حالة الحرب للدولة هي من أشق الحالات عندها، وهي الصراع من أجل البقاء بمعنى الكلمة. سواءً كانت الحرب دفاعية أم هجومية، تُضمر فيها الدولة إضمارًا اقتصاديًا، بشريًا، وسياسيًا. ويشق على أهل الحضارة أن يعيشوا عيشة مسالمة، وطبيعية، ومثمرة من كل النواحي، بل يزداد الإنتاج والصناعة من ناحية العسكرية فقط، وتقل الوظائف الأخرى داخل المدينة على حساب التجنيد، وكذلك تركز الصناعات الكبرى عملها على إنتاج سلع عسكرية، بدلًا عن المنتجات المستهلكة الأخرى [Vergun 2020].

أما بالنسبة إلى الزراعة في الدولة في حالة الحرب، فهي تتغير أيضًا. في البداية طبيعيًا يتوقف التبادل التجاري بين الدول المعادية، وهذا يؤثر على سلع الزراعية المصدرة. ثم يتغير المحصول المزروع أيضًا، على سبيل المثال، عندما قام الأمريكان في الجنوب بتحويل معظم مزارعهم القطنية إلى مزارع قمحية بعدما أنقطع عنهم امدادات القمح من الشمال في حرب الأهلية الأمريكية [Alex  2009].

ما يهمنا في هذا المقال هو كيف تؤثر سياسة الحكومة على اقتصاد بلده في حالة الحرب، وبالتحديد، اتخاذ قرارات صعبة بشأن توزيع المصادر من أجل الفوز في الحرب.

الاقتصاد هو ركيزة ديناميكية من ركائز الحضارة، فهو الدم الذي يعيش بسببه أهل الحضارة، وهو القلب الذي يضخ الطاقة إلى سائر الدولة، وهو الأوعية التي تنقل الحيوية إلى الخلايا. يمكن أن يضطرب بسهولة حتى بأبسط المتغيرات، وهو مضطرب في أغلب الحالات، حيث لا يوجد توازن فعلي حقيقي دائمي في اقتصاد أي دولة (سواءً كان في الحرب أم في السلام). وهذه الاضطرابات في الاقتصاد تحدث بسبب دخول وخروج الآلاف من الشركات والأعمال منه، وتغيرات عديدة تحدث يوميًا في الإنتاج والطلبات، ومنافسات شديدة بين الشركات [Beaudry 2015]. كل ذلك من دون أخذ تدخل الحكومات بنظر الاعتبار (وهو شيء سائد في كل الأنظمة الأقتصادية). الاقتصاد في الحرب يزداد منتجاته بأضعاف مضاعفة مما هو عليه في الحالات الأخرى، وذلك بسبب ضغط الحكومات على الصناعات والزراعات والشركات والمواطنين من أجل تقديم الأفضل ما لديهم بأسرع ما يمكنهم.

اما سياسة الحرب، فهي سياسة غير أعتيادية، فوضوية، وسريعة. لا يمكن أن تعتاد عليها أي دولة مهما كانت عظمتها. فهي بالأساس تربك السياسيين والرؤساء والملوك، وتجعل يد الحكومة متحكمة في الاقتصاد أكثر من أي وقت آخر، وتحول الكثير من الصناعات والخدمات والمنتجات إلى الوطنية الحكومية بدلًا عن الخصخصة. وقد يتقيد الشركات من بيع أملاكهم ومنتجاتهم إلى الأشخاص أو المنظمات الأخرى غير الحكومية.

يُقصد بتوزيع المصادر: تحويل إنتباه وتركيز الاقتصاد على إنتاج أشياء معينة ضرورية لذلك الوضع وذلك الزمان والمكان بدلًا من التركيز على إنتاج أشياء أخرى التي تنتجها الشعوب في أغلب الأوقات. والمصادر عادة في الاقتصاد يكون محدودًا دائمًا، إذ لا يمكن تخليقه من العدم، ولا نتوقع فيه زيادة عالية تشبع جميع المتطلبات. لذلك تتوزع المصادر بشكل غير متوازن، حيث إضافة مصدر إلى طرف ما، يؤدي إلى نقصانه في طرف آخر.

توزيع المصادر دائمًا يتأثر في الحروب، بالإضافة إلى ما ذكرناه في الفقرات السابقة من تحكم الدولة بمنتجات الشركات وبقدراتها الإنتاجية، فهي تقوم بقطع بعض من المصادر التي تذهب إلى الأشخاص العاديين والمنظمات الحكومية غير الضرورية في حالات الحرب (مثل التعليم) والصناعات التي تستهلك مواد الخامة لأغراض إستهلاكية (على سبيل المثال استخدام الحديد من أجل صنع أدوات منزلية) [Percy 1958].

المنطق من تقليل من المصادر الموزعة على القطاعات غير الضرورية في الحرب هو إن الأعداء لو هدموا دفاع المدينة، فإن ركائز المدينة سوف تنهار أيضًا وتنهدم المدينة معها. بمعنى آخر، لو تمكن الأعداء من الدخول إلى المدينة، فإنهم سوف يستبيحون أهل المدينة ويهدمون أقتصاده ويغيرون سياسته، فبالتالي تصبح المؤسسات المدينة بأكملها بلا فائدة. لذلك يمتنع عن صرف المواد الخامة على الأشياء غير الضرورية في حالات الحرب لكي تنجو المدينة من الدمار اللاحق. والأمر نفسه يحدث عند الهجوم من أجل الاحتلال، حيث يجب على حكومة تلك الدولة أن تتحكم في اقتصادها وفي توزيع المصادر بشكل ذكي.

لكن غالبية الدول (إن لم نقل جميعها) على مر التاريخ لم يستطيعوا أن يوزعوا المصادر المادية لأغراض عسكرية من أجل الفوز في حالات الحرب. حتى الدول التي فازت في الحرب لم تستطع أن تتحكم باقتصادها للتسريع من زمن الحرب، والتقليل من الخسائر البشرية، ثم التخفيض من آثار الحرب ما بعد الفوز.

لعل معظم الدول والإمبراطوريات والحضارات لم تضع خطط اقتصادية من أجل الحرب كوضعها للتكتيكات والإستراتيجيات العسكرية، مما ادى إلى طول زمن الحرب للعبهم بمصادر قليلة ورديئة، وكثرت خسائر البشرية، سواءً من الحرب مباشرةً أو لأسباب غير حربية، لعدم توفير مصادر طبية ومؤونة غذائية سليمة وعتاد كافي وغيرها من المستلزمات. وللحرب مخالبٌ إضافية لتمسك بها الدولة بعد خروجها من الحرب، مخالبٌ موجعة للخاسر أكثر من الفائز، لكن لا تزال جارحة للطرفين، حيث يرجع الجنود من الحرب من دون أدنى فكرة ما سيفعلونه بعد الخدمة، وأغلبهم شباب أضاعوا وقتهم الدراسي لصالح الحرب، فلا يفقهون شيئًا من العلوم والفنون؛ مما يؤثر على مستوى معيشتهم بشكل مباشر [Melman 1978]. ثم هناك مشكلة انعاش الاقتصاد المدني الطبيعي المزدهر بعد تحويلها إلى وضع اقتصاد الحروب.

كانت وما زالت الخطط الاجتماعية نادرة في حالات الحروب، قليل من الحكومات تفكر في كيفية إعادة دمج الجنود مع أهل الحضارة بعد عودتهم من الحرب، وحفنة منهم فقط فكر في كيفية تعويض الدولة من الخسائر البشرية. ربما كان من الأجدر لهم بدأ بتحريض المجتمع على التكاثر بشكل أكثر أستعدادًا لما بعد الحرب، لكي يحل جيل جديد محل آبائهم داخل المدينة.

مهما كان وضع اقتصاد الدولة قبل الحرب، بعد قرارها بالدخول إلى الحرب، يجب عليها أن تبدأ بإعادة توزيع المصادر (المادية، والبشرية، والنشاطية) فورًا للدفاع عن الوطن والفوز من أجله. يجب أن يكون الاقتصاد بجانب الجنود والضباط بدلًا عن الأساتذة والموظفين، والأطباء والممرضين، والعلماء غير المفيدين في الحرب، والمهندسين المعماريين. لأن خسارة الحرب تعني خسارة الدولة والشعب، وخسارة المدينة والارض، فلا بد للحكومة أن تقلص من جميع الأدوار غير الحربية التي تلعبها أهل المدينة وتدعمها اقتصاد الحضارة، ولا بد لها من تحويل مصادر المادية التي تتوزع على أهل المدينة إلى مقدمة المعركة، ولا بد لها من التركيز على بداية الحرب ونهايتها وما بعدها للفوز حقًا بها.

يجب أن نشير في الأخير أن الدول العظمى هي التي تقوم بمثل تلك الأفعال في حالات الحرب وليست دول الصغرى غير المتطورة في العصر الحديث؛ وذلك لأن غالبية إنتاج وتصدير السلع العسكرية تأتي من قبل حفنة من الدول العالم ولا توجد مثل تلك المصانع في جميع بقاع الأرض. أي إن صناعة المواد العسكرية ليست محلية، بل آتية من دول أخرى للدول الصغرى.

مثلًا، عندما يدخل دولة صغيرة غير منتجة للأغراض العسكرية في حالة الحرب، فإنها تستعين بالدول الكبرى ذات صناعات ثقيلة لتمدها بالأسلحة والأعتدة واللوجستيات الأخرى مقابل سلعة ترغبها تلك الدولة المصدرة للأسلحة.

يمكننا رؤية هذه الأستراتجية في الدول العربية الداخلة في حرب مع دول المجاورة، حيث أنها تستعين بالأمم المصدرة أمثال أمريكيا وروسيا والصين من أجل الحصول على منتجات عسكرية مقابل سلع النفطية. نجد أن الدولة العربية تزيد من إنتاجها للنفط عندما تكون في حالة الحرب، وتبقى بقية المصانع والقطاعات غير العسكرية داخل الدولة العربية كما هي عادةً، أو قد تسوء بسبب تحويل الأموال إلى بضائع عسكرية بدلًا عن الخدمية والبنائية والإنتاجية [Wolfe 2018].

بل أسوأ من هذا، هناك حفنة من الدول العربية لا تقدَر على إنتاج مصادرها الغذائية بنفسها، فتستوردها من الدول المجاورة والعالمية مقابل النفط كذلك. وحين تقرع الحرب طبولها، سوف يكونون في مأزق اقتصادي صعب، لأنهم عليهم أن يقطعوا من استيراد المواد الغذائية ليمنحوا فرصةً لمزيد من الأسلحة مقابل النفط. لذلك تعتمد توزيع المصادر في حالات الحرب في الدول غير المتطورة على أختيار السلعة المستوردة، وليس على توزيع المصادر الفعلية داخل الدولة.

أما دول المتطورة التي تصدر المنتجات العسكرية وليست في حالة الحرب بنفسها، فإن نسبة إنتاج مواد العسكرية سوف تتضاعف، ولكن دون تأثير على مجالاتها غير العسكرية كمصانع السيارات ومعامل البلاستيك والمستشفيات والتعليم والزراعة. إلا إذا كانت الدولة المستوردة تشتري سلع العسكرية والغذائية من نفس الدولة المصدرة، في ذلك الوقت تتأثر الزراعة في الدولة المصدرة عندما تقرر الدولة المستوردة عدم شراء المواد الغذائية والزيادة من المواد العسكرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد