في فيديو قصير للغاية لا يكاد يبلغ الدقيقة، يتحدث الروائي عز الدين شكري فشير عن كتابه الأخير بحس بالغ السخرية قائلًا ما معناه: «جائتني يومًا مكالمة من عمر، ابن أحد الأصدقاء من أيام الجامعة، وطلب مني اللقاء ليعطيني USB Flash عليها حكايات بصوته هو وصديقته أمل، وطلب مني نشرها بعد تفريغها وتحريرها في كتاب. وبعد أن سمعت الحكايات اتصلت بعمر وأبلغته أن الحكايات قد تخدش مشاعر بعض الأشخاص ذوي الحس الوطني والأخلاقي العالي، وربما ذهب بعضهم للمحكمة، وربما دخل السجن بسببها. فرد علي عمر: ولماذا أدخل السجن، أنت ستدخل السجن لأنك من كتبت! وعندما اختلفنا حول من سيدخل السجن، ذهبنا إلى المحامي ليحل هذا الاشتباك، فأخبرنا أن نطمئن، لأننا جميعًا ذاهبون إلى السجن».

على الرغم من كل ما يحمله عز الدين شكر فشير من خبرات دبلوماسية وأكاديمية وأدبية وإعلامية، وكل ما حققه من نجاحات في تلك المجالات وغيرها، فإنني لم أشعر أبدًا يومًا ما أنه يعيش في برج عاجي، وأرى أنه من المثقفين القلائل القريبين من جيل ثورة يناير، ويستطيع أن يتحدث لغتهم، وأن يخاطبهم بشكل مباشر، وربما كان ذلك أحد أهم أسباب النجاح الكبير لروايته «باب الخروج» الذي قدمت تخيلًا لمسار العملية السياسية في مصر بعد الثورة، وذلك كان واحدًا من أهم احتياجات شباب الثورة أنفسهم، أن يجدوا أحدًا يستطيع أن يفهمهم ماذا جرى؟ وماذا يمكن أن يجري؟ ولماذا يحدث كل ذلك؟ وعندما وجد الشباب وقد تنبأت الرواية بالفعل بأحداث وقعت، وخصوصًا حكم الإسلاميين، ثم تدخل الجيش، ورجوع الحكم مرة أخرى للعسكريين، أصبحت العلاقة مع فشير أكثر قوة، ومبنية على أرضية قوية من الثقة.

لا أعلم حقيقة هل الحس الفكاهي لعز الدين شكري نابع عن كونه ابن بلد مصري مولود في المنصورة، ويتمتع بخفة دم أهلها، وميلهم للضحك الذي يعينهم على تمضية الأيام الصعبة بروح معنوية عالية، أم أن ذلك الحس الساخر هو مجرد وجه لطيف لشعور عميق بالمرارة والألم والحسرة؟ مرارة العيش في الدستوبيا السوداء التي لا مناص من إصلاحها.

عند قرائتي لروايته الجديدة «كل هذا الهراء»، وهي العمل الأدبي السابع لفشير، وقد صدرت مؤخرًا عن دار الكرمة في 324 صفحة، أصبت بنفس الحيرة، هل هذا الرجل يتحدث بجدية أم أنه يمزح؟ هل توجد Flash وحكايات حقيقية أم أن كل ذلك وهم؟ وهل السبعة قصص الواردة في الرواية مبنية على وقائع أم أن ذلك كله محض «هراء»، كما يحمل عنوان الرواية؟

الرواية تحكي قصة «أمل» الفتاة الأمريكية المصرية التي خرجت لتوها من السجن في مصر، بعد عام قضته عقوبةً في إحدى قضايا المنظمات الأجنبية الشهيرة، والتي تقابل الشاب «عمر» الذي أقلها بتاكسي يعمل عليه، ليجدان نفسيهما في النهاية في الفراش سويًا يقضيان عدة ساعات في انتظار موعد طائرة أمل المتجهة للولايات المتحدة، وفي تلك الأثناء يمارسان الجنس كثيرًا، ويتحدثان طويلًا حول ما جرى في مصر منذ لحظة الثورة حتى لحظتهما الحالية، المثير جدًّا أن عمر ليس مجرد سائق تاكسي عادي، ولكنه ابن «فخر الدين»، بطل ثلاثية فشير الروائية «مقتل فخر الدين»، و«غرفة العناية المركزة»، و«أبو عمر المصري» التي تروي قصة رجل مصري تدفعه الأقدار ما بين مصر وأفغانستان والسودان، بين محاولة العيش بكرامة، وبين التطرف ومجاورة الإرهاب، وبين التعرض للعنف والسعي للانتقام، وبين كونه ضحية واستعداده لكي يصبح جلادًا. واضطر عمر لترك شركة كبرى كان يعمل بها بعد تعرضها لأزمة ماضية، واللجوء لتاكسي والده ليعمل عليه لفترة ريثما تنصلح الأحوال.

دائمًا ما أتخيل إمكانية أن نستيقظ يومًا، فنجد موقع ويكيليكس WikiLeaks قد سرب مئات الآلاف من الوثائق والبرقيات الموجودة في قصور الرئاسة العربية، وأجهزة المخابرات وأمن الدولة، والخزائن السرية لعلية القوم المحفوظة بعناية في بنوك سويسرا، فنعلم بالضبط ماذا وقع ولماذا؟ بالضبط كما يفعل الموقع مع جهات سيادية أمريكية مثل الـ CIA ووزارة الخارجية.

يحاول فشير أن يقدم تخيله لما قد يفضحه ويكيليكس عبر تقديم مروية أو سردية بديلة Alternative Narrative لأحداث جسام وقعت في مصر، عبر 7 قصص، قصة فخر الدين والضابط أيمن، وعلاقة أجهزة الأمن بالتنظيمات المتطرفة، قصة وائل ومحب وتامر وموت اثنين منهم في مذبحة إستاد بورسعيد ونجاة الثالث الذي يعيش من أجل الانتقام، وقصة هند وباسم إذ تتعرض الأولى للتحرش والاغتصاب التي تمارسه السلطة كأداة للقهر السياسي، وقصة حبيبة وشادي الشابين الملتزمين دينيًّا الممتلئان طموحًا، وحكايتهما مع فض اعتصام ميدان رابعة العدوية، ثم قصة بهاء وشريف الحبيبان المثليان ونظرة المجتمع لهما، وهروبهما للعيش في أمريكا، وقصة دينا زوجة أيمن الضابط (في القصة الأولى) ومعادلة الزواج الصفرية التي تضع الاستقرار المادي والأمان الاجتماعي في ناحية، والحب والإشباع في ناحية أخرى دون أن يحدث توازن بينهما أبدًا، وأخيرًا قصة أمل وعمر نفسيهما، قصة الـ«أمل» حينما يحاول أن يكون براجماتيًّا، وقصة الـ«شك» حينما يحاول أن يكون واقعيًّا.

المرعب في هذه البانوراما المصرية، أن عز الدين شكري قدم في كل قصة تفاصيل دقيقة للغاية، ووضع القارئ أمام مشاهد سينمائية حية، لها علاقة من هنا أو هناك بأشخاص –لهم نفس الأسماء الأولى ونفس لمحات الحياة الشخصية الموجودة في الرواية- وأحداث يعرف القارئ أنها وقعت بالفعل، فلا يدري، هل عز الدين يكشف حقائق حدثت بالفعل، أم أن تلك مجرد تخمينات، ورؤيته الشخصية لما قد يكون من «الممكن» حدوثه.

وعلى المستوى الشخصي، فقد مستني للغاية قصة «باسم»، التي أعادت لي ذكرى فقد الصحافي والمدون والناشط السياسي والعضو في حزب الدستور «باسم صبري»، الذي فوجئنا صباح أحد الأيام في صيف 2014 بخبر وفاته إثر سقوطه من شرفة شقته بحي المهندسين، نتيجة إصابته بغيبوبة سكر مفاجأة. لم نستطع ابتلاع تلك القصة وقتها، وقيل إن الشرطة والنيابة تحققان، وقيل إن هناك شبهة جنائية، وأن هناك من دفعه ليسقط.

في «كل هذا الهراء» يحكي لنا فشير عن شخص اسمه «باسم»، صحافي ومدون وناشط سياسي وعضو في حزب الدستور، سقط من شرفة منزله ليس بسبب غيبوبة سكر، ولكن لأن ضابطًا كان قد اغتصب صديقته، دفعه بعد أن حاول باسم وزملاؤه نصب كمين للضابط لمعاقبته على فعلته الشنيعة.

أين الحقيقة؟ في «كل هذا الهراء»؟ لا يمكنك أن تجزم.

وعلى الرغم من أن لفظة «هراء» في اللغة تعني «الهذيان، الكلام الذي لا نظام ولا رابط بين جمله وفقراته، كلمات وعبارات بلا معنى»، إلا أن كتاب شكري الأخير أبعد ما يكون عن الهراء، أو الهذيان، الحقيقة ليست هراء، والبحث عنها ليس بلا معنى، والهراء الحقيقي هو أن نترك تلك الحقيقة وراء ظهورنا لتضيع للأبد، متمنين أن يظهر صلاح الدين ممتطي جواد ويكيليكس ليظهر لنا الحقيقة من جيب الحاوي، فنهلل ونصفق ونمضي دون أن نفعل بها شيئًا.

رواية «كل هذا الهراء» عمل أدبي يصدر في الوقت المناسب –وفشير لديه موهبة في اختيار الأوقات المناسبة لإطلاق أعماله-، كجرس تنبيه صغير ولطيف، استيقظوا أيها الشباب، قبل أن تجدوا تاريخكم، وثورتكم، وحلمكم وقد تحول إلى «هراء» حقيقي يمضي مع رياح النسيان، على يد كتبة التاريخ الجدد، ووكلاء الذاكرة المصرية الحديثة، وحاشية السلطة التي تؤمن بتاريخ آخر بديل، وحقائق أخرى بديلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد