لا جدال أن معني التبعية السياسية هو من المعاني الواسعة، الذي يمكن أن يضم كل أنواع التبعيات الأخرى مثل التبعية العسكرية والتبعية الاقتصادية والتبعية الثقافية وغيرها، ولا جدال أيضًا أن ذلك من شأنه أن يجعل التبعية السياسية خطرًا كبيرًا على الدولة، لما يحمله هذا المعنى من مفهوم الانقياد والإلحاق والضم، والخضوع والذيلية، والاستسلام الجزئي وربما الكامل.

  ومع ذلك فإن المنطقة العربية تمتلئ بالعقول المفكرة الفذة، وتمتلك ثروات طبيعية ضخمة بما يؤهلها أن تكون دولًا قوية وعظمى ومهيمنة، إلا أن أغلبها في واقع الأمر تابعة سياسيًا للدول الكبرى، وهي مع ذلك متناحرة ومتحاربة، بل إنها تعقد التحالفات والاتفاقات والمواثيق فيما بينها، لتحقيق أهداف مشتركة تتمثل في العدوان على غيرها من نفس الجسد العربي، وأوضح مثال على ذلك التحالف العربي في الحرب على اليمن، والتحالف العربي في الحصار الجائر على قطر.

  ومع ذلك فإن الأسباب التي تقود إلى التبعية السياسية، التي تمحو معاني سيادة الدولة، والتي تمحو معاني الانتماء للأفراد والتي تنزع من الدولة الإرادة الحرة والقرار السياسي المتحرر الذي يمثل توجهاتها، إلى الحد الذي تتخلى فيه عن استقلالها وتنفيذ استراتيجياتها، وتكون فيه إرادتها وأمرها من إرادة وأمر الدولة الخارجية القوية المتبوعة، هذه الأسباب وإن اختلفت من دولة لأخرى، إلا أنها في النهاية -فيما أرى- تقود إلى تناقص سيادة الدولة، وفقدان السيطرة عليها ثم تشظيها واندثارها يومًا بعد يوم، وليلة بعد ليلة، من تلك الأسباب:

1_ضعف المؤسسات العسكرية التي يناط بها حماية البلاد والدفاع عنها، فإذا كانت الدولة غير قادرة اقتصاديًا على تجهيز جيشها تجهيزًا عسكريًا كاملًا، وإمداده بأحدث أنواع الأسلحة بما يمكنه من حماية حدودها وأراضيها، وبما يمكنه من القدرة على سحق العدو، فإن الأنظمة الحاكمة ربما ترهن قرارها وسيادة الدولة للدول الخارجية الأقوى، التي تدافع عنها وتحميها من أي هجمات محتملة، غير أن الدولة القوية المتبوعة لا تقدم دفاعًا وحماية مجانية، وفي الوقت نفسه لا تقدم كل شيء، لأنها تخشي مباغتتها من الدولة الضعيفة ذاتها إذا قويت شوكتها.

2_إذا كانت الأنظمة الحاكمة انقلابية، واستلمت السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، التي يقوم بها جنرالات مغامرون في الجيش على السلطة الشرعية القائمة، فإن تبعيتها السياسية للدول الكبرى، ربما تكون على الأرجح شيئًا مفيدًا يثبت أركان حكمها، ويخدم ويحقق رغبات ونوازع الجنرالات الشخصية في البقاء على العرش والسلطة، وهذه الآفة مع الأسف الشديد توجد بكثرة في المنطقة العربية!

3_ ضعف القيادة السياسية، وخوفها الدائم من الدول المجاورة القوية المجاهرة بالعداء والتهديد، هو ما يحمل تلك القيادة الضعيفة لرهن الدولة وتسليم قيادتها وأمرها للدول الكبرى القوية، التي توفر لها الحماية والأمن من العدو القريب.

4_ تعامل أو بالأحرى تواطؤ الدول الكبرى مع الديكتاتوريات الحاكمة في المنطقة، عن طريق تبادل المصالح والمنافع والصفقات المرفوضة، مثل صفقة القرن الرامية لتصفية القضية الفلسطينية.

5_الفساد الديني والفكري والأخلاقي للأنظمة الحاكمة، وأكثرية النخب السياسية التي يعول عليها بناء الأمة وتقدمها، وانصراف تلك الأنظمة والنخب انصرافًا كاملًا في تأمين مصالحها الشخصية.

6_ الرغبة في محاربة الإسلام بأسماء مصطنعة ومختلقة، مثل مسمى محاربة والقضاء على الإسلام السياسي، أو الإرهاب أو التطرف وغيرها من المسميات الملفقة.

7_وجود أنظمة حاكمة كان السبب في إعدادها وإخراجها، وتسليمها مقاليد السلطة هو الدول الكبرى، بعد أن قامت الأخيرة بتهيئتها وإعدادها إعدادًا جيدًا، بغرض الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وتوسيع مظلتها الأمنية.

8_خلق الدول الفاشلة بإغراق المنطقة بالسلاح، وإثارة الفتن المذهبية الدينية بها، وتأجيج الحروب الأهلية والتصفية العرقية، وحروب الإبادة الجماعية فيها، مما يتيح للدول الكبرى الانقضاض عليها، بحجج حفظ الأمن والسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد