_لآلاف العقود ظلت هذه القضية مسار جدل تاريخي بين الحضارت المختلفة وأصحاب الأديان السماوية وأصحاب المنهج التجريبي (المادة) وفلاسفة التاريخ القدامى. إنها قضية دقيقة للغاية حينما تكتب عن الذات الإلهية فأنت على حافة الهوية، من الله؟! هل الله حقيقة واقعية أم أنه سراب ومحض تخيل؟! ماذا عن الروح هل هي خالدة أم ماذا؟!

ــ إليكم ماذا قال التاريخ عن الذات الإلهية وفلسفة الوجود والروح، وهل الله موجود حقًا؟ وإذا كان موجودًا فمن هو؟! الله الذي ذكر في الأديان السماوية الثلاثة (التوراة – الإنجيل – القرءان) وهل هو موجود لذاته أم أنه موجود لأننا نحتاج إلى وجوده، وإذا كان موجودًا ففيم نحتاجه؟! من يحكم مسار التاريخ الإرادة البشرية أم أنه القدر الخاص بالإله؟! إليكم هذه السطور التي كتبت بعناية فائقة، فأعيروني حواسكم للحظات.

ــ الكثيرون يعتقدون في زماننا الحالي أنه في لحظة ما قد انبثق شيء من العدم. وهذه فكرة سائدة ومنتشرة بشدة خصوصًا بين العلماء الغربيين طبقا لنظرية الانفجار العظيم الذي يرجع إلى أن أصل الكون بدأ بهذه العملية المعقدة من مليارات السنين، إنه في لحظة ما قد ولد شيء من لا شيء. قد تكون هذه النظرية حديثة، لكن جذورها كانت موجودة منذ القدم.

ــ لكن هذه الفكرة لم تكن مقبولة عند طائفة أخرى وهم الفلاسفة الإغريقيون القدامى حيث كانوا يعتقدون ويصرون على أن هناك مادة كانت موجودة منذ الأزل قد يختلفون في نوعية هذه المادة الأزلية.

ــ فيذهب بعضهم إلى أن أصل هذه المادة هو الهواء، وآخرون قالوا إنه “التراب”، وذهب آخرون إلى أن المادة الأزلية الأولية هي “الماء”، بينما آخرون قالوا إنها “النار”. ظلت هذه الإشكالية المعقدة لفترة طويلة من الزمن، يختلفون في نوعية المادة الأزلية التي كانت موجودة ويتفقون في الأساس الجوهري أن هناك مادية أزلية، وأن ما هو موجود في العالم هو أبدي فلا يولد شيء من لا شيء، وما هو ليس موجودًا لا يمكن أن يصبح شيئًا.

ــ لكنَّ فكرًا مغايرًا ظهر لحل هذه الإشكالية المعقدة يقول أن المواد الأربع (التراب – الماء – الهواء – النار) هم المادة الأزلية والأولية. بمعنى أن المادة الأزلية ليسة واحدة وإنما أربع مواد هم المادة الأزلية للكون. لكن هذا الفكر المغاير بينما حل إشكالية لكنه اختلق إشكالية أخرى، كيف يمكن لمادة واحدة أو حتى أربع مواد أن تتخذ هذا القدر من الأشكال المختلفة؟ وأين موقع الروح في هذا؟ إنها إشكالية جديدة ومعقدة، فنحن بصدد قضية التغير، تغير شكل المادة الأولية من شكلها الأساسي إلى عدة أشكال التي نراها الأشجار والفراشات أشكال الطبيعة الخلابة! كيف تتغير المادة؟ ما هو الثابت وما هو المتغير في الطبيعة؟

حينما نتكلم عن المتغير والثابت فنحن نتكلم عن شيئين متناقضين تمامًا، إذن ماذا علينا أن نتبع وما هو المسار الذي يرشدنا لحل هذا التعقيد، فلاسفة الإغريق أخبرونا منذ سنة 500ق.م عن هذا، حيث ذهب بعضهم إلى فريقين الأول يقول:

– لا شيء يستطيع أن يتحول،

– نتيجة لذلك فإن حواسنا خادعة.

بينما يدافع آخرون:

  • إن كل شيء يتحول وكل شيء يجري،
  • إن حواسنا موثوق بها.

_الفلاسفة أخبرونا عن اتجاهين في مصدر المعرفة للتعرف على طبيعة الكون وأصله، وعليه أم أننا نتبع عقولنا مجردة عن كل شيء، أو إما حواسنا لمحاولة تأمل الطبيعة والوصول إلى استنتاجات نهائية، من الصعب أن يكون اثنان على تضاد ولكن من منهما على حق، عليك أن تختار؟

اتجاه آخر جديد ومعاصر لكن جذوره قديمة وعتيقة أيضًا، ماذا يقول هذا الاتجاه في قصة الكون وفلسفة الطبيعة؟ هذا الاتجاه الذي تناول ما لم تتناوله الاتجاهات الأخرى وهو موقع الروح وما هي الروح؟ وهل هي خالدة أم أنها فانية؟!

_جزء من الكل في الكل!

هذا الاتجاه لم يستطع أن يتقبل فكرة أن مادة أولى واحدة أيًّا كانت سواء ماء أو هواء… إلخ من المواد إلى التحول إلى كل هذه الأشكال التي نراها لا يمكن للماء أن يكون عظامًا ولحمًا، إنما يرى أن الطبيعة مؤلفة من جزيئات صغيرة لا تراها العين ويمكن أن ينقسم كل جزء إلى جزيئات أصغر لكن يظل في كل منها جزء من الكل.

أي أن جسدنا أيضا مبني بطريقة معينة حسب رسم تخطيطي فإذا أخذت خلية من إصبعي أجدها تكشف ليس فقط عن حالة وطبيعة جلدي بل عن حالة وطبيعة عيني وشعري وباقي جسدي.

إن كل خلية من جسمي تحمل المعلومات التفصيلية لتركيبة الخلايا الأخرى، الجزء من الكل تمتلكه كل خلية والكلية موجودة في كل جزئية مهما تكن أصغر.

ــ أما بخصوص الروح فهي كسائر أجزاء الجسم الكامل، فهي جزء من الكل وفي نفس الوقت هي الكل في جزء. فبحسب معتقدهم عن الروح أنها ذرات تتجمع في الجسد وتتفتت للتجمع مرة أخرى في صورة جسدية أخرى وهكذا تستمر العملية، بينما أيضًا أن الحب يوحد الأجزاء المختلفة لتشكل أجسامًا كاملة، أي هناك نوع من القوة التي “تشكل” (الحيوانات ـ البشر ـ الزهور ـ الأشجار… إلخ)، وتعطيها شكلها. هذه القوة هي ما يمكن أن نسميه “القوة العاقلة أو الذكاء”.

في هذا المقال أنا لم أعط إجابات كاملة لسببين، “أولا” لأن هذا موضوع يحتاج للعديد من مثل هذه المقالات. “ثانيا” هي دعوة للتأمل والتفكير في هذا العالم من حولك من خلال طرح مواضيع ناقصة لمحاولة تحريك عقل ووعي القارئ للبحث عن إجابات واستنتاجات ووضع تفسيرات تكمل ما قرأته.

سأجيب عن بعض الإشكاليات التي طرحتها في هذا المقال، ولتبحث أنت عزيزي القارئ عن أصل هذا العالم ومن أنت ولماذا أنت هنا وإلى أي مكان أنت ذاهب؟! ولنلتق في مقال جديد.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد