“من حق البشر بل ومن واجبهم عندما تدل سلسلة طويلة من التجاوزات عليهم وسوء المعاملة واغتصاب الحقوق وممارسات مقصودة أخرى باتجاه واحد ولغرض واحد مع وجود مخطط يرمي لإخضاعهم لسيطرة حكم استبدادي مطلق، فمن حقهم بل من واجبهم أن يسقطوا ذلك الحكم وأن يعينوا قيّمين جددا على أمنهم ومصيرهم.”

هذا النص ليس من أدبيات الثورة السورية ولا من أدبيات الثورات العربية، إنه مقطع من أشهر وثيقة في التاريخ الحديث، إنها وثيقة الاستقلال الأمريكي التي وقعها مؤسسو الولايات المتحدة في الرابع من تموز عام 1776 وقرروا بهذه الوثيقة أن ينالوا حريتهم واستقلالهم، ويتغنى الرؤساء والزعماء الأمريكيون المعاصرون دائما بهذه الوثيقة ويدللون بها ويقتطعون دائما مقتطفات من نصها تعينهم على ما يريدون ويفعلون.

وأظن أن الأمريكيين فعلوا ما أوصت به الوثيقة في بلادهم فتخلصوا من الاستبداد وما زالوا يمنعون الاستبداد المباشر في بلادهم، في بلادهم فقط، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أي خلال سبعين سنة صنعت الولايات المتحدة أو استثمرت أو تحالفت مع سبعين نظاما استبداديا في ستين دولة.

يبدو أن السياسة الثابتة للإدارات الأمريكية المتعاقبة أن تصون دفع الاستبداد داخل الولايات المتحدة وتصنعه في دول العالم المختلفة، وكأنها تعتقد أن صناعة ودعم الاستبداد خارج الولايات المتحدة يبعده عنها.

الإدارات الأمريكية المتعاقبة تصنع الاستبداد وتستثمر الاستبداد وتتحالف مع الاستبداد في كل دول العالم الثاني والثالث والرابع، ونحن في سوريا علمنا ذلك وتلمسنا أدلته في زمن حافظ أسد وعند وفاته واستلام بشار رأينا وسمعنا وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت وهي تقر وتبارك استلام الوريث للحكم بعد نصف ساعة كاملة قضتها في لقاء مغلق معه كانت المدة الأطول التي قضاها بشار مع مسؤول أجنبي في مكان العزاء بأبيه.

وبعد اشتداد عود الثورة السورية حاولت الإدارة الأمريكية أن تعثر على بديل ديكتاتور ليحل محل بشار المستهلَك المعطوب الذي فاحت رائحته فرتبت مع شركائها الأوربيين محاولة الانقلاب الضخمة التي كُشفت وفُجر مُعدّوها في مقر خلية الأزمة.

واستمرت أمريكا وشركاؤها بالبحث عن بديل يصون أمن إسرائيل ومصالح الغرب وكانت محاولات عديدة شملت انشقاق عسكريين ومدنيين مقربين من بشار ومحاولات متكررة لإعداد مجموعات مدربة مسلحة، وأرسلت تبحث وتختبر كل الفصائل العسكرية المقاتلة للنظام عبر دعوات من معاهد دراسات وعبر ندوات كثيرة ظاهرها حوار وتدارس وباطنها فحص وتشخيص والتقت مع قادة فصائل بارزين علّها تجد من يصلح لها، وموّلت أكثر من إذاعة لتسمع ردودا وملخصات تعكس مواقف المعارضين والعسكريين والعاملين في الثورة السورية.

وجنّدت أمريكا عبر عدة متعهدين آلافا من المخبرين يخبرون عن كل شيء ويسجلون كل شيء على الأرض داخل سوريا حتى وصل كمّ المعلومات الواصلة إلى أكداس لُبدا احتوت على تضاربات شديدة وتناقضات أرهقت المؤرشفين والملخصين وكاتبي التقارير الأمريكيين.

وخلال مرحلة البحث الحثيث عن بديل كان لا بد للخطاب الأمريكي والأوروبي الرسمي السياسي والإعلامي أن يلجأ للنفاق وأن يكسب الوقت فاعتمد الخطاب على تصريحات ضد بشار الأسد أخذت صياغات عدة من أنه فقد الشرعية إلى عليه الرحيل وأنه يجب أن لا يكون له وجود في مستقبل سوريا، وأرفقت أمريكا مع نفاقها السماح لبعض دول الخليج بالتمويل البسيط لبعض المجموعات التي تعتبرها معتدلة وسمحت بسلاح التاو المضاد للدبابات بكميات محدودة.

ولمّا عجزت أمريكا عن إيجاد بديل غيّرت تصريحاتها بالتدريج فقالت: من الممكن السماح ببقاء بشار لفترة انتقالية ثم الأولوية ليست لرحيل الأسد، ثم لحقت أوروبا بأمريكا ببطء في البداية ثم سارعت وتناغمت ووصلوا جميعا إلى القول: من الممكن أن يبقى بشار ومن الممكن أن يكون أيضا شريكا ضد الإرهاب، شريك لهم وحليف.

هذا الإسفار ليس بغريب ولا مفاجئ عند كثيرين فهم يعلمون من تاريخ الغرب سياسة عريقة قديمة مستمرة ممنهجة في التحالف مع الاستبداد.

الدول المستبدة يسهل التفاهم معها فالتفاهم مع رجل واحد بيده مقاليد السلم والحرب والاستثمارات أسهل وأنجح بألف مرة من التفاهم مع ممثلين حقيقيين للشعب، أقبية الدول المستبدة الحليفة أماكن ممتازة للتحقيق والتعذيب يمكن للغرب أن يستخدمها عند اللزوم مع أفراد وربما مجموعات، من غير خطر تبعات قانونية وإعلامية.

المستبدون في نظر الغرب يحترمون ساداتهم ويقفون عند حدودهم ويضبطون كل أمر غير مرغوب به ويسيطرون على كل فرد متمرد ويعطون الضمانات المقنعة اللازمة، يبدو أن وسائل الاستبداد والقتل الكتلي في نظر الغرب خير وسيلة للاستقرار ومنع الفوضى والانفلات في دول العالم الثالث، استقرار المقابر وهدوء من في القبور.

في سوريا أرادوا فقط تبديل مستبد مستهلَك بمستبد جديد ففشلوا فعادوا إلى المستهلَك ليعيدوا تدويره وتأهيله بتاريخ صلاحية مفتوح، إنه بشار الأسد في السياسة الغربية من حتمية رحيله إلى ضمّه شريكا وحليفا، بشار الأسد الذي قتل مليونا من الشعب السوري تتوافق عليه اليوم الدول الغربية الديمقراطية وتبا في نظرهم لكل القيم الإنسانية وقيم الحرية خارج حدودهم.

توافق أطلقت فيه دول الغرب يد إيران في سوريا وهم يعلمون أنها تطبق مشروعا تطهيريا صفويا اسئصاليا لتغيير الديموغرافيا في سوريا بوسائل القتل والإرهاب والتهجير.

توافق وتخطيط غربي يستخدم ويسهل لبوتين ربيب الاستبداد السوفييتي ووريثه أن يمسح مدنا وقرى سورية كاملة وأن يبيد الشعب السوري المنتفض إبادة كتلوية شاملة.

هذا هو المكر الغربي، مكر شديد قديم جديد لا يراعي قيما ولا أخلاقا فهل من مكر يواجهه؟ هل من مكر يبطله؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد