لم تتغير المواقف المحتشمة لجل الدول «العربية»، إزاء الجرائم الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني، بالرغم من التطور الخطير الذي شهده مسار الصراع قبل أسابيع، بعد إقدام سلطات الاحتلال على إغلاق الحرم القدسي الشريف في وجه المصلين لأول مرة منذ حوالي 50 سنة، قبل أن تتراجع عن ذلك بفعل الضغط الشعبي للمرابطين بالمسجد الأقصى، فيما ظلت الشعوب كعادتها تجسد تضامنها عبر وقفات واحتجاجات في عدد من البلدان، في هذا السياق طفت على السطح قضية التضامن مع الفلسطينيين مقابل أبناء البلد الواحد الذين يعانون الويلات وأيهما الأولى؟

في الأصل، كل الأمة الإسلامية جسد واحد، إذا اشتكى عضو تداعت له سائر الأقطار «قاعدة» و«قيادة» واصطفت جنبه كالبنيان المرصوص للدفاع عن حرمات الأرض والعرض سواء تعلق الأمر بغاشم محتل أو حاكم مختل، لكن، في ظل الظروف الحالية المتسمة بخيانة من «ولوا أمرنا» وتبعيتهم للغرب، فإن تحديد الأولوية يبدأ من الإجابة عن سؤال: ما هي أفضل وسيلة لدعم الشعب الفلسطيني و مقاومته في طريق «تحرير الأرض المقدسة»؟ هل الاصطفاف القوي للحكومات العربية جنبهم أم التضامن المعنوي للشعوب؟

بكل صراحة، وقوف رئيس «واحد» جنب الفلسطينيين ودعمهم ماديًا ومعنويًا أفضل للقضية «بألف» مرة من أن تحتشد الجموع الغاضبة في عواصم الدول «العربية» وتنظم مسيرات احتجاجية من حين لآخر «لا تغير في موازين القوى شيئًا»، هذا من ناحية. أما من ناحية أخرى، فالسؤال الأول يقودنا لآخر، وهو كيف يمكن أن يتغير الموقف الخجول لجل الحكام؟

طبعا، لن ننتظر تغير موقف رئيس دولة «عربية» أو «إسلامية» بين ليلة وضحاها، وذلك لاعتبارات متعددة، ذاتية وموضوعية، لكن يمكن «إجبارهم» على «الانضباط» عبر إسقاط الفساد والاستبداد من البلاد العربية والإسلامية، كي يستشعروا أن هناك برلمانا سيحاسبهم على أخطائهم وقضاء سيعاقبهم على خروقاتهم، آنذاك سيضربون ألف حساب لكل خطوة لا ترضي شعوبهم.

من هنا، فإن دعم فلسطين يقتضي أولا، الوقوف جنب كل الاحتجاجات السلمية المشروعة المطالبة بالحقوق العادلة، والرامية إلى دفع الرؤساء والحكام إلى إعطاء تنازلات من شأنها أن تساهم على المدى القريب أو المتوسط في تحسين البلد من عدة نواحي، لذا لا يمكن «لإنسان عاقل» أن ينصر «مرابطي» المسجد الأقصى ويتغاضى عن «سكان» الوطن الأقسى!

 لا يمكن الفصل بين تحرير الأقصى وتحرير مسجد الحي بإحدى مدن البلدان العربية والإسلامية من استغلاله في تبجيل «السلطان»، كما لا يمكن الفصل بين تحرير فلسطين وتحرير أوطاننا من براثن «المستبدين»، فهم بقايا الاستعمار و«في الهوى سوا» مع سلطات الاحتلال -كما يقول الأشقاء المصريون-. ولا يمكن وضع القضية الفلسطينية في مرتبة أولى من قضية مستضعفي ومفقري الوطن فـ«المقربون أولى»، كما لا يجب السكوت عن ما يقع في بيت القدس وأكنافه، فكل انتهاك لحرمات الإنسان يستوجب التضامن، لأن الأخير يتجاوز الدين والجنس واللون.

إن أي شخص ما يزال سليم الفطرة، لن يقبل المساس بأي إنسان مهما كان بعيدًا ومختلفًا في شكله ولونه وعرقه ودينه، الشيء الذي يجعل القضايا «الإنسانية» مرتبطة ارتباطًا وثيقًا مهما اختلفت، وخاصة من تشترك معهم التاريخ والثقافة والدين… فإن نصرتهم فرض على كل شخص سواء في فلسطين أو سوريا أو اليمن أو مصر أو المغرب…، وبالنظر إلى الوضع الراهن، فإن تحرير تراب فلسطين من الاحتلال يستوجب تنقية بقاياه من أوطاننا، ولذلك لا بد من دعم أي حراك سلمي يحمل مطالب مشروعة، أما التغاضي عنه والتضامن مع قضايا في جنوب شرق أسيا أو في الشرق الأوسط مثلا، فهذا ليس «نضالًا» ولا «جهادًا» بل «شقاقًا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد