على الحدود هناك كان يصفها بأنها غير موجودة.

كان ينكر كل شيء، نعم كان ينكر الوجود؟! لقد كان ذلك عندما كان يبلغ السابعة أو الثامنة من عمره، لا أقول إنه كان ينكر الإله فهو لم يدركه أصلًا لينكره، لكنها هي كانت موجودة في الوجود الذي ينكره فلم يكن يراها.

وفي الثالثة عشرة من عمره تعرف على الست مريم إنها أم المسيح عيسى وقد أحبها وكأنه لم يحب أحدًا من قبل، كانت هي الشخص الوحيد الذي يعترف فيه في الوجود وما دونها منكر، هي كانت حجته بأن المرأة تلد بلا زوج؟! نعم فهو كحاله من أبناء الشعب حين علم كيف ولد، لكن المعظم من الأولاد لا يناقشون فما يقال لهم فيتبعونه دون نقاش، أما هو فرفض وأنكر وواجه الواقع وليس له غير مريم يستأنس بها وتواسيه، لقد أطال في الإنكار – هو يعلم الحقيقة لكنه ينكرها – وبعد سنتين من المناظرة والكذب على النفس استسلم للواقع وترك قلبه مع مريم (عليها السلام).

الآن وبعد ما فرض الواقع نفسه عليه بدأ عقله الذي لا يكف عن التفكير في إثارة الشبهات وإنكار الأشياء، كانت هذه المرة في الذي أوجد الوجود، لم يكن له من يرشده ولم يكن له أب يلقنه ما يريد دون أن يسمح له بالتفكير، لقد كان حرًا بفكره لم يأخذ فكره من التلفاز ولا من شيخ مسجد ولا حتى كتاب يقرؤه، كان ينفرد تحت مظلة النجوم ويناجي العلياء والسماء، هو كعادته يعلم الحقيقة ولكنه يخفيها – ما زال عنده شعور خفي لا يفهمه أو لا يعترف به -، ورغم ذلك قاوم وجاهد وبدد كل تلك الشبهات وأراح نفسه ارتقى لله ساجدًا حامدًا لا يكف لسانه عن التشهد، وفي تلك الليلة رسم له الطريق وعرفه وحملَ الأمانة وعاد قلبه ينبض بالتوحيد، ورغم ذلك ما زال ينكرها ويقول ما كانت لتكون موجودة – من هي؟ هو لا يعرفها بالأساس! -.

الآن وقد استقر عقله وعرف ربه وصعد ركبه، بدأ رحلته في الطريق وما أن بدأ تعثر بريحها وأثرها. لم يلتفت ولم ينظر استمر في طريقه ينكرها – أهذه هي؟ موجودة! -،هناك عند الحدود كان يكتب ويقول: يا من نظرت لطرفها فتعلقت فيها النجوم قصيها والداني، وأكمل يقول لا ترقبي قلبي يأتيك عاصيًا، فأنا هنا أعطيته فلا ترجعيه ثانيًا – هي ليست موجودة له هنا؟ كانت تستعد للرحيل لرحمة الله لقد علم ذلك.

كان يكتب وخلفه هي هناك بجانب البرج قريبة هي وكان يحسبها بعيدة، في تلك اللحظة بدأت الستائر بالتعاصف من قوة الريح وبدأت الدموع تغسل الصورة ليتبين أنها كانت موجودة في كل لحظة، وقد صدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين قال: الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، في تلك اللحظة ما كان بإمكانه فعل شيء فهو مؤمن بالله لا يحصل على شيء إلا كما أراده الله، هناك وهي خلفه لا يدري أتدري هي أم لا تدري فقط ينتظر، حينها سقط قدر الله لينقلها إلى الرحمة والسكون، وهو الآن يعترف بها ويصطفيها لنفسه ويعطيها قلبه قائلًا: وتركتك لقدر الله يأخذك رحمةً فارحمي قلبي إن علمت أنه يهواك، في تلك الليلة كان يزف قلبه معها لرحمة الله فلا يستطيع أن يحمله وقد ثقل عليه وكسر ظهره، في تلك الليلة حمل الهموم على ظهره محتسبًا وصابرًا لله تتثاقل عليه الأحزان فيكتبها فلا تخفف عنه إلا القليل، وكلما زاد لهيب الشوق وفاض انحنى لله وركع وسجد لله وخضع، حتى جاء أمر الله وأراه من يحمل عنه ويعينه، في هذه اللحظات بدا وكأنه رافض للأمر كيف يكون ذلك وقلبه هناك مع الرحمة يدعو لها ويحنو عليها هو اصطفاها فملكها قلبه، والله يصطفي له غيرها كيف ذلك؟!

بدأ من جديد ليتعثر حين ينظر في اختيار الله ويقول: يا من نَظرتُ لِطَرفِها فَتَساقَطَتْ *** مِنْها العُيون كَذا بَدا استحيائي.

لم يستطع أن يكمل حرفًا واحدًا، الحروف تأبى أن تخرج من حنجرته الحروف تقطع أحباله الصوتية، صوتها وبريق عيونها لا يستطيع قلبه ليس ملكًا له، كيف يكون ذلك؟! كيف يرضى بأن يكون رفيقًا لأحد وقد اصطفى قلبه للمصطفية لا يستطيع، ولله در الفقيه ابن حزم الأندلسي حين يقول:

كذب المدعي هوى اثنين حتمًا *** مثل ما في الأصول أكذب ماني

ليس في القلب موضع لحبيبين *** ولا أحدث الأمور اثنان

فكما العقل واحد ليس يدري *** خالقًا غير واحد رحمان

فكذا القلب واحد ليس يقوى *** غير فرد مباعد أو مدان

هو في شرعة المودة ذو شك *** بعيد من صحة الإيمان

وكذا الدين واحد مستقيم *** وكفور من عنده دينان

وما كان له إلا الانصياع لله فهو على العهد والطريق إنه يحتاج من يخفف عنه المشقة والتعب وقد صدق من قال: إن المصلحين والمغيرين يحتاجون لمن يرعى حياتهم الخاصة ويتعهدها بالسكينة والمودة.

جلس هناك على الحدود وخلفه اللاشيء فهي ما كانت لتكون موجودة وقلبه معها هناك في الرحمة التي وسعت كل شيء، وقد أصبح لا يملك قلبه ويقول: أراني الله من اصطفى لي فقلبه قلبي وبستاني – ما زال يكابر على نفسه يفضل الإنكار على الاعتراف -.

الآن صدره فارغ، قلبٌ يشقيه مع من اصطفاها وقلبٌ اصطفاه الله له ليكون معه على الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خاطرة, قصة, نثر
عرض التعليقات
تحميل المزيد