كم عظيم ربنا! جعل من نفسه رحمانًا رحيمًا، عظيم الرحمة دائمها. وسعت رحمته كل شيء. جعل من نفسه غفارًا غفورًا، واسع المغفرة، لا تحد مغفرته حدودٌ، يغفر الذنوب جميعًا. لا يعظم أمام غفرانه ذنبٌ، ولا تستحيل في رحمته معصيةٌ. لا يمل غفرانَ الذنوب، حتى يمل عباده التوبة، ولا يملها منهم إلا من خاب وخسر.

 

خاب وخسر من كان له رب يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ثم لا يسارع إلى التوبة. خاب وخسر من كان له رب سمى نفسه “غافر الذنب وقابل التوب” ثم لا يندم على ما اقترفت يداه. خاب وخسر من كان له رب “يغفر الذنوب جميعًا” ثم ييأس ويقنط. خاب وخسر من كان له رب خاطب التائبين قائلًا: “أولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات” ثم لا يهرع إلى محرابه تائبًا من ذنبه نادمًا على خطيئته عازمًا على صدق توبته وأوبته.

إذا كنت صاحب معصية – ومن منا ليس كذلك؟! – فكن صاحب توبة معها. لا تستأثرن بك الذنوب, تملك عليك قلبك وعقلك وجوارحك. أتبع الذنب توبة، دون ملل أو كلل.

لا تيأسن من كثرة ذنوبك ومعاصيك, حتى لو بلغت خطاياك عنان السماء، لك رب وسعت رحمته كل شيء, لن تعظم ذنوبك على رحمته ومغفرته، إن أتيته صادق النية تائبًا. إن عظم الذنبَ في عينيك شيطانُك زارعًا فيك بذور القنوط واليأس، تذكر كم تاب الله على أناس كذبوا عليه وادعوا أنه أرسلهم رسلًا وأنبياء! هل ذنبك أعظم من هؤلاء؟

إن رأيته أعظم من ذنوب هؤلاء، فتذكر كم تاب الله على من كانوا شرًا من ذلك، تاب وغفر ورحم من سجد لغيره وعبد سواه, لكنه أتاه مسلمًا مؤمنًا تائبًا عابدًا مقرًا بما اقترفت يداه من خطايا، فقبل توبته ورفع شأنه وبشره بجنان الخلد على لسان حبيبه ومصطفاه!

واعلم أن قلبك حي، ما دمت كارها للمعصية. دليل حياته هو نبضه بالخوف من ربه، وعلامة صحته شفقته على نفسه وحرصه على التطهر من أرجاس الرذيلة، وقمة حياته في رغبته كل حين في الوصال مع خالقه ومالكه، وأمل شفائه في حنينه إلى رضا مولاه رغم انغماس الجوارح فيما سواه! قلبك إذن حي فلا تقنط. جاهد نفسك وازرع فيها بذور الأمل والعمل، الأمل في مغفرة رب يأتيك مهرولًا إن أتيته ماشيًا، والعمل بالطاعة التي تحميك من الزلل كلما داومت عليها، وإن قلت في عينيك.

 

واعلم أن جهادك عاقبته الهدى بإذن ربك، “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”. ليكن جهادك عن ثقة, وعملك عن أمل. لا تدع للمثبطين يدًا عليك، وإن أروك النار بين يديك!

لكن تذكر دائما أنك على خطر عظيم, إن لم تكن ممن تابوا وأنابوا وندموا مرارًا وتكرارًا. لربما أثقلتك معاصيك عن توبتك. لربما أشغلتك ذنوبك عن عودتك بين يدي ربك تائبًا مستغفرًا. لربما أثقلتك خطاياك إلى الأرض وقيدت روحك عن التحليق في السماء. لربما طغت طينة الأرض فيك على نفخة الروح فكنت لها عبدًا.

حرر روحك من قيود الأرض والثرى, لتستأهل النظر إلى العلا والثريا. ولا تنس أن غذاء صغائر الذنوب ونماءها في الإصرار عليها, فتعظم وتزداد حتى تراها من الكبائر. كما أن هلاك الكبائر ودمارها في التوبة منها. واعلم أنه “لا صغيرة مع إصرار, ولا كبيرة مع استغفار”. فلا تتكاسل أو تزهد في التوبة والاستغفار حتى لا تعد من المصرّين. وتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعًا، فلا تقنط من رحمة ربك أبدًا. وازن بين الخوف والرجاء، لا يطغين أحدهما على أخيه, أحدهما وحده يهلكك, وكلاهما معًا سبيلك إلى النجاة.

ربما أردت التوبة من ذنب لا يكاد يفارقك, فلم تفلح. ربما تحتقر همتك كلما ذكرت هذا الذنب. ربما آيسك شيطانك من البراءة منه. ربما سولت لك نفسك الضعف وقلة الحيلة واليأس من الفكاك من براثنه. لكن ذلك كله من عمل الرجيم الذي أعلن الحرب عليك قبل أن توجد، فاعقل. والحرب سجال بينكما, فلا تعجل. وهو دائم العزم قوي الأمل, فلا تهمل. ولك مخرج ومفر من هذا كله، لا ريب، فاعلم ثم الزم واعمل.

أولا: استحضر عظمة ربك وتخيل معصيته بين يديه! استحضر صورتك مذنبًا وهو ينظر إليك. واسأل نفسك إن كانت ترضى بهذا الذل والهوان. استحضر كم هو عظيم ربك الذي خلق لك ما في الأرض جميعًا وسخره بين يديك, ثم تقابل أنت النعمة بالكفران! تذكر كم أنعم عليك بجوارح تعينك على طاعته, فسخرتها لمعصيته!

ثانيا: لا تكن في خلوة مع نفسك كثيرًا إن كانت الخلوة بيئة خصبة لهذه المعصية. كم تكون ضعيفًا في خلوتك! كن مداومًا على صحبة معك، تكن لك سدًا وحاجزًا. قد يزين لك شيطانك وتسول لك نفسك الذنب في خلوتك، لكنهما يخشيان الفضيحة أمام غيرك في بادئ الأمر، فإن تملكاك وسيطرا عليك، لم تردعهما خشية ولم يمنعهما حياء وكنت من المجاهرين، نعوذ بالله من ذلك.
ثالثا: اشغل نفسك بالطاعة، تنشغل عن المعصية. واعلم أن القلب الفارغ من الطاعة أشد تشبعًا بالمعصية إن وجدت إليه سبيلًا. فإن كان مشغولًا بالطاعة والعمل, لم تجد الذنوب إليه مدخلًا. فراغُ قلبك وجوارحك أصل كل بلية ومنبع كل طامة. فراغ قلبك عن التعلق بربك يعلقه بغيره ليستعبده ويملكه. وفراغ جوارحك عن العبادة والعمل أو حتى عن اللهو المباح, يتركها عرضة لاستعباد شياطين الإنس والجن.

رابعا: نوم الظالم عبادة “لا أمزح”، نم في خلوتك إن صعب عليك جهاد نفسك. إن الحكيم إذا أيقن خسارته في المعركة ترك الساحة. تركها متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة! إن كنت خاسرًا معركتك مع نفسك في خلوتك فاهرب واترك ساحة الخلوة فارغة، حتى إن كان النوم مفرًا وملجأ. لكن, انوِ بذلك الفرار تحرفًا لجهاد فيما بعد، أو تحيزًا إلى رفقاء خير يعينون ويحضون عليه، حبذا لو كان منهم المربون الربانيون!

خامسا: تعامل مع المعصية بفقه تزكية النفوس، اعرف أسبابها ودوافعها، تعرف على قبح أثرها ونتائجها، تفقه في كيفية التخلص منها بين كلمات العارفين والسائرين في مدارج السالكين، وعش حكايات من سبقك في هذا وخذ منها عبرة وحكمة. وما أكثر المربين الربانيين والعباد العاملين والعلماء العارفين! انظر حولك تجدهم في انتظار إشارة منك.

سادسا: كن في رفقة أهل الصلاح ينصلح حالك. واعلم أن خير الناس من إذا لقيته ذكرت الله، ومن إذا نسيت الله ذكرك. وأنت على دينِ من تخالل كما علمك حبيبك المصطفى, فانظر إذن من تخالل وتصادق. لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي. لن تشقى بصحبتهم فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم. واعلم أن مجرد صحبة قد تشفع لك من حيث المبدأ، ولربما غفر الله لك بصحبتهم حتى إن صاحبتهم لحاجة.

يكفيك أن صحبتهم تعصمك من السوء ساعة الصحبة. وهم كصاحب المسك، إن لم تشترِ منه، فلن يبخل عليك بعطره الحسن.

سابعا: ليكن لك زاد روحي تزكي به نفسك. ليكن لك زاد من كلام الله وكلام رسوله الكريم. ليكن لك زاد من الذكر والدعاء. ليكن لك زادٌ من الطاعات والعبادات. بذكر ربك يطمئن قلبك, وبطاعته تحبه ويحبك, وبمعرفته تعبده عن رضا ويقين.

وقبل كل ذلك وأهم منه، ابكِ بين يدي مولاك، اسكب الدموع على أعتابه ندما، ابتهل وادع كما لم تدع من قبل، تحسس دموعك بين نبضات قلبك في جوف الليل ساجدا، لا تقم من سجودك حتى تطهر روحك ونفسك وبدنك من الآثام والخطايا، لا تعتدل من سجودك حتى تعاهد مولاك أن تكون عبدا أوابا مخلصا من كل ذنب، لا تترك سجودك بين يدي مولاك حتى يطمئن قلبك بالقبول وتستشعر معيته وينبض قلبك نبضات الفرح بغفرانه لك، اعتدل بعد ذلك رافعا يديك بالشكر له والثناء عليه، قم واغتسل وابدأ حياتك من جديد، هنيئا لك التوبة. قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ ممّا يجمعون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد