في وقت يتزاحم فيه الناس على بوابة الماضي، ويتدافعون للخروج والانفلات من قبضته والدخول في عالم حداثي يعمه الفوضى والأنانية، تحت شعارالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ويعملون للنهوض بمستوى حياتهم اليومية، ويرتفعُ لديهم سقف الطموح وتزدادُ حدته لأقصى درجاته، ومن ثم يخطون الحواجز والأبعاد المكانية لاكتساب ثروات طائلة، يعجبهم عيش التغييرات المتتالية شبه اليومية لكي يصلون في آخر المطاف إلى ما يطمحون إليه، ثمة رجل بالهند يُسمى «الوك ساغر» غادر وظيفة بروفيسور في المعهد الهندي للكتنولوجيا بنيودلهي، واختار حياة البداوة منذ 32 سنة، لا يتصورها بشر مثلنا في الزمن المتطور الحداثي وذلك في قرية بولاية مادهيا براديش –الهند. لا يتوافر فيها الحدُ الأدنى من الإمكانيات التي يمكن أن يعيش عليها آدميون ،فلا طرق ولا ماء صافية ولا كهرباء.

في الحقيقة حياة «ألوك ساغر» لا تقل في زمننا نحن من الأساطير التي تنقلها الألسنة كابرًا عن كابر. ولا تراها العين، ألوك ساغر البالغ 62 سنةً من العمر «عمل سابقًا كبروفيسور في المعهد الهندي للتكنولوجيا بنيودلهي وهو من سكان «باربار غانج» نيودلهي كان أبوه موظفًا رسميًا في رتبة عبقرية (IRS) وأمه كانت مدرسة الفيزياء في ميرندا هاوس جامعة دلهي العريقة، وأخوه بروفيسور في نفس المعهد، حصل «ساغر» شهادة البكارليوس من نفس المعهد، وتابع مواصلة الدراسة حتى حصل على شهادة الماجيستر عام 1973 ثم سافر إلى جامعة «هوستون» في تكساس الأمريكية، حيث أكمل الدكتوراة فيها، ثم لما رجع إلى الوطن أصبح بروفيسورًا في المعهد الهندي للتكنولوجيا بنيودلهي. لكن حبه الحفاظ على الطبيعة وخدمة الشعب المهمش قد دفعه إلى مغادرة الوظيفة السامية. والآن هو قابع في ظلمات قرية لا يصل إليه حتى الكهرباء ولا يربطها طريق.

غادر «ساغر» الوظيفة عام 1982، واختار العيش بدوره في قرية نائية «كوشامو» بولاية مادهيا براديش الهند هادفًا إلى خدمة قبيلة متخلفة، عن طريق تعليم أبناءهم وبناتهم والنهوض بمستوى حياة أفرادهم والدفاع عن حقوقهم، وأهم ما يقوم به ساغر من مهام الأعمال في القرية هو غرس الشجيرات ذات الفواكه مما يجري بالفائدة على القرية ويعود الناس على غرس أشجار، وقد أفرد لنفسه بستانًا للأشجار العديدة،له حب أصيل إلى حد الجنون بالطبيعة، وحتى الآن غرس 50 ألف شجيرة في مديرية «بيتول»، وقد أثر ساغر بخطوته هذه على طبيعة أصحاب القبيلة إيجابيًا حيث توقف الناس عن قطع الشجر.

لو رأيت «ساغر» لاول مرة ستزعم أنه فقير، لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا، هو رجل له يد طولى في ثماني لغات يتحدث بها الناس في القرية، ثري بالشهادات الجامعية في الهند وخارجها، وقد تخرج على يده مدير البنك المركزي الهندي السابق السيد «راغورام راجان».

تعلم «ساغر» بصورة أحسن عيش حياة البدويين في القرية، والآن يوثر الانعزال عن دنيا ضجات الإعلام بل في عامة الأوضاع يتوقف عن المقابلة مع أي إعلامي وصحفي، فهو لا يريد الشهرة ولا الروبية ولا المناصب الكبرى، بل همه الوحيد أن يتلاشى الفرق بين الفقير والثري، ويعيش الجميع على أساس الإنسانية السمحاء، بدون استلاب حق أحد وأي تمييز عنصري ديني عقدي طائفي. ومن الطرائف أن «ساغر» كان يعيش في القرية منذ 26 سنة ولا أحد يعرف عنه أكثر سوى أنه رجل مثله، وقبل سنتين وعندما طلبت  السلطة مغادرة القرية بمناسبة الانتخابات في المديرية «غو ردونغري» لأسباب أمنية، قد اضطر «ساغر» إلى الإفصاح عن هويته وقد احتارت السلطة بعد ما كشف عن حقيقته، وقد أثارت قضية ساغر ضجات كبيرة في الإعلام الهندي كالعادة.

له فلسفة بسيطة يقول: لا نحتاج الشهادات لخدمة الشعب، ولكن الهمة العلياء،الناس في وطني يواجهون تحديات ومشاكل بينما الآخرون مشغولون بإثبات قدراتهم المتفوقة العلمية من خلال الشهادات بدلًا من البحث عن الحلول للتحديات والمشاكل.

قد اختلق «ساغر» لنفسه عالمًا يفوق الأساطير والفكر والخيال، عالمًا يحوطه الأشجار والحقول الخضراء من كل جانب يعيش في غرفة مصنوعة من التراب لا باب له، وهو مطمئن كل الاطمئنان فلا يهدده إرهابي، ولا يقتله الظلمات السوداء، ولا يخنقه البعد عن دنيا الألوان، يتنقل على دراجة قديمة للغاية بدلا من «مرسيديس» أو سيارات «هونداي» وهو بمثابة أب روحي للقرية كلها. يلف حوله الأبناء والبنون صباح مساء ليل نهار يعرضون عليهم مشاكلهم، وقد تمكن ساغر أخيرًا من بناء مدرسة للأطفال في القرية المشتملة على 750 بيتًا. وبفضل مساعيه المتواصلة قد تمكن الأبناء فيها من تخطي عقبات الحواجز القائمة بين الحضارة والبداوة والسفر إلى المدينة لأجل تحقيق أمنيات قد أشعل نورها في جنباتهم.لعل «ساغر» يقول على لسان حاله ماضينا أفضل وأندب بكثير من ذالك العولمة، والحداثة، والتحديث، وقضاء العمر مع أ ولاد صغار ورجال في البداوة أحسن بكثير من الحضارة ففي القرية حب خالص وخلق ورحمة وفرق بين الخبيث والطيب،وأمانة وأصالة وأنا أستذكر ما قاله المتنبي:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية … وفي البداوة حسن غير مجلوب

وفي الأخير واستلهامًا من حياة «ألوك ساغر» نطرح على أنفسنا سوالًا، فمتى نحن ذاهبون إلى القُرى النائية ولو لساعة أو أيام لخدمة الشعوب المنهارة؟ الذين يعيشون أقسى الأوضاع وأفقرها، وتثقيف أبنائهم وبناتهم؟ وما فائدة الأبنية الشامخة والقصور الفخمة لولا ينتفع بها عامة الناس؟

حياة «ألوك ساغر» لا تقل في الزمن المعاصر عن الدرس الذي لا بد أن أتعلمه منه في حياتي، ومستلهمًا منه على أن ألزم نفسي خدمة الشعب المنهار مهما بلغ الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد