من تاريخ الأندلس.. قراءة في سيرة الدولة العامرية

دائمًا ما يُحدث التاريخ عن سقوط دول وقيام أخرى، سقطت الأموية فقامت العباسية، سقطت الفاطمية فقامت الأيوبية، وهكذا.. ولكن لم نسمع يومًا عن دولة قامت داخل دولة، فباتت هي الأقوى والحاكم الفعلي دون سقوط الدولة الأساسية، وأن هذا لعملًا يحتاج إلى رجل عبقري وعقلية سياسية لا نظير لها! كانت هذه سابقة لم تحدث من قبل.. حتى قام بها ذاك الحاجب المنصور.

هو محمد بن أبي عامر، من أبناء فاتحين الأندلس الذين عبروا البحر مع طارق بن زياد، ولد ونشأ في الجزيرة الخضراء جنوب الأندلس، ثم قصد قرطبة طالبًا العلم، والتي كانت عاصمة الدنيا في ذاك الوقت، عمل خطاطًا يكتب المراسلات والتهاني أمام الزهراء مركز الخلافة الأموية في قرطبة، سرعان ما ذاع صيتهُ وحُسن درايتهُ فقربه إليهِ الخليفة الحكم بن عبدالرحمن الناصر، فجعله قائدًا لديوان الشرطة الوسطى.. ومن هُنا بدأت أسطورة الملك المنصور محمد بن أبي عامر.

إن من أسباب ضياع الدول وذهاب الهيبة وضعف الإسلام في العصور الوسطى، هو العمل الذي شاع بعد الخلافة الراشدة (توريث الخلافة) فأصبح الأمر ملكًا يتوارثه الأبناء، بدلًا عن أن يكون شورى بين المسلمين، فهذا خليفةً قوي قد ترك وراءه دولة عظيمة، ولكن ولي عهده ليس بمثل كفاءتهُ فتضعف الدولة ويتسلط عليها هذا وذاك، وسرعان ما تندثر كأنها لم تكن، وأيضًا كان خطأ كبيرًا من هؤلاء الخُلافاء تعيين ولي عهدهم الابن حتى لو كان صغيرًا غير مهيأ للحكم، ويتصرف في الدولة كأنها لُعبة بين يديه، وهذا ما فعله الخليفة الحكم، فعين ولي عهده ابنه هشام والذي لم يكن يبلغ سن العاشرة حينها، فلولا أن قدر الله للدولة ظهور رجالًا ذو كفاءة عالية أمثال بن أبي عامر لضاعت دولة الإسلام في الأندلس بين الطامعين في الداخل.. وممالك النصارى المتربصة خلف الحدود.

استطاع بن أبي عامر بفضل فطنتهُ وعلمه، أن يشغل العديد من المناصب في عهد الحكم أبو هشام، كان رجلًا شديد التطلع إلي الحكم والدفاع عن الإسلام ضد الأعداء، وبعد موت الحكم وأخذ البيعة لابنه هشام، استطاع بن أبي عامر من خلال مركزه في القصر أن يبعد كل منافسيه وأعداءه، ومن ثم عين نفسهُ بأمر الخليفة الصغير حاجبًا للخلافة فبات الرجل الثاني في الدولة ومُدبر شؤونها، ومن ثم الرجل الأول، وطت حكمهُ للأندلس واتخذ مقرًا للحكم دون مقر الأمويين، وترك الخلفية الصغير غارقًا بين الخمر والجواري، فسطر تاريخًا حافلًا بالانتصارات ضد أعداء الأسلام وأقام دولةً قوية لا نظير لها في قلب الممالك المسيحية، وأعلن قيام الدولة العامرية، ولقب نفسهُ بالملك المنصور.

يأخذ رجال التاريخ عليه أنهُ حجب الحكم عن الخليفة الصغير واستبد بالحكم لنفسه! ولو لم يفعل ذلك لضعفت الدولة وأصبحت لقمةً سهلة للأعداء، فكان رجلًا عظيم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فكما يقولون: إن الغاية تبرر الوسيلة، لا أرى أن المنصور أخطأ فيما فعل، ولا يستحق كل تلك الانتقادات، جُل ما نحتاجه في بلادنا أن يؤول الحكم إلى من يستحقه لا إلي من يرثهُ، فحكم المسلمين لا يورث كما فعل الأمويين وغيرهم، رجل مثل المنصور خاض ضد الممالك الأوروبية 52 غزوة لم يُهزم في واحدة قط، كيف لا يكون لرجل مثل هذا أن يحكم المسلمين! كان التاريخ قاصيًا عندما وصفهُ بمغتصب الخلافة، والحقيقة أن ما قدمهُ للأسلام من حروب وبناء وتشييد وتعليم، يشفع لهُ ذلك إن كان قد أخطأ في وجهة نظر البعض.

الحاجب المنصور.. هو من الرجال الذي يأتون كلما ضعف الأسلام، لإحياء كلمتهُ وهيبتهُ من جديد، ولا يَهم الوسيلة التي اتبعها للوصول إلى الحكم.. ما دامت الغاية هي عز الإسلام والمسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد