بات من الواضح مدى تفلت السلطة العراقية، وأقصد بذلك رئيس الوزراء: حيدر العبادي من القبضة الإيرانية, وميلها وركونها لأمريكا، وهذا بفعل الممارسات والضغوطات المستمرة عليه من قبل البيت الأبيض, وكانت حزمة الإصلاحات هي بداية هذا التفلت: بحيث أطاحت بأبرز عميل وأفضل خادم ذليل لإيران, وهو المجرم نوري المالكي, لذلك ثارت ثائرة الإيرانيين وأخذوا يسعون جاهدين لحماية خادمهم المطيع ” المالكي ” ومحاولة إعادته للسلطة، ويقابل ذلك سعيهم لإسقاط حكومة العبادي.

وكان هذا المسعى يتمثل بمحاولات الاغتيال الثلاث التي تعرض لها، وجميعها باء بالفشل؛ لأن الاستخبارات الأمريكية كانت بالمرصاد، وحذرت العبادي من هذه المحاولات, كما حاولت إيران أن تسير التظاهرات في بداياتها بما يتناسب وهدفها لإعادة المالكي, حيث حشدت من أجل أن تكون مطالب المتظاهرين هي إقامة حكم رئاسي, لكن وعي المتظاهرين كان أقوى من المشروع الفارسي, الأمر الذي دفع بها إلى استخدام القوى السياسية المشتركة بالحكومة، وبالتحديد الأحزاب والكتل السياسية الموالية لها بأن تعارض الحزمة الإصلاحية وتضع العراقيل تلو العراقيل أمامه؛ كي تكون خطواته بطيئة، ويثبت فشله أمام الشارع العراقي الغاضب مما يؤدي للمطالبة بتغييره.

لكن هذه الخطوة لم تؤتِ ثمارها كما خططت إيران؛ لأن الشارع العراقي أدان تلك الكتل والأحزاب وحملها كل عمليات السرقة والاختلاس للأموال العامة، وكل ممارسات الفساد التي حصلت وتحصل في العراق, لذلك أصبحت مطالب الشعب هي:

أن يستقيل العبادي من حزب الدعوة، وهذا ما لم يدخل في حسابات إيران، الأمر الذي دفع بها إلى اتباع خطوة جديدة، وهي الدفع بالمالكي لتنظيم حملة؛ لسحب التفويض الذي منحه البرلمان العراقي لحيدر العبادي في حملته الإصلاحية، وهذا الأمر سيكتب له الفشل؛ لأن صاحب المشروع، وأقصد به المالكي الفاسد، له العديد من المعارضين في البرلمان، ولا يحتمل، ولو بنسبة بسيطة، أن ينجح في حملته, وبالتالي ستفشل إيران في إعادة دميتها المالكي لمنصبه.

وهذا الفشل قد يؤدي إلى أن تقوم إيران باتخاذ الورقة الأخيرة من أجل إعادة السفاح المالكي لمنصب رئاسة الوزراء أو منصب ” نائب رئيس الجمهورية ” على أقل تقدير, وهذه الورقة هي الورقة الرابحة التي تستطيع من خلالها إيران أن تحقق ولو نسبة بسيطة من النجاح في مشروعها في العراق.

فمن المحتمل والمتوقع أن تقوم إيران بعمليات إرهابية تستهدف العتبات المقدسة في سامراء أو بغداد أو كربلاء أو النجف, والاحتمال الأقوى أن تكون هذه العمليات في سامراء وبغداد؛ لكون المحافظتين تعتبران من المحافظات ذات الخليط السني – الشيعي.

فمثلما استخدمت هذه الورقة في الاستبدال بإبراهيم الجعفري سنة 2006 الإمعة المالكي, إذ كان الجعفري في ذلك الوقت من رجال المحتل الأمريكي ومن العاملين المخلصين له, ولم يخدم مصلحة إيران في وقتها, الأمر الذي دفع بها لإثارة الفتن ونشر عمليات الإرهاب والقتل على الهوية والتفجيرات والطائفية في أيام حكم الجعفري, وبادرت إلى إثارة الطائفية، فجندت مخابراتها ومرجعيتها الفارسية في النجف, فقام عملاء مخابراتها بعملية تفجير ضريح الإمامين العسكريين في سامراء, وفي وقتها قام مرجع إيران الأبكم – السيستاني – بإصدار فتوى تحريضية في باطنها, وظاهرها دعوة لضبط النفس!

حيث أمر بترك الناس تعبر عن رأيها, وكان التعبير عن الرأي هو حمل السلاح والاعتداء على أهل السنة ومقدساتهم، فكانت بداية الحرب الطائفية التي أدت لإشاعة روح الحقد والبغضاء وإشعال نار الفتنة بين أبناء الشعب العراقي.

كما أكد وزير الدفاع الأمريكي السابق علناً بأن مخابرات إيران هي التي فجرت مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء, وهذا قبل سنوات من بث برنامج الجزيرة ( الصندوق الأسود ), وهذا ما جعل حكومة الجعفري في نظر أصدقائه الأمريكان في وقتها حكومة مهزوزة ولا تصلح لقيادة العراق في تلك الفترة, ومرفوضة أيضاً من قبل العراقيين, من ثم دعمت المالكي ليصبح الأمين العام لحزب الدعوة، وبعد ذلك حركت أتباعها من التحالف الشيعي بقيادة عبد العزيز الحكيم للمطالبة بتنحية الجعفري وتنصيب المالكي رئيساً للوزراء.

وبما أن إيران نجحت في تجربتها السابقة تلك, فإنها من المتوقع أن تقوم بإعادتها من أجل الإطاحة بالعبادي, خصوصاً بعد أن فشلت كل محاولاتها لتغييره, كما أنها ستستغل الرغبة الأمريكية في تغيير العبادي بعماد الخرسان, وبالتالي سيعاد سيناريو تفجيرات سامراء من جديد؛ لوجود رغبة التغيير لدى الطرفين: ” الإيراني – الأمريكي ” ، كما أن شخصية عماد الخرسان تحظى بقبول الطرفين: فالسيستاني الذي يمثل إيران في العراق قد اتفق مع الأمريكان سابقاً على الاستبدال بالخرسان العبادي.

فإيران تسعى لترسيخ قواعد إمبراطوريتها الفارسية وتوسعتها في العراق خصوصاً، ودول المنطقة بشكل عام, وتستخدم أية وسيلة من أجل تحقيق غايتها, ومن أهم تلك الوسائل هو الضرب على الوتر الطائفي, وهذا ما أكد عليه المرجع العراقي الصرخي في حوار خاص مع صحيفة ” بوابة العاصمة ” حيث قال فيه :

“… إن قضية اللاجئين والنازحين الأنباريين، وغيرهم، ومنعهم من دخول بغداد والمحافظات الآخرى، وطرد من دخل منهم إلى بغداد والمحافظات الأخرى، وارتكاب كل القبائح والفضائح والجرائم لمنع ذلك، والأسباب معروفة وواضحة، وعلينا ألا نغفل عنها، ولا يفوتنا التذكير بها، وهي أن إيران، صاحبة المشروع الإمبراطوري الذي عاصمته العراق، تعمل منذ الأيام الأولى للاحتلال، وقبل جريمة تفجيرها لمرقدي الإمامين العسكريين في سامراء، وافتعالها للمعركة والحرب والاعتداءات الطائفية الأولى عام 2006 فإنها تعمل على ابتداع وتأسيس ووضع خطوط دفاعية متعددة؛ لحماية حدود إمبراطوريتها المزعومة.

وأهم خط دفاعي استراتيجي عندها هو التغيير الديموغرافي المجتمعي على الأرض، محاولةً إبعاد كل ما يحتمل خطره عليها وعلى حدودها ومشروعها، ولهذا فهي تسعى بكل جهد من أجل إفراغ المحافظات الوسطى والجنوبية، إضافة لبغداد من إخواننا وأهلنا السنة، حيث يعتبرونهم إرهابيين أو حاضنة للإرهابيين، من قاعدة ودواعش وبعثيين وصداميين وعروبيين وقوميين، معادين للمشروع الأمبراطوري الإيراني، فلابد من إبعاد هذا الخطر، وقطع دابره من الأصل، ويكون ذلك من خلال تخويف وإرعاب وترويع أهل السنة وتهجيرهم من تلك المحافظات؛ كي تأمن الجبهة الداخلية لهذه البقعة من بقع الإمبراطورية وعاصمتها العراق !”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد