقاءٌ للشَّواذ من فَوق سوامق البنايات وشواهق العمارات.

ولكنْ – بِغَضِّ النظرِ عَن مَدى شَرعيةِ بَعضِ هاتهِ العقوباتِ – فهل نشرُ هذهِ المقاطعِ من شريعةِ اللهِ الرؤوفِ الرَّحيم السِّتِّيـر الوَدود؟

هل يجوز في شرع الله تعالى تصويرُ عقوبةِ الـمُـذنب، ومن ثّمَّ نشرُه وفضحُه على رؤوس الخلائق بحيث يراه البَرُّ والفاجِر، الصَّالح والطَّالح، المؤمنُ والكافرُ، الصَّدِيقُ والعدوّ؟

لا أخالُ أحدًا له مُسْكةٌ من العقل، وحُظوة من الحُنْكَةِ، وكِفلٌ من الحِكمَةِ يرتضي أن تكون هاته الفضيحةُ له دينًا ومذهبًا.

بيدَ أنَّ مَن يقومُ بمثل هاته التصرفات الشائنة ويـُنشرُ مقاطعَ العقوبات يأتيكَ منافِحًا، ويَكيل لك الاتهاماتِ بالمروق من الدين والسفه والخبال جُزافا، ويقولُ لك: يا جاهل، أمَا قرأتَ قولَه – تعالى – في عقوبةِ الزَّاني والزَّانية كما في مُستهَلِّ سورةِ النور: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. أليسَ هذا نصًّا قاطعًا لدابر النزاع، وحجةً قويةً لـمـا نقوم به من فضحٍ للعصاة والزناة واللصوص، وهتكٍ لحرمات أناسٍ فضحوا أنفسَهم، ولم يُراعوا لها حرمةً ولا كرامة، ولا يرقبون في أنفسهم إلًّا ولا ذِمَّةً؟

وأنا أقول دونما مواربة، وبكلِّ ما آتاني الله تعالى من ثقةٍ بعدلِ الله – عزَّ وجلَّ – ورحمتِه بعباده وحبِّه للسِّتـر والتَّوبة والأَوبَةِ:

إنَّ فِعلَكُمْ هذا تطبيقٌ لآيةٍ شيطانيةٍ يقول فيها الشيطانُ: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما الناس كلُّهم أجمَعُون. أما الآيةُ القرآنيةُ النوريةُ الجليلةُ التي يقول فيها المولى – عزَّ وجلَّ – وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فهي لا تَدُلُّ على ما ترومُونَه وتَفعلُونَهُ – لا مِن قريبٍ ولا من بعيدٍ – لذا أدعوكم إلى التـَرَيُّثِ هُنَيهَةً، والتُؤَدَةِ لُـحَيظاتٍ بُغيةَ قراءةِ ما سَطَرَه لكم يَراعي في هاته الأسطر إن كنتم تبغون الحق وتنشُدُونَ طريقَه:

أولا: إنَّ العلماءَ قد اختلفوا في حكم حُضورِ طائفةٍ من المؤمنين، ذهب الجمهور إلى أن حُضُورَهم مُستحَبٌ، وليس واجبًا، وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى القولِ بالوجوب، والراجحُ هو الوجوبُ؛ إذْ لا دليلَ على صرفِ الأمرِ إلى غيره.

ومع اختيارنا لمذهب القائلين بالوجوب، بيدَ أنَّ هاته الآيةَ الجليلةَ ليستْ عامةً في كلِّ عقوبةٍ، وإنما هي خاصةٌ بعقوبة الزُّناة، ولكنَّكم خالفتم النَّصَّ، وعمَّمتموه على كلِّ عقوبة، وهذه بدايةُ الانتكاسةِ، وطليعةُ الاِرتكاسة.

ثانيًا: الآية خاصةٌ بعقوبة الجلد للزناة، ولكنَّكم لم تتقيدوا بهاته الخصوصية، وطبقتموها – من غير دليلٍ – على حالةِ الرجم والإلقاء من الشواهق، وغيرها من العقوبات!

ثالثًا: نصَّت الآيةُ على حضور طائفةٍ من المؤمنين، وهذا يدل على أنَّ شهودَ العقوبة منحصرٌ في طائفة من المؤمنين، ولكنكم لم تتقيدوا بالنص مرة أخرى، وَجعلتم المذنِبَ فُرْجَةً للعالمين، وضُحكةً للسفهاء والجاهلين، وبهذا تكونون قد أبعدتم النُّجْعَة في فهم النص، وسلكتم غير مسلك الهدى في نُشْدان الحقِّ!

ثم إنَّ مصطلحَ الطائفة هنا لا يعني جميعَ المؤمنين، بل يعني بعضًا منهم، لكنكم آثرتم العمومَ على الخصوصِ مِن غيرِ حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ، وقد اختلف العلماء في تحديد هذا البعض المقصود في الآية الكريمة على آراء:

الرأي الأول: يكفي أن يَـشهدَ العقوبةَ رجلٌ واحدٌ، وبه قال ابنُ عباس في رواية، والْحَسَنُ البصري في رواية، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وأحمَد.

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأَصلِحوا بينهما. [الْحُجُرَاتِ: 9].

الرأي الثاني: لَا بُدَّ مِن حضور اثْنَيْنِ، وَهَذَا مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ. [التَّوْبَةِ: 122] قالوا: َكُلُّ ثَلَاثَةٍ فِرْقَةٌ، وَالْخَارِجُ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ، وقد أطلق عليه وعليهما مصطلح الطائفة، وَالِاحْتِيَاطُ يُوجِبُ الْأَخْذَ بِالْأَكْثَرِ، أي الاثنين.

الرأي الثالث: قَالَ الزُّهْرِيُِّ وَقَتَادَةُ: الطَّائِفَةُ هِيَ الْفِرْقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُكَوِّنَ حَلَقَةً، كَأَنَّهَا الْجَمَاعَةُ الْحَافَّةُ حَوْلَ الشَّيْءِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَقَلُّ مَا لَا بُدَّ فِي حُصُولِهَا هُوَ الثَّلَاثَةُ، ولأن أقل الجمع ثلاثة.

الرأي الرابع: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ في رواية أخرى، وابْنُ زَيْدٍ ومَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ حضور أربعة؛ لأن الأربعة هي العدد الذي يثبت به الزِّنَى، فوجب أن يكونوا هم العدد الذين يحضرون إقامة الحد.

الرأي الخامس: قَالَ رَبِيعَةُ: خَمْسَةٌ.

الرأي السادس: قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ – كما في رواية أخرى عنه – عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ هِيَ الْعَدَدُ الْكَامِلُ.

وقيل في روايات غير ثابتةٍ أكثرُ مِن ذلك.

بيدَ أنَّ أحدًا من العلماء لم يَقُلْ بتعميم رؤيةِ العقوبةِ على الكُلِّ بحيث يراها جميعُ المؤمنين بِـبَـرِّهم وفاجرِهم، ويراها جميعُ الناس باختلاف مِلَلِهم ونِحَلِهِم! (2)

رابعًا: ليس المقصود من حضور طائفة من المؤمنين هو فضح المذنب العاصي، بل الغايةُ من ذلك جملة أمور، منها:

منها: التحقيق من إقامة الحد والحذر من التساهل فيه.

قال ابن عاشور: أَمَرَ أَنْ تَحْضُرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِقَامَةَ حَدِّ الزِّنَا تَحْقِيقًا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ وَحَذَرًا مِنَ التَّسَاهُلِ فِيهِ، فَإِنَّ الْإِخْفَاءَ ذَرِيعَةٌ لِلْإِنْسَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَشْهَدْهُ الْمُؤْمِنُونَ فَقَدْ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ عَدَمِ إِقَامَتِهِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ إِهْمَالُهُ، فَلَا يُعْدَمُ بَيْنَهُمْ مَنْ يَقُومُ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ مِنْ تَعْطِيلِ الْحُدُودِ.(3)

ومنها التثبت في أداء الشهادة؛ لأن الشهودَ إن لم يكونوا صادقينَ في شهادتهم لـمـَّا يـَحـضُرون موطنَ إقامة الحد على المتهم قد يؤنِّبُهم ضميرُهم على اتهامهم لشخص بريء، ويرأفون به، ويتراجعون في شهادتِهِم، ويُعلنونَ على الملأ بَراءَتَهُ، ويكفي في إلغاء العقوبة رجوعُ أحدِ الشهود.

ومنها: الدعاء للعاصي بالمغفرة والرحمة:

قَالَ نصرُ بنُ علقمةَ في قوله تعالى: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِلْفَضِيحَةِ، إِنَّمَا ذَلِكَ لِيُدْعَى اللَّهُ تَعَالَى لهما بالتوبة والرحمة. (4)

وَحَرِيٌ في هذا المقامِ أنْ أنقُلَ إليكم كلامًا للإمام محمَّد بنِ محمَّد بنِ محمَّد الغزَّالي، والذي لو كُتِبَ بماء العُيونِ لكانَ قليلًا في حقِّه.

قال – وهو بِصَدَدِ بيانِ حَظِّ العَبدِ مِن اسمِ اللهِ الرَّحمن – حَظّ العَبْد من اسْم الرَّحْمَن أَن يَرْحَمَ عِبادَ اللهِ الغافلينَ فيَصرِفَهُم عَن طَرِيق الْغَفْلَة إِلَى الله – عزَّ وَجلَّ – بالوَعْظِ والنُّصحِ بطرِيقِ اللُّطفِ دونَ العُنْفِ، وَأَن يُنظرَ إِلَى العُصاةِ بِعَين الرَّحْمَة لَا بِعَين الإزراء، وَأَن يكونَ كلُّ مَعْصِيّةٍ تجْرِي فِي الْعَالَمِ كَمُصيبةٍ لَهُ فِي نَفسِهِ، فَلَا يألو جُهدًا فِي إِزَالَتهَا بِقدر وسْعِهِ رَحْمَةً لذَلِك العَاصِي أَن يتَعَرَّضَ لِسَخَطِ اللهِ وَيسْتَحِقَّ الْبُعدَ مِن جِوارِه.(5)

خامسًا: إنَّ في تصوير مقاطعِ العقوباتِ ونشرِها مفاسدَ كثيرةً، لا سيما بالنسبة للإناث اللائي وقعن في الرذيلة، وفيها إعانةٌ للشياطين عليهن، وذريعةٌ لمن في قلبه مرض من ذوي النفوس الخبيثة بالتعرض لهنَّ والتحرش بهنَّ وإسماعِهنَّ كلماتٍ لاذعةً كُلَّما خرجْنَ من البيت، لا سيما في المجتمعات الآسنةِ القاسيةِ كمجتمعاتنا التي لا ترحَمُ الـمُذنِبين وإن تابُوا وآبُوا.

روى البخاري في صحيحه أنَّ النبيَ – صلى الله عليه وسلم – أُتِـيَ بِسَكران، فلما عُوقِبَ وانصرَفَ قال رجلٌ: ما لَهُ، أخزاه الله، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا تكونوا عونَ الشيطان على أخيكم. (6)

تصور تلك الفتاةَ المذنبةَ التي اعترتها حالةُ ضَعفٍ بشريةٌ فارتكبت الفاحشةَ، ثم أقرَّتْ أو شهِدَ عليها أربعةٌ وعُوقِبَتْ على فِعلتِها، وصُوِّرَت عقوبتُها ثم نُشِرَتْ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي وعَلِمَ بها الناسُ، كلما خرجت تحرش بها الذئاب البشرية وأسمعوها كلماتِهم البذيئةَ، وسلقوها بألسنة حِدادٍ أشحةٍ على الخير، ماذا يكون موقفُها حينئذ؟ هل يبقى في قلبها شيء من الحب لدين الله تعالى والمجتمع الآسن الذي لا يرحم المذنب وإن تاب وآب، أو تنقم من ذلك الدين الذي سبب لها كل هاته الإحراجات والمآسي وتثور في داخلها على ذلكم المجتمع القاسي الغليظ؟!

ألا يكون مثل هاته التصرفاتِ القاسيةِ مَدعاةً وسببًا للتفكير بالانتحار وتخليص النفس من شزرات نظرات الناس وبذاءة كلماتهم؟!

وحتى لو أغلقت المسكينة أبوابَ بيتِها على نفسها، وَثَوَت في غُرْفَتِها قابعةً لا يَراها أحدٌ ولا ترى أحدًا، فإن أخبارَها تنتشِرُ في مواقعِ التواصلِ الاجتماعي انتشارَ النَّارِ في الـهَشيمِ حتى يُصبِحَ خبرُها على ألسنة الناس بصالحِهم وطالِحهم!

ثم تصوَّرْ حالةَ أولادِها وأقربائِها كيفَ يَخرُجُونَ ناكسِي رؤوسِهم خجِلينَ، هل ترى هذا الأسلوبَ اللاإنساني يَمُتُّ إلى شرعِ اللهِ بِصلةٍ، وهل يُرضِيكم مثلُ هذا لبناتِكم وأخواتِكم؟!

ثم إنَّ الذي يُعاقَبُ ويصوَّرُ أثناءَ إقامةِ الحدِّ عليه، ثم تُنشرُ فضيحتُه على الملأ ربما يكون بريئًا واتُّهم بِالباطِل، وقد يكون أشرفَ وأكرمَ عندَ اللهِ مِنَ الجلاَّدِ ومن القاضي الذي أصدر الحكم، ومن الأمير الذي نَصَبَ نفسَهُ خَلِيفةً على المسلِمين.

وعلاوةً على ذلكَ فإنَّ نشرَ مقاطعِ العُقُوباتِ مَدْعَاةٌ لخوضِ النَّاسِ في أعراضِ النَّاسِ وأكلِهِمْ لحُوُمَ إخوانِهم مَيْتَةً، وأقلُّ ما يُقالُ في حقِّهِم أنَّهُم وَقَعوا في الغيبة، هذا إذا لم يقعوا في البهتان الذي هو أشدُّ خَطَرًا وإِثْمًا مِن الغِيبَة.

وفي نهاية المطاف أقول: إن أداءَ الشَّهادةِ في الحدُودِ ليسَ مستحَبًّا، والسِّترُ أولى وأفضلُ وأجدرُ، والإسلام لا يُشَجِّعُ على الإقرار، ولا على أداءِ الشهادة في الذنوبِ الخاصَّةِ بين العبد وربه، فسيدنا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – عَرَفَ حقيقَةَ الإسلام، وخَبَرَ ما يُحبُّهُ اللهُ – تعالى – مِن السِّتـرِ لعباده المذنِبين، فلذلك قال‏: لو لمْ أجِدْ للسارقِ والزاني وشاربِ الخَمرِ إلّا ثوبي لأحبَبْتُ أنْ أستـُرَهُ عَلَيه. (7)

وروى أصحابُ السننِ والمسانيد أنَّ شَخصًا اسمُه هزَّال لما عَلِمَ بأنَّ صاحبَه ماعزَ بنَ مالك قد زنى بامرأة، أمَرَهُ هزَّالُ أنْ يأتيَ النبيَ – صلى الله عليه وسلم – فيُخْبِرَهُ، فَفَعَلَ ماعز ما أَمَرَهُ بهِ هزَّال، فعُوقِبَ على ذلك، ولما عَلِمَ النبيُ – صلى الله عليه وسلم – بأنَّ هزَّالًا هو الذي أَمَرَهُ بالاعترافِ أَمامَه قال لهزَّال: ويلَكَ يا هزَّال، لو ستـرتـَهُ بثوبكَ كان خيرًا لك. (8)

وروى الشيخان عن أبي أمامةَ – رضي الله عنه – قال: بينما رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – في المسجد، ونحن قُعودٌ معَه، إذ جاءَ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حَدّاً، فأقَمْهُ عَلَيَّ، فسكَتَ عنه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – ثم أعاد فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا، فأقمه علي، فسكت عنه، وأُقِيمَت الصَّلاةُ، فلما انصرفَ نبيُّ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – قال أبو أمامة: فاتبع الرجلُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – حين انصَرَفَ، واتبعتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – أنظرُ ما يَرُدُّ على الرَّجل، فلحق الرجلُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا، فأقمه علي، قال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى، يا رسول الله. قال: ثم شهدت الصلاة معنا، فقال: نعم، يا رسول الله، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن اللهَ قد غفر لك حدَّكَ، أو قال: ذَنْبَكَ. (9)

فاتقوا الله في دين الله، واتقوا الله في شرع الله، واتقوا الله في عباد الله، ولا تكونوا أعوانَ شرٍّ للشياطين على إخوانكم وأخواتكم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

جامعة صلاح الدين-أربيل- العراق

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى: 751هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية – ييروت، الطبعة: الأولى، 1411هـ – 1991م:3/12.
(2) ينظر: تفسير القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964م: 12/166، وتفسير ابن كثير، دار الكتب العلمية،بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ:6/6-7، وفَتْح الباري لابن حجر، دار المعرفة-- بيروت، 1379هـ: 2/63، و الشرح الكبير للدردير،دار الفكر:4/320، وبداية المجتهد لابن رشد، دار الحديث – القاهرة، 1425هـ – 2004 م: 4/221، والمهذب للشيرازي، دار الكتب العلمية:3/342، وبحر المذهب للروياني، تحقيق: طارق فتحي السيد، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2009م:13/16، والبيان للعمراني،دار المنهاج – جدة، الطبعة الأولى، 1421هـ- 2000م:12/377، والمجموع للنووي، دار الفكر: 20/42، والشرح الكبير على المقنع لابن قدامة المقدسي،دار الكتاب العربي:10/170.
(3) التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ)، الدار التونسية للنشر – تونس، سنة 1984 هـ::18/152
(4) تفسير ابن كثير:6/6-7.
(5) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، المحقق: بسام عبد الوهاب الجابي، قبرص، الطبعة الأولى، 1407هـ – 1987م: ص64.
(6) صحيح البخاري – كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر.
(7) مصنف عبد الرزاق الصنعاني – كتاب اللقطة- باب ستر المسلم -.
(8) رواه أبو داود في سننه- كتاب الحدود، ومالك في الموطأ مالك – كتاب المدبَّر، وأحمدُ في مسنده- مسند الأنصار، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الرجم، والحاكم في المستدرك- كتاب الحدود.
(9) صحيح البخاري – كتاب الحدود- باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه، وصحيح مسلم – كتاب التوبة- باب قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات.
عرض التعليقات
تحميل المزيد