كنا قد بدأنا سلسلة المقالات هذه بالرد على الطعن في صحة الحديث الذي ورد في صحيح مسلم ورواه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه عندما لطم جاريته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يعتقها، فأمره الرسول أن يأتيه بها ففعل، «فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة». واللفظ هنا لمسلم رحمه الله، وكذا في سنن أبي داود، والسنن الكبرى للبيهقي، والمعجم الكبير للطبراني، والتلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني، وسنن النسائي كلهم رواه بنفس اللفظ. قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: وهو حديث صحيح أخرجه مسلم. وكذا قال الإمام البغوي في شرح السنة.

ولما كانت السنة الصحيحة المصدر الثاني للتشريع عند عموم أهل السنة والجماعة، فلا مجال لاستنكار سؤال أين الله؟ الوارد بالحديث، ولا مجال أيضًا لإنكار حجية الإجابة: في السماء. والتي أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد لمن أجابته بالإيمان، بل وأمر بعتقها لإيمانها.

وإذا اتهم منكرو العلو الجارية بالجهل والعجمة فما بالك لو صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله في السماء، والتصريح أقوى من الإقرار بلا شك، فقد روى الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» قال الذهبي في العلو: «أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ»، وصححه الألباني. فهذا تصريح واضح صريح بأن الله في السماء لا يحتمل التأويل ممن لا ينطق عن الهوى وممن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم.

يظن الأشاعرة ونفاة الصفات أن قضية مثل قضية العلو لم تناقش في العهد الأول ولم يصرح بها الرسول والعكس هو الصحيح، فإن هذه القضية لكثرة النصوص القرآنية الصريحة قطعية الدلالة التي وردت بشأنها، وكذلك كثرة أحاديث الرسول التي تقطع بأن الله في السماء؛ لم تعتبر هذه القضية قضية جدلية أو خلافية، بل كان الصحابة في حياة الرسول يتداولونها باعتبارها أمرًا مسلّمًا به غير قابل للنقض أو الخلاف، فها هي زوجته صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها تتفاخر على أزواج النبي وتقول: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ» كما ورد في صحيح البخاري، في إشارة إلى قوله تعالى في شأنها: «فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا»، والقائل هنا زوج الرسول وليست جارية أعجمية يسهل على المخالف اتهامها بالجهل، وزوجات الرسول كن ملازمات له صلى الله عليه وسلم لا يمكن اتهامهن بالوهم، وقد قالت صراحة دون تورية أو مواربة أن الله سبحانه وتعالى زوجها «مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ»، ويبدو أن فريق التأويل عليه أن يبذل جهدًا جهيدًا ليصرف هذه النصوص عن ظواهرها لينصر مذهبه الذي نراه متهافتًا ضعيفًا.

خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه مرارًا وتكرارًا مصرحًا بفوقية الله وعلوه على خلقه، ففي الحديث الذي رواه أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه وصححه الألباني يخبر الرسول أصحابه كيف تصعد الملائكة بالروح الطيبة بعد خروجها من الجسد الطيب إلى السماء فيقول: «ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من؟ فيقال: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة. فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى» صدق رسول الله وكذب المتأولة، والمتكلمة، والمتفلسفة. نعم يصعد بها الملائكة إلى الله سبحانه وتعالى في السماء، فإن الملائكة تتعاقب علينا بالليل والنهار «ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، ويعرج في لسان العرب بمعنى الارتقاء والارتفاع والعلو، فإليه سبحانه يرفع «عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل» (متفق عليه)، «وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (البخاري)، وإليه تصعد دعوة المظلوم «تَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ كَأَنَّهَا شَرَارَةٌ» (صححه الألباني).

كان صلى الله عليه وسلم يتشوق إلى لقاء ربه الذي في السماء، حتى إنه كان إذا نزل المطر حسر ثوبه حتى يصيبه المطر، فيسأله أصحابه عن السبب؟ فيقول: «إِنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» (رواه مسلم)، وكان يصف نفسه صلى الله عليه بأنه «أمين من في السماء؟» (متفق عليه)، ويتوعد من تغضب زوجها أن يكون «الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها زوجها». (أخرجه مسلم)، ويشير النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى العلو في خطبته في حجة الوداع بأصبعه وبرأسه، كما في حديث جابر الطويل عند مسلم، وفيه: وقد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد. ثلاث مرات، وللبخاري من حديث ابن عباس في خطبته – صلى الله عليه وسلم – يوم النحر، وفيه: ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟

لم يكن أمر العلو أمرًا فرعيًّا في العقيدة حتى يهمل ذكره خاتم الأنبياء بل كان الأصحاب يتداولونه فيما بينهم كأمر مسلم به، مقطوع بصحته، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم ليستغني في مثل هذا الأمر بالتلميح عن التصريح أو بالإقرار عن الإخبار، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ولما أنكر الأشاعرة ما تضافرت النصوص بصحته، ولما كان الشيطان يستدرج الناس بخطواته، فقد لزمهم إنكار نزول الله سبحانه وتعالى تبعًا لإنكار العلو، وإن الله الأعلى العلي المتعالي الذي هو أرحم بعباده من الأم على ولدها الذي هو فوق السماء السابعة ينزل إلى السماء الدنيا كما قال نبيه «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» (رواه البخاري ومسلم).

إن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وإذا أراد الله بقوم سوءًا رزقهم الجدل ومنعهم العمل، وما التصديق بنصوص القرآن والسنة إلا من العمل المطلوب من المكلَّفين، وما البحث عن تأويلات بعيدة لهذه النصوص المتضافرة، إلا من فتنة الجدل، ظنًا من أصحابها أنهم ينزهون الله تعالى عما بدا لعقولهم القاصرة أنه نقص، وما علو الله على مخلوقاته وقهره لهم وفوقيته عليهم إلا من تمام كماله سبحانه وتعالى، ولو أبعدنا أنفسنا عن تصور الكيفية والماهية لصفات الله وسلمنا بها كما نزلت وأثبتنا لله ما أثبته لنفسه ونفينا عنه ما نفاه عن نفسه لكنا ممن حكَّم اللهَ ورسوله فيما شجر بينهم، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد