تحتل الرؤيا المنامية وتفسيرها وتأويلها مركزًا متقدمًا في وجدان الشعب المصري، وهذا ما نشهده إذا رأى المرء رؤيا ما, فإنه يسر بها إلى القريبين منه سعيًا وراء إيجاد تفسير أو تأويل لها وبخاصة إذا تكررت هذه الرؤيا، ولذلك لم تكن الرؤيا غائبة عن مشهد الثورة المصرية كأحد تراجم الحالة النفسية للمصريين، اتخذها البعض مأخذ الجد وراقب مدى تحققها على أرض الواقع, واعتبرها البعض مُدلِّلة على مدى شفافية صاحب الرؤيا حال صدق تحققها، أما البعض الآخر فيتخذها مسار سخرية من أجل تسفيه الرؤيا أو صاحبها، أو الاستهزاء بهما في حال عدم تحققها واقعًا على الأرض.

وإذا كنا نتحدث عن ثقافة الرؤيا لدى المصريين, فإننا نجدها ثقافة متجذرة منذ آلاف السنين، فما كان قدوم يوسف عليه السلام إلى أرض مصر، وتملكه فيها، وحله لمشاكلها الاقتصادية, إلا تأويلاً لثلاث رؤى رآها هو وملك مصر ومن كان معه في السجن في هذه الآونة، كما لا ينسى المصريون هلاك فرعون على يد موسي، تأويلاً لرؤيا رآها فرعون، فسرها له المعبرون للرؤيا أن زوال ملكه سيكون على يد مولود من بني إسرائيل؛ فأتبع فرعون ذلك عددًا من الإجراءات للحيلولة دون ذلك، لكنها باءت كلها بالفشل وتحققت الرؤيا.

ثم جاء الإسلام ليؤكد على ثقافة الرؤيا، فإذا كانت خيرًا فليحمد الإنسان ربه وليخبر بها من شاء, وإن كانت شرًا استعاذ بالله من الشيطان ولا يخبر بها أحدًا. كما أن هناك علامات على صدق الرؤيا، وبخاصة إذا رأى أحد الناس الرسول في المنام فإنها رؤيا حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به صلى الله عليه وسلم، هذا وقد برز عدد من المعبرين للرؤيا على مدار عمر الدولة الإسلامية، وكان من أشهرهم ابن سيرين في كتابه تفسير الأحلام، والذي يرجع إليه كثير من الناس حتى يومنا هذا.

ولقد امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالعديد من الرؤى ذات العلاقة بالثورة المصرية، لكنني سأستعرض أربعًا منها هي الأشهر، أنقلها إليكم كما سمعتها أو قرأتها, لما لها من علاقة مباشرة بأحداث الثورة المصرية. فقبل قيام الثورة بعدة سنوات، يحكي أحد الإخوان عن رؤيا رآها؛ أن الإخوان كانوا يقفون بشاطئ البحر ومعهم الدكتور بديع مرشد الإخوان، ولم يكن بعد مرشدًا للإخوان.
ورسول الله يركب سفينة تتحرك باتجاه الواقفين على الشاطئ حتى تصل إليهم، وينزل منها رسول الله ليسلم عليهم وقد اصطفوا في صف واحد لاستقباله, ولما وصل إلى نهاية الصف حيث كان الدكتور بديع يقف سلم عليه وألبسه تاجًا، ثم شكا الإخوان إلى الرسول من الظلم الواقع عليهم من مبارك, فنادى عليه رسول الله ووضع يده على رأسه، حتى أدخله في باطن الأرض، ثم قال لهم لا بأس عليكم منه بعد. فتتحقق الرؤيا بتولي الدكتور بديع منصب المرشد وزوال حكم مبارك.

أما الرؤيا الثانية فتلك التي رآها السيسي، والتي جاءت في تسريبات لقائه مع ياسر رزق رئيس تحرير المصري اليوم ساعتها, والتي يروي فيها عن السيف المكتوب عليه لا إله إلا الله بالأحمر، والساعة الأوميجا، ورؤيته للسادات وإخباره له بأنه سيكون رئيس مصر، وهي الرؤيا التي رآها قبل أحداث يونيو بسنوات عدة وهو ملحق عسكري في السعودية، وأخبر بها أحد المعبرين للرؤى, الذي أخبره بأنه سيكون له شأن في بلده، وقد كان، ولكن الأمر لن يطول، وهو ما لم يتحقق من تفسير المفسر للرؤيا حتى الآن.

الرؤيا الثالثة وهي التي أسرت بها إحدى الفتيات في اعتصام رابعة إلى الدكتور صفوت حجازي، وكان ذلك قبل مذبحة فض الاعتصام, حيث رأت السيسي يسبح في حمام سباحة مليء بالدماء، مؤكدًا لها أن الرئيس المعزول عائد إلى الحُكم ولكن “بعد أن آخذ منكم الدم الذي أحتاجه أولا”. فقالت له: “محتاج دم قد إيه؟”، فقال لها: “بتعرفي تعدي”، وفجأة وجدت البنت حمام السباحة يغلي ويفور دمًا، وغرق عبد الفتاح السيسي، واستيقظت الفتاة من المنام على صوت رصاص (مذبحة الساجدين), وقد رأينا الدماء تسيل في كل أرجاء مصر في عهد السيسي، ولكن يظل السيسي موجودًا حتى الآن، كما أن عودة الدكتور مرسي لم تحدث بعد.

الرؤيا الرابعة هي مشاهدة الدكتور بديع عقب اعتقاله، للرسول في الرؤيا، يخبره بأن نصر مصر سيأتي بعد نصر غزة، وكان ذلك قبل الاعتداء الإسرائيلي الأخير على غزة، وشاءت الأقدار أن تستطيع المقاومة في غزة الانتصار على الصهاينة، وبذلك تحقق الجزء الأول من الرؤيا، ولكن انتصار الثورة على الثورة المضادة لم يتحقق بعد.

ويبقى السؤال، هل بالرؤى فقط تتحقق أحلام الثورات؟

الواقع يقول أنه على الرغم من أن الرؤى قد تكون محفزة ومبشرة لأصحابها، إذا كان تأويلها إيجابيا لهم. لكن ذلك لا ينبغي أن يكون كافيًا، أو مُقعدًا لهم, بل إن المؤمنين برؤيا معينة، إذا لم يتحركوا باتجاه تحقيق الرؤيا، فإن ذلك يعتبر من العبث الذي لن يغير واقعًا أو يحدث تغيرًا، ولا يستحق أصحاب الرؤيا أن تتحقق فيهم، إلا إذا أخذوا بالأسباب الموصلة إلى تحققها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد