بدايةً أفتخر بكون الكاتب الرائع أدهم شرقاوي المعروف بين متذوقي الأدب بلقب «قس بن ساعدة» قدوتي في مجال الكتابة، ولولا فضل هذا الرجل الذي تشربت من بين سطور كتاباته الكثير لما كنت اليوم ما صرت عليه، ولعلّ كتابات هذا الرجل لا ينقصها مدحي إن أردت أن أكون مادحًا، يكفيني من القول أن كتابه «حديث الصباح» يعدل المزاج كفنجان قهوة الصباح تمامًا، وكتابه «حديث المساء» يمثل تحلية المساء حقًا، وباقي مؤلفاته الرائعة كانت بمثابة موقد النار الدافئ الذي يهون صقيع الحياة، وإن كنت أرُد عليه اليوم وهو أستاذي الذي أستزيد من روائعه يومًا بعد يوم فلست بمتربصٍ يتصيد الهفوات؛ إنما تلميذٌ يتمنى لمعلمه أن يكون في القمة دومًا، دون أن تشوب سجله الناصع شائبةٌ واحدة، ولست أعلم طريقة أصل بها إليه، ولست أدري إن كان من نصيبٍ ليرى كلماتي هذه أم لا، على الأقل يكفي أن أطلق سراح هذا المقال الحبيس في عقلي منذ أشهر!

أما المقال الذي أرد عليه فقد تم نشره في جريدة الوطن منذ قُرابة العام، ويحمل عنوان «الكل يريد أن يكتب» ولأنني من معجبي أدهم شرقاوي فقد قرأت هذا المقال دون تردد، كغيره من عشرات المقالات التي قرأتها لنفس الكاتب، ولعل هذا المقال قد استرق اهتمامي من عنوانه دونًا عن غيره، ربما لأنه يشير إلى الكتابة وأنا من هُواتها، على أي حال، بدأت قراءته وتقلبت بين فقراته وانتهيت، وكانت الصدمة!
حاولت بكل ما أوتيت من قوةٍ أن أستسيغ مضمونه فأبى! وجال في ذهني سيلٌ من التساؤلات والتأملات والأفكار، والتي أوصلتني في نهاية المطاف لتوضيح ما يلي:

-يخبرنا الكاتب بأن عددًا كبيرًا من الكتب والرويات تصل إليه أسبوعيًا بهدف إبداء رأيه فيها، بعضها يحمله على أن ينتف شعر رأسه لضعف مستواها، وأنها سطحية لدرجة أنها تحت مستوى سطح الأدب، فما رأيه أن نعرض عليه مقالات في غاية السطحية لكاتب مشهور اسمه «أدهم شرقاوي» نشرت في جريدة تدعى جريدة الوطن، لو وُزنت بميزان الأدب ما اهتز منه شيء، منها مثلاً مجموعة مقالات «حدث في مثل هذا اليوم» والتي لم يكلف الكاتب فيها نفسه عناء الكتابة، حيث يقوم بعرض حادثة مشهورة حدثت في تاريخ هذا اليوم، وغالبًا ما تكون ميلاد أو وفاة شخصية مشهورة عبر التاريخ، يبدأها بالتعريف عن الشخصية قليلاً، ثم يذكر أقوالها مرتبةً على شكل نقاط، كمقال وفاة «أنيس منصور» مثلاً!

– يقول أدهم شرقاوي واصفًا الكتابات التي تصل إليه ليراجعها «الغالبية الساحقة لا ترقى لمواضيع الإنشاء التي تكتبها ابنتي في الصف الخامس الإبتدائي»، تخيلت نفسي واحدًا من بين هؤلاء الذين ينتقص أدهم شرقاوي من كتاباتهم بهذا التعبير القاسي الذي يخلو من أي لباقةٍ، مع أنه ذات الكاتب الذي كتب مقالاً بعنوان «اللباقة في خطر»! ألم يخطر في باله أن كل من أرسل إليه يومًا سيظن نفسه مقصودًا بكلامه سيما أنه يصف الغالبية الساحقة بذلك! أليس قوله هذا كفيلاً بالقضاء على مستقبل عدد من هواة الكتابة ممن يقتدون به ويتحسسون رأيه؟

– أخيرًا، كما أن أهل البرازيل يحملون في جيناتهم عشق كرة القدم، وهي التي تمثل نهج حياتهم، وأسلوب تربية أبنائهم؛ فإننا أهل الضاد واللسان المبين، من الطبيعي جدًا أن الكل يريد أن يكتب؛ فالكتابة هي هويتنا، وليس مطلوبًا من الجميع أن يصبح أدهم شرقاوي كي يكتب، لا بأس أن يتفاوت الناس في كتاباتهم، دعوا هواة الكتابة يهزون أقلامهم، فلا بد منها أن تنثر السحر يومًا، وأن يخرج من بينهم من يحمل أمانة اللغة العربية في زمانٍ غير زمانكم. وعطفًا على دعوته بتشجيع الناس على الكتابة، مع ضرورة ضبط ما يصح نشره من عدمه، فإنه لا بد من الكُتاب والأدباء أن يمهدوا الطريق لأولئك الذين يشقون طريقهم في عالم الكتابة، لأن اللغة أهم من الجميع حقًا!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد