كثيرة هي المواقف التي تؤلم وتجرح في مشهد الحرب في سورية، وما نتج عنها من انعكاسات على مختلف الأصعدة، من تهجير ونزوح وفقر وخوف وقلق وجوع وحصار، وجميعها تنتهي بالموت، مع اختلاف التوقيت، وحسب طاقة التحمل فقط.

واستمرت قضية اللجوء، وركوب الخطر، عبر البحر والبر والجو، مجال ابتزاز ومتاجرة بحياة الإنسان السوري المهجر قسرًا.

وأصبح خيار الحل الفردي هو الخيار الأمثل لكل طالبي الحياة من السوريين.

تبدأ رحلة الموت بهدف الحياة، من اجتياز حواجز قوات النظام، ومواقع الشبيحة والمرتزقة مرورًا بحواجز الفصائل المسلحة المختلفة من ثوريين، ومدعين ومرتزقة وملتحيين، حتى الوصول إلى تاجر الجملة للأرواح، والذي  يبتاع ما متوسطه خمسين روحًا على سطح المركب السحري أو ما اشتهر به «البلم»، ومن ينجو من هذا الحاجز القاتل، والذي تباكت على ذكره وصوره قيادات عالمية، ومنظمات مدنية وحقوقية، ولكن سرعان ما جفت مآقيهم، وفاحت روائح مصالحهم .

والعنوان الذي استفز الإنسانية وضميرها المزعوم «صفقة الاتحاد الأوروبي مع تركيا؛ لحل مشكلة اللاجئين»، تناقلته وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والإلكترونية، وبكل صفاقة، وكأنها صفقة لبيع دواجن، أو قطع تبديل السيارات، أو في أحسن تقدير، صفقة تبادل مصالح. وهي صفقة بيع ذمم وقيم، وباسم الإنسانية وحقوق الإنسان.

قال «بنجامين وارد»، نائب مدير قسم أوروبا، ووسط آسيا، في «هيومن رايتس ووتش» «ردود فعل حكومات الاتحاد الأوروبي، غير المنظمة، والساعية لإلقاء العبء على الغير، في مواجهة توافد مليون طالب لجوء، ومهاجر هذا العام، حوّلت تحدٍ يمكن إدارته إلى أزمة سياسية كاملة. دفع طالبو اللجوء والمهاجرون في اليونان، وعلى امتداد غرب البلقان ثمن انقسام الاتحاد الأوروبي».

وهذا يضع الإنسانية المزعومة لدى دول الاتحاد الأوربي على المحك مرة أخرى، وربما هي المرة الألف، وليست الأخيرة، لكن الأمل لا يغادر نفوس طالبي الحياة بالصورة الحضارية المزعومة لدى أوروبا التي نصبت الإنسان أولًا في جميع مواثيقها وقوانينها، وإعلامها المسّوق للعالم، وبعد أن أخفقت ما تسمى بمنظمات المجتمع الدولي من هيئة الأمم، ومجلس الغنم، والأشكال الكثيرة، من هيئات ومجالس بإيجاد سبيل لتقديم الوزن النوعي للدم السوري النازف على بعض المصالح، اتبع المهاجرون شغفهم بالحياة، وهم يرتلون ويحسنون الظن بمضمون.

المادة 14 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والتي تقول «لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى، والتمتع به خلاصًا من الاضطهاد».

وكم تباهت حكومات دول الاتحاد الأوروبي بانحيازها للإنسان وحقوقه الأساسية، واليوم، الآلاف من السوريين، شيوخًا ونساءً وأطفالًا، وجميعهم فارون من الحرب، وحالمون ببقية من العمر على أرض أوروبا بجوار إخوانهم في الإنسانية، فما هي ظروف معيشتهم؟ بالنسبة لهم لم يختلف الشقاء كثيرًا. البرد والجوع والقهر والخوف والاستبداد والتمييز والذل والهوان، فقط افتقدوا صوت القذائف وصفير الصواريخ وهدير براميل الموت العمياء.

وعندما بدأت لعبة إدارة المصالح بين تركيا ودول الإتحاد الأوربي، بدا مفهوم الإنسانية نسبيًا، وفضفاضًا، ومسألة تنفيذ القانون تحتمل وجهات نظر مختلفة!

وهذا أوقع اللاجئين العالقين بين الحدود الأخلاقية والجغرافية لأوروبا في قبضة من يتاجر بهم ثانية؛ لتهريبهم عبر الحدود، وفي مقابل ثمن لا يطاق، قد يصل إلى الكرامة التي فرّ بها فقط هؤلاء البشر.

إلى متى ستظل هذه البضائع البشرية مكدسة في مخازن مصالحكم؟

وهل من جدول زمني لشحنها أو إعادتها أو ربما رميها في البحر ثانية؟

إلى مدعي الإنسانية، ودعاة السلام! هل هؤلاء بشر أم أكداس بضائع؟

أما أتخمت جيوبكم وبطونكم من نزيف الشعب السوري نفطًا ودمًا ومصالح مختلفة؟

ماذا تزرعون للمستقبل؟ وهل ستسلم حضارتكم المزعومة من سموم ما تزرعون؟

لا أعتقد أن أحدًا، فردًا كان أم دولةً، أم كيانًا سيسلم من قانون العدالة السماوي!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد