يمكنك تخطي المقدمة إذا لم يكن لديك متسع من الوقت.

مقدمة

 

في البداية نود الإشارة إلى جزء من الحديث الصحيح الذي ورد في صحيح مسلم عن الجارية التي سألها النبي (ص) “أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة(1).

 

 

  • قال الحافظ أبو العباس القرطبي(2) “وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته… على هذا يكون قولها في السماء أي في غاية العلو والرفعة وهذا كما يقال: فلان في السماء”.

 

 

  • قال ابن تيمية (3) “وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في سياق حديث الجارية المعروف: “أين الله؟ قالت: في السماء” لكن ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء وأن السماوات تحصره وتحويه فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته”.

 

 

  • قال الرازي(4)إن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنـزلة والدرجة يقال أين فلان من فلان فلعل السؤال كان عن المنـزلة وأشار بها إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا”.

 

 

  • قال الإمام محمد بن خليفة الأبي(5)ما نصه: “وقيل إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة الله تعالى، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلاله في نفسها، فقد قال القاضي عياض لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء كقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء{“.

 

 

  • وقال الحافظ ابن الجوزي(6) “قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها”.

مما سبق نستخلص أن معنى “في” هنا يعني فوق.. كما جاء في تفسير الآية (أأمنتم من في السماء) أي على السماء، وكقوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض) أي على الأرض، وكقوله تعالى (ولأصلبنكم في جذوع النخل)، أي على جذوع النخل.. وهذا يتفق مع اعتقاد أهل السنة والجماعة في الله وهو أنه مستو على عرشه بذاته، وعرشه فوق سمائه، فالله تعالى فوق كل شيء، وهذا ما أجمع عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأهل القرون المفضلة. (7)

 

 

أين سؤال للمكان.. والمكان كما هو معلوم يتحدد بأبعاد.. والأبعاد تحدد الحجم.. والله تعالى هو من خلق المكان وخلق الأبعاد.. ولا يحوي المخلوق الخالق.. فلا يحوي الله مكان بالمفهوم البشري، لكن مكانه كما بقية صفاته يعلمها هو وتخصه هو مثلها مثل اليد والقدم والاستواء الخاص به والعرش الخاص بذاته وغيرها مما يخص الله.. مذهب أهل السنة في فهم الصفات هو إثباتها دون تفسيرها أو تعطيلها.. وكل ما يخص الله يٌفهم في إطار “ليس كمثله شيء(8).

 

 

من الصعب على المنطق والإدراك البشري تخيل شيء خارج المكان.. لكن لو وضعنا في الاعتبار أن المكان مخلوق سيسهل هذا.. والمنطق البشري ذاته يعاني من نقص في بعض جوانبه. مثلا القصة التي تقول: هناك جزيرة كل من فيها يكذبون.. وجاءك واحد منهم قال لك أنا كذاب.. السؤال هل هو صادق أو لا؟ هنا تناقض! لو كان كذابًا حسب الفرضية إذن هو صادق وهو عكس الفرضية. وإذا كان كذابًا فهو صادق وهو عكس الفرضية أيضًا.. وهناك أمثلة أخرى كثيرة. لذا المنطق البشري يعاني قصورًا فما بالك عندما نحكم المنطق في الله.

 

 

هذا ليس استسلامًا وفشلًا في التفسير.. لكن إدراك لحدود المنطق البشري. وبشكل عام المنطق والإدراك المحدود ينهار في كل ما يتعلق باللامحدود. مثال تخيل دائرة قطرها مالانهاية.. هل تستطيع!

 

 

ما ينطبق على سؤال أين الله، ينطبق على أسئلة أخرى مثل متى وُجد الله؟ أو من كان قبله؟ الزمان مخلوق هو الآخر والله لا يحويه زمان.. فليس له قبل وليس له بعد.. الله هو الذي أوجد مفردات الإدراك البشري للأشياء والتي ترتبط بالزمن والمكان، الله هو من أوجد تلك المفردات الإدراكية وهو سبحانه خارجها.. هي تخص عباده في الأرض.. ربما هنا أناس في أكوان أخرى لهم مفردات إدراكية مختلفة (القرآن لم ينفِ ولم يثبت فهذا غير مستحيل، وإن كان من غير المفيد التفكير في كائنات حية بأكوان أخرى)، ربما هناك بأكوان أخرى كائنات لها مفردات إدراكية خالية من الزمن أو المكان.

 

 

وهناك معضلة كيف نتعرف على اللامحدود المطلق وهو الله بلغة محدودة نفهمها نحن بإدراكنا “المحدود”؟

 

 

 

همزة الوصل الإدراكية بيننا وبين الله هي اللغة، والتي من خلالها وصف الله لنا بها نفسه في مثل صفاته وأسمائه الحسنى. ولم يتحدث لنا الله عن ماهيته لأننا لا نستطيع إدراكه هو. فقط قال لنا الصفات بشكل مجرد (السميع، البصير، …) ووضع لنا إطارًا عامًا نسقطها فيه وهو (ليس كمثله شيء).. وحتى لا نرهق أنفسنا في هذا التفكير الذي هو خارج قدراتنا كبشر قال النبي: “تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله”(9). ليس حجرًا على العقل، لكن احترامًا لقدراته. فلو أردت من طفل عمره خمس سنون أن يحمل ثقلا يزن 100 كيلوجرام فأنت لا تقدر الطفل ولا تحترم قدراته.

 

 

وأخيرًا فنحن في زمن كثر فيه الإلحاد وعلت سطوة العلم، وما كان العلم أبدًا ينافي الإيمان، لكن الإنسان شعر أنه سيطر على كل شيء وبقي له أن يفسر الله بمعمل الفيزياء ففشل، فأنكر وجوده ليستريح من هذا الشيء الذي ما استطاع فهمه. ونسي الإنسان أنه ما استطاع أن يخلق بعوضة أو يحييها من بعد موتها، وما استطاع علاج نفسه من الموت. فكيف يعرف كنه الله وكينونته. إنها جرأة التكبر وليست نتائج العلم والمعرفة.

 

 

ونختم بالحديث الذي جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ”(10).

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الله, دين

المصادر

(1) صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصَّلاة، باب تحريم الكلام في الصَّلاة ونسخ ما كان من إباحته. – رقم الحديث- 537
(2) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية – طبعة مجمع الملك فهد
(4) أساس التقديس - فخر الدين الرازي الطبرستاني
(5) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم - محمد بن خليفة الأبي
(6) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه - الإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي
فتاوى إسلام ويب – رقم الفتوى
(8) سورة الشورى – الاية 11
عرض التعليقات
تحميل المزيد