«كل يؤخذ من كلامه ويرد، إلا صاحب هذا القبر» قالها الإمام مالك بن أنس رحمه الله، والمقصود بصاحب القبر هو الرسول صلى الله عليه وسلم. هي كلمة خلدها التاريخ، ومثلها يجب أن يخلد، ولم يختلف عليها أحد عبر الزمان، وأزعم أن أحدًا لا يجرؤ أن يختلف معها يومًا، لذا كثيرًا ما نستشهد بها من حين لآخر.

ليس السبب الوحيد وراء استشهادنا بها كل حين هو مجرد الثقة في صواب معناها، لكن سببًا آخر يلح علينا بشكل شبه يومي ويذكرنا بها ويلجئنا إلى الاستشهاد بها، هذا السبب هو ذلك السيل من الآراء والفتاوى والأفكار والأخبار التي يأبى العقل أن يمررها، وربما يتضامن صحيح الشرع كثيرًا مع العقل في رفضه تلك الآراء والفتاوى.

لست أهلًا للفتوى، ولست مفكرًا أو أديبًا، ولست صاحب مكانة علمية مرموقة، ولست صاحب مال أو جاه أو سلطان أو سياسة، لكن ذلك كله ليس السبب وراء وقوفي وبكل قوة أمام هؤلاء الذين يغرقوننا كل يوم بأكوام من الآراء والفتاوى التي لا يقبلها العقلاء، وفي نفس الوقت أتقدم بلا تردد صفوف هؤلاء الذين لا يرضخون لكل صاحب رأي أو فتوى لمجرد أن اسمه العالم فلان أو الشيخ علان.

لي مقياس أساس وميزان أزن به كل قول، هو صريح القرآن وصحيح صريح السنة، أما ما دونهما فلا قدسية له، أناقشه وأفكر فيه ولا أتسرع في قبوله لمجرد مكانة قائله، مع حفظ الاحترام والتقدير لكل صاحب علم، حتى أنني لم أتردد وكنت ما زلت طالبًا جامعيًا، لم أتردد في الرد عل مفتي الديار المصرية الأسبق رحمه الله في أوائل التسعينات في جريدة «الشعب» حينذاك، كنت أناقشه في إحدى فتاواه وفي جريدة معارضة!

ومن الضروري جدًا توضيح مبدأ هام جدًا عند مناقشة أمر أو قضية ما، وهو مبدأ «احترام التخصص»، هذا المبدأ الذي أتعب دوما في تذكير من حولي به رغم بداهته، وفرضية كونه معقولًا مقبولًا لدى الجميع بلا استثناء، لكننا كل يوم نضطر إلى التذكير به. ترى سيلًا من «الفتاوى» من هذا «المحدث» وذاك «المفسر»، ويفتي لك في معضلات القضايا هذا «المؤرخ» وذاك «الداعية»، ولأن «شر البلية ما يضحك» فربما تجد من يفتيك «الطبيب» فلان أو «المهندس» علان أو هذا «الموظف» أو ذاك «المعلم»، فقط لأن أحدهم أطلق لحيته، وقرأ بعض الكتب، وله لسان يحسن الكلام ويحفظ بعض الأحاديث ويتقن فيها» العنعنة»، فتوحي «عنعته» التي ربما يراجعها قبل الدرس أو الحلقة حتى لا يزل لسانه وينكشف جهله.

والأدهى من كل ذلك والأمر، أنك ربما تصدمك الدهشة حين يحارب كل هؤلاء «الفقيه»، يعارضون ويحاربون «الفقيه»، بالرغم من أنه المخول الأول «بالإفتاء» من بينهم جميعًا، ولا يمنع هذا طبعًا دخول الفقيه بلا شك تحت لواء «كل يؤخذ من كلامه ويرد»، لكن المقصود من كلامي هو وجوب الالتفات إليه (فيما يخص الفقه) أولًا وقبل كل من غيره، فإذا ما تعارض قوله مع قول أحد ممن سبق ذكره، تكون أولوية الاستماع له دونهم.

ما قيل في حق الفقيه والفقه والمفتي والإفتاء، يقال في حق كل تخصص، وفي كل فرع من فروع العلم، سواء العلوم الشرعية أو العلوم الإنسانية أو العلوم البحتة على السواء، لا بد عن التطبيق العملي لهذا المبدأ حتى نحل مشكلة الجدال الذي لا ينتهي حول مسائل كثيرة.

ربما يكون السبب الأصيل في استمرار الجدال العقيم فيها هو وجود هذا الكم الهائل من غير المتخصصين الذين يتطفلون على كل مجال من مجالات العلم المختلفة، وصدق القائل: لو أن كل جاهل سكت ما حدث في الإسلام فتنة، والجاهل هنا هو الجاهل بأمر ما وليس الجاهل بالكلية، وليس عيبًا في حق عالم أن يكون جاهلًا ببعض الآمور حتى في تخصصه، ناهيك عن العلوم والمجالات الأخرى غير المنوط به الفتيا فيه أو حتى الاجتهاد، فلماذا يرهق كل عالم أو مفكر أو داعية ويحمل نفسه عبء مسؤولية الرد على تساؤل كل من يوجه له سؤالًا؟

ما أدعو إليه باختصار هو وجوب احترام التخصص من ناحية، ثم عدم تقديس الأسماء والألقاب ثانيًا، ثم تربية المجتمع على أنه لا قدسية لرأي مهما كان صاحبه، طالما لم يكن ظاهر نص قرآني أو صحيح سنة نبوية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يؤخذ, يرد
عرض التعليقات
تحميل المزيد