أي مسرح يقدم لنا الإعلام العمومي المغربي اليوم؟ وأي مسرح نريد أن يُقدم لنا؟ وهل ما يقدمه لنا من أعمال مسرحية تعكس الصورة المتقدمة التي أفرزها الامتداد للحركة المسرحية، أم هو تصور منطقي ونتيجة حتمية وحصيلة عادية لواقع المسرح المغربي الغارق في انحطاطه وفي هزائمه؟

إن الانطلاق من هذه الأسئلة والإشكالات العامة، حول ما يحوم من التباسات وشكوك في طبيعة العلاقة التي تربط المسرح والإعلام يحتم علينا أن نشخص كل مجال بمعزل عن الآخر، ثم البحث عن إجابات منطقية والتي ستتأتى بإعادة تركيب الصورة من الأول. هذه الصورة بدورها ستفرز الكثير من الاستفهامات سيكون أبرزها حدود العلاقة بين رجل الإعلام والمسرحي، وهذا بدوره يفضي إلى منهجية فك الارتباط بينهما، وتحديد المسافة وذلك بالرجوع إلى وظيفة كل واحد على حدة.

إذا كانت وظيفة المسرح هي تحريض الإنسان على اكتساب القيم السامية فإن الإعلامي لن يتجاوز نرجسيته كرجل إعلام، رغم أن المسرحي يؤثر بشكل مباشر في هذا الأخير، أي أن قوة رجل الإعلام من الحضور القوي للمسرحي، ولقد وصلت حدة هذا التأثير أن أصبح الإعلامي ينتجُ أنماطـًا مسرحية بدلاً من تفكيكها، انطلاقـًا من حاجته إليها.

وانطلاقـًا من علاقة الالتباس هاته، سنحاول أن نمنح للإعلام حيزًا مهمًا باعتباره فضاءً مهمًا في معادلة خدمة المسرح وباعتباره كذلك آلية من آليات ضمان وصول وظيفة المسرح إلى عموم الجماهير.

يقول الممثل الفرنسي بيترك بروك: «إن أهم ما يجعلني أعتقد أنني ناجح هو اهتمام وسائل الإعلام بما أقدمه، سلبًا أم إيجابًا، لأنها في كلتا الحالتين ستجعل المشاهد يقبل على متابعة المسرح وفي رأسه أسئلة كثيرة.»

إذن وانطلاقـًا من هذا التفكيك الذي قدمه بيترك بروك، بإمكان الإعلام أن يوظف كل طاقته لحشد الجماهير وإغرائها لقبولها الاقدام على المسرح، كإقدامها على الرغيف. بالإضافة إلى كون الإعلام يتوفر على وسائل تجعله يخدم قضايا الجماهير؛ حيث يمكنه أن يسقطها في سحر المسرح ودهشته وفي سحر الإعلام أيضًا.

لقد تخلى الإعلام المغربي العمومي على دوره المنوط به، والمنتظر منه، والمتشكل في تنشيطه للحركة المسرحية، التي تشكلت آنذاك في سياقات معروفة، طغى عليها طابع التأثير بالتجارب الغربية وبعض الحركات العربية، واستبدل دور التنشيط بقراءة انطباعية لم تتجاوز حدود الترويج والدعاية للأعمال المسرحية، وفي أحسن الحالات يبث مسرحًا شعبيًا يشتغل على مواضيع ترتبط بالقضايا الحياتية اليومية لا تخرج عن السخرية والتهريج. وقد انتقلت عدوى التأثير بالنموذج الغربي إلى مرحلة الاقتباس من المسرح الفرنسي وفق منظور لا يتجاوز البحث عن الإضحاك كسقف فني، وذلك ما تختزله تجربة أحمد الطيب العلج الذي اشتغل على كتابات موليير المسرحية، واستطاع خطب وكسب ود التلفزيون الذي قام بتسجيل أعماله.

وقد وظف الإعلام الرسمي كل إمكانياته لخدمة فكرة القطع مع التبعية، حيث وظف كل وسائله للتهيئة لفكرة التراث؛ أي محاولة ربط ممارسة المسرح المغربي بخصوصية المجتمع رغم أنه لم يكن بغاية التأصيل، بل الاشتغال والانفتاح على التراث كعنصر منقذ لسطحية رواده، وأيضًا للتمييز في شكل مسرحها، وتثبيتًا أيضًا لنمطها الإبداعي تحت قبعة التميز والأصالة.

لقد روج الإعلام الرسمي هنا بالضبط شعار القطيعة مع التبعية، وهو ما أسال لعاب من اشتغلوا على مسرح التراث، كالطيب الصديقي لكن الحقيقة المغيبة هو أن ما تكرَّس بعد ذلك أفظع بكثير؛ حيث عُوّضت التبعية للآخر بالتبعية للمؤسسة الرسمية هذه الأخيرة التي جعلت من التراث خطابًا مغالطـًا للواقع، وتكريسًا للالتباس الذي أنتج في مراحل أخرى متقدمة، مسرح البيزنيس أو المسرح التجاري، يشتغل على عنصر الانبهار الشكلي والغواية عبر اللغة والملابس والنقد السطحي والفج للواقع، ليتدخل الإعلام بعد كل هذا التمهيد ويرفع شعار المسرح الاحترافي الذي كان سياسة ممنهجة من طرف الدولة لبسط سيطرتها على الحركة المسرحية والثقافية.

بهذا نكون أمام إقبار تجربة مسرح الهواة، الذي ما زلنا نحن الجيل الرابع نعتبره عصر الأنوار المغربي، وَظّف فيها الإعلام بشكل جلي ومكشوف، كل إمكاناته للقضاء على فترة الرواد، التي كان فيها المسرح ممارسةً تتماشى مع حاجته الاجتماعية وكان خادمًا حقيقيًا للمجتمع، مؤطرًا ومساهمًا في تحولاته مما أنتج تجاربَ مسرحية استطاعت أن تجمع بين النظرية والممارسة، فكانت تجارب مسرحية رائدة كالمسرح الثالث، ومسرح المرحلة، ومسرح النفي والشهادة، والمسرح الاحتفالي، والمسرح التسجيلي، والمسرح العمالي.

ورغم التنوع والاختلاف الأيديولوجي والفكري بين كل هذه التجارب والرؤى المسرحية، فقد كانت تعكس طبيعة الإفرازات المرحلية للمجتمع المغربي آنذاك، وكانت تلتحم بها وتعيشه، مساهمة من وظيفتها في التنوير والتحريض على القلق والرفض والتغيير وصياغة أسئلة واقعية، وهو ما شكل في مراحل أخرى حركة ثقافية تنويرية تتغذى عليها جميع المجالات الإبداعية الأخرى.

وكان المسرح هنا واعيًا تمام الوعي بطبيعة اصطفافه معتبرًا نفسه حقل صراع يفرضه انتسابه الاجتماعي.

لقد سعى الإعلام عبر لوبياته إلى القفز على هذه المراحل، ولم يعد يهمه إعادة طرح الأسئلة الشافية على الأجيال: لماذا أقدمت الدولة المغربية على إقبار مهرجان الهواة في مدينة أكادير؟ ومهرجان رواد الخشبة في مدينة مكناس، وهواة المسرح بمدينة فاس ونادي خشبة الحي في مدينة مراكش، والمسرح العمالي في مدينة وجدة؟

إن ما سعى إليه الإعلام الرسمي في النهاية لا يخدم المسرح، وبالتالي لن يخدم أية حركة ثقافية أخرى، إنما زاد الطين بلة، ووسع الهوة وخاصم الناس، لأنه لم يكن يوما فضاءً عموميًا كما يروج له، مستقلاً بسلطته، بل كان وسيظل بوقـًا للجهات النافذة ولأصحاب المشاريع الاقتصادية والتجارية، وهو الأمر الذي عمق عزلة المسرح ومتَّن ارتباطه بالمؤسسة الرسمية، وخرب الكثير مما بناه وراكمه الهواة، لأن وظيفته الأسمى حفظ الذاكرة وإيصالها بكل أمانة لكل الأجيال.

وفي الختام، إن الإعلام الحر والنزيه وإنضاج ممارسة مسرحية وحمايتها وإعادة الوظائف الحقيقة للمجالين، سياسة وطنية حقيقية تعتمد على الثقافة والفن والإعلام من أجل خدمة العدالة والديمقراطية وتنتج لنا إنسانًا فاعلاً ويفكر بحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد