رُبما لو كان عنوان المقال (الله الذي لا نعبده) فقط لكان رد أنا أعبد الله طبعًا، ورُبما لو كان العنوان (يا عزيزي كُلنا عبيد) فقط، لتبادر إلى ذهن القارئ بدايةً رد سريع “أنا حُر طبعًا” ، وأقول إنما اخترت العنوان لأقول لك لست حُرًا، ومع ذلك لست عبدًا.

لاشك أن جميعنا عبيد لأن العبودية رغبةٌ جامحةٌ وطبيعةٌ أصيلةٌ في النفس البشرية تستولي على العقل بالأفكار وتُحيط به حتى تقوده إلى تحقيق المعنى الكامل للعبودية بأية طريقةٍ كانت.

هل سألت نفسك لماذا قام نيرون بحرق روما ؟!

حرق نيرون روما لأن فكرةً راودته في خياله أن يُعيد بناء تلك المدينة بشكلٍ جميل؛ فقرر حرقها ثُم جلس نيرون في برجٍ عالٍ يستمتع بمنظر تلك الدماء وهذه الصرخات لمدة أسبوعٍ كامل، لقد كان نيرون نعم العبد ولكنه كان عبدًا للدماء يتسلى بها ويُقدس رؤيتها.

لماذا كان هولاكو عادلاً في قومه وفي رعيته، وكان جبارًا في الأرض يستبيح أية بقعةٍ في الأرض، يسفك الدماء ويُشرد ويقتل، بل إن جيشه كان يُضحي بنفسه من أجل ما رأوه من عدل، لقد كان هولاكو عبدًا أيضًا ولكنه عبد السلطة والمال، كان يُحب أن تُجبى إليه ثمراتُ كُلِ شيء، كان يُحب أن يرى الخيرات أمامه في مملكته الواسعة، كان عبدًا للسلطة والثروة والمُلك.

دعنا من التاريخ الذي لا يرحم، وتعال نغوص في أنفسنا، هل سألت نفسك يومًا لماذا أردت مُنذ الطفولة أن تُصبح واحدًا من أولئك الثلاثة (ضابط أو مهندس أو دكتور) دون أن تمتلك أيّة فكرة عن طبيعة عملهم أو عن طبيعة دراستهم، رُبما لا تعرف الإجابة، ورُبما تُحاول اختلاق إجابة تُثبت عبوديتك لذلك العُرف المجتمعي، أنّ الرفعة في واحدةٍ من تلك الوظائف، أنت لم تعرف لمَ يجب أن تكون ذلك الشخص؟ ولا حتى كيف؟  ولكنك قررت أن تكون اتباعًا.

هل سألت نفسك لماذا تهرع إلى تلك الماركات حين تشتري مُنتجًا، وتزداد انبهارًا بها يومًا بعد يوم دون أن تُفكر يومًا في الفرق بين هذا المنتج وذلك الذي لم يُوضع عليه علامة الماركة، إنك يا عزيزي عبدًا للماركات.

هل سألتِ نفسكِ لماذا تقفين بالساعات أمام المرآة لتضعين المكياج والعطور وغيرها حتى يُغازلكِ شابٌ وسيم، أو تنظر إحداهن إليكِ نظرة إعجاب وتتمنى أن تكون مثلك، إنكِ والله لمن عُباد الشهوات والأضواء.

وكم من هل لو سألتها لنفسك لعجزت عن الإجابة، أو رُبما وددت الهروب من أن تُصارح نفسك بحقيقتها، كُلنا لا شكّ قد حقق معنى العبودية ولكن بطريقة مختلفة، بطريقةٍ تُشبع رغباته ومكنونات نفسه، كُلنا يعبد ما يُحب.

تلك العبودية التي لا تهدينا وإنما تأخذنا في طريقٍ قد لا نعرف نهايته، نمضي قُدمًا نحو أمور لأنها تُوافق أهوائنا، وتُوافق خيالاتنا، نعبد الشهرة ونعبد السلطة ونعبد العلم ونعبد الطب ونعبد الطعام، نعبد كل شيء، فلا تقل لي إنك حُر، يا عزيزي كُلنا عبيد.

هذا المقال لا يُمثل إلا نبذًا لمفهوم ستصل إليه في نفسك، حين تجدك أقحمت نفسك في سُبُلٍ عديدة دون أن تدري ماهيتها، ودون أن تدري ماذا بعدما تصل إلى نهاية تلك السُبُل، ولم تلج في تلك السُبُل أصلاً عن رغبةٍ حقيقية، ولكنك كُنت عبدًا لأمرٍ قادك في النهاية إلى أن ضلّلت الطريق، وصرت كمن تاه وسط الصحراء وليس معه لا زادٌ ولا ماء فقام يُصلي فتلا قوله تعالى: “إياك نعبد” فتوقف ووجد نفسه في ضلال ثُم قرأ “اهدنا الصراط المستقيم” فأدرك حينها أنه لن يصل إلى الطريق السليم في الحياة إلا إذا أحسن في عبادة الله الذي لم يعبده.

كُلنا عبيد؛ لكننا لم نُحقق معنى العبودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد