إن الظُّلم الواقع على الأمة الإسلامية والعربية تجلّى وتبيّن، وأفصح مؤخرًا عن ضعفها وقلة حيلتها، حتى بات الظلم والقهر عنوانيْ هذه الحقبة المشؤومة من تاريخنا، ولا يخفى على ذوي الأبصار أن المجتمع المسلم يعاني اليوم أمرّ المعاناة ويلاقي أشدّ الآلام؛ إذ أجحفت الطبقة الطاغية بالبسطاء من الناس وعامّتهم، وسلبتهم أدنى حقوقهم في الحياة: المادية، والنفسية، والفِكرية.

ولقد عانت هذه الأمة منذ فجر الإسلام، وهبوط الإنسان، وعلى مختلف العصور، ما لا تطيق، وما رُفع الظلم والطغيان عنها يومًا إلا بدفع أبنائها المؤمنين وجهادهم من أجل سيادة كلمة الحق، وإقامة ميزان العدل، أما اليوم فقد تشوّهت معالم هذه الأمة، وفقدت من هُويتها وثقافتها ما يجعلها عرضة لكلاب الشوارع الضالة، تنهش من لحمها، وتأخذ من خيراتها، وتهين كرامتها.

دعوة باطلة

إن الأمة الإسلامية غدت اليوم أمة تتآكلها الهشاشة الفكرية والنفسية، حتى ضلت طريقها، وقطعت أواصرها وصلاتها بربها، أمة تعج أراضيها بجموع من السكارى الغافلين غائبي الوعي والفكر والضمير، لقد غدت أمة خاملة يائسة، مسلوبة العزم والإرادة.

وفي الوقت الذي كان السابقون الأوّلون يدفعون عن أنفسهم الظلم بكل جرأة، ويجاهدون الباطل بكل بَسالة، نجد المعاصرين من أبناء الإسلام إما في سبات عميق من اللهو، أو غمرة من العبث، غير مكترثين لما يحدث أو يدور، وإما سكارى العقل يدعون الله في كل مسجد، وبكل خمولٍ وانكسارٍ «أن يضرب الظالمين بالظالمين، وأن يخرجنا من بينهم سالمين»، ولنا أن نتساءل: منذ فجر الإسلام ونزول النّاموس، متى ضرب الله الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين؟ متى نصر الله قومًا كسالى خاملين؟!
«إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ»، ولا يضرب الظالمين بالظالمين لينصر المؤمنين، بل يضرب الظالمين بعباده المؤمنين، ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وهذه سنة الله في نصرة أوليائه: «إِن تَنصُرُوا۟ ٱللَّهَ یَنصُرۡكُمۡ وَیُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ»، أما أن نتواكل على الله وننتظره حتى يضرب الظالمين بالظالمين ليخرجنا من بينهم سالمين؛ فهذا ضرب من الخبل والختل والرقاعة، وإدراج هذا المعنى على أنه من شعب الإيمان ومعاني الإسلام، أو لون من ألوان التعبد لله؛ فلا أراه سوى دعوى باطلة وترهات سمجة لا محالة.

الإسلام بريء

إن هذا التصور لأحرى به أن يكون تصورًا نصرانيًّا يمضي فيه المرء عالة على غيره؛ مهما أخطأ فهناك من سيحمل عنه خطاياه، ومهما واجه من صعاب فليس عليه إلا أن ينتظر الخلاص بكل خنوع. تصور يمضي فيه المرء في غاية الخمول والسلبية كما يُزعَم على لسان يسوع: «مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضًا» (لوقا 29:6)، أو أن يكون تصورًا يهوديًّا كما قال موسى – عليه السلام- لقومه: « يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)» (سورة المائدة)، ثم أردفوا: «قَالُوا۟ یَـٰمُوسَىٰۤ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَاۤ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِیهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ(24)» (سورة المائدة)، إننا نقبل هذا تصورًا لأي مذهبٍ أو عقيدةٍ كانت، فلكلٍ شأنه، أمّا أن يكون تصورًا إسلاميًّا فهذا محض كذب وافتراء!

إن الدعوة الموجهة باسم الإسلام إلى الصبر والاحتساب، والتسامح والتعايش هي في حقيقتها دعوة باطلة لتمكين الظلم، ومحاباة الطغيان، وترسيخ الجهل، وشيوع الفقر، ويقول شيخنا الغزالي في ذلك:
«كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس، أو ترضيهم بالدون من المعيشة، أو تقنعهم بالهون في الحياة، أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنية، فهي دعوة فاجرة، يراد بها التمكين للظلم الاجتماعي، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد. وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام، وافتراء على الله»

حقيقة الإسلام

لقد أقرَّت وأكّدت تعاليم الإسلام على أن المسلم الذي تنشده إنسانٌ نشط دءوب، عالي الهمة، يضرب في كل وادٍ، ولا ينتظر خلاص نفسه على يد غيره، بل هو بروحه وجسده ومقوماته يدفع عن نفسه ما أصابه من ظلم، أو جهل، أو فقر. فهو إنسان مطالب دائمًا بتزكية نفسه، وتطوير ذاته، وتحسين ملكاته، ورفع مستوى إمكانياته. إن المسلم إنسان عزيز أبيّ، لا يرضى بالدون، ولا يطأطئ رأسه من جبن أو خوف، بل يجهر بالحق، ويزأر للعدل، ولا يخاف في الله لومة لائم.

إنني – وإن كنت غارقًا في الوحل أيضًا – أطلب مِن كل مَن ينتسب إلى الدين الحنيف، ويدين لرب العزة بدين الإسلام، أن يعود إلى تراث السابقين الأولين؛ ليعرف الله حق المعرفة قبل أن يتقوّل عليه، وأن يتفقه في دينه الحنيف قبل أن يستنكر أحكامه، وأن يعتني بعقله قليلًا؛ فيطلّ على علوم الطبيعة، وعلوم الإنسان والكلام، ويجوب طرائقها ومعالمها، فيأخذ منها ما يشد به وثاق عقيدته، ويربط على إيمان قلبه، ويرفع عنه جهله، ويخدم علة وجوده، وييسر له سبل الحياة كما يرتضيها ربه.

إننا اليوم أحوج ما نكون للعودة إلى الإسلام، ليس إسلام الدعوة السلفية، ولا جماعة أنصار السنة المحمدية، ولا الشيعة العلوية، ولا الإخوان المسلمين، ولا أحزاب النور والإضاءة، يكفينا الإسلام الذي اتسع صدره لأربعة مذاهب فأكثر، دون تحزب، أو تعال، أو تقسيم، أو تكفير، تمامًا كما اتسع صدره للكفر ذاته؛ فجرّم الاعتداء على الذميين، وحرّم قتال المعاهدين والمستأمنين. إننا ندعو إلى الإسلام الذي دخل بسماحته بيت المقدس في عهد عُمر، وفُتِحَت له أبواب الأندلس في القرن الأول، وخضعت له شواطئ القسطنطينية في القرن التاسع، وحَرَّر الأقصى في حطين، وأوقف زحف التتار في عين جالوت، وأنجب الشافعي، وابن خلدون، وابن سينا، والخوارزمي، وغيرهم، إسلام بلا أحزاب، أو جماعات، أو فرق يسوقهم التحزب، أو التجمع، أو التفرق في المقام الأول؛ قبل أن يسوقهم الإسلام نفسه بتعاليمه السمحة وأخلاقه العالية، إننا ندعو إلى إسلام حقيقي، يتجسّد في الفرد الواحد عِلمًا وقولًا وعملًا، فيولد مجتمع واحد، لا يستمد وحدته وقوته من عناوين فرعية أو أفكار حزبية أو أعلام بشرية، وإنما يستمد وحدته وقوّته من الفكرة الواحدة التي جاء بها الإسلام: «لا إله إلا الله، مُحَمَّدٌ رسولُ الله»، والتي بحمد الله نُقلت إلينا كاملة بتواتر الرواية عن سيّد الخلق مُحَمَّد – صلى الله عليه وسلم-. دعونا مرةً أخرى نجتمع على هذا الإسلام وفقط، بدون عنوان ملحق أو زيادة أو نقص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد