في الحلقة الأولى من سلسلة المقالات تحدثنا عن نشأة المعتزلة، وعن التوحيد، وهو أهم ‏الأصول في أي عقيدة، ثم تطرقنا إلى ما يرتبط بأصل التوحيد عن مسألة «خلق القرآن».‏

وفي الحلقة الثانية عرضنا ثلاثة من الأصول العقائدية للمعتزلة (العدل – المنزلة بين ‏المنزلتين – الوعد والوعيد)‏.

نتناول اليوم بالشرح الأصل الخامس والأخير من أصول المعتزلة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يرتبط به من اعتقاد في الإمامة.

5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأصل الخامس للمعتزلة، ويكون باليد إن أمكن، وقد خالف في هذا الرأي أبو بكر الأصم فرأى حط السلاح أصلًا، وردّ على من ‏قال بالسيف.

وللقاضي عبد الجبار المعتزلي في «الأصول الخمسة» – المنسوب إليه – رأي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقترب كثيرًا من رأي الأشاعرة. يقول (ص71-72): «الأمر بالمعروف على ضربين: أحدهما واجب، وهو الأمر بالفرائض ضيَّعها المرء، والآخر نافلة، وهو الأمر بالنوافل إذا تركها المرء. فأما النهي عن المنكر فكله واجب، لأن المنكر كله قبيح، ويجب – إن أمكن – التوصل إلى ألا يقع المنكر بأسهل الأمور، ولا يتجاوز إلى ما فوقه؛ لأن الغرض أن لا يقع المنكر. وإن أمكن التوصل إلى أن يقع المعروف بالأمور السهلة فالإقدام على الصعب لا يحل. ولذلك قال الله عز وجل ‏﴿‏وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ‏‏﴾ [الحجرات:9]. وإنما يجب النهي عن المنكر إذا لم يغلب على الرأي أنه يؤدي إلى زيادة المعاصي وإقدامه على ضرر أبلغ منه. فإن غلب الرأي على ذلك لم يجز، والكف عنه أولى» اهـ. ويقول (ص97): «إن أمكنه النهي عن المنكر، ولم يخف على نفسه وماله، وظن أنه يُقبل منه، ويلزمه ذلك ويتركه، يكون عاصيًا، وكذلك الأمر بالمعروف، فأما إن خشي على نفسه فإنه لا يلزمه. وإن قام بعد ذلك بإظهار الحق وإنكار المنكر، فقد أحسن، وإن لم يكن ذلك واجبًا عليه» اهـ. وهو رأي لا يلزم منه الإفراط في العنف، ويجعل التدرج في الأمر والنهي من اللسان إلى اليد في حال ما لم يُفد اللسان، وأخيرًا إلى السيف، وليس العكس، أخذًا بآية الحجرات، لأن الله تعالى أمر بمحاولة الإصلاح أولًا ثم أمر بالمقاتلة إن لم تُجدِ محاولة الإصلاح، فهذا الرأي يُحكِّم العقل عند التطبيق، فلا يكون تطبيقًا أهوج يمكن أن تنشأ من ورائه فتن.

ولا يعتقد المعتزلة أن الإمامة شأن نص عليه الدين، وأصل من أصوله، بل يرون أن الحاكم يتم اختياره وتنصيبه وفقًا لما يتفق عليه رأي جماعة المسلمين، مع مراعاة اختيار الأفضل، فأنكروا شرط القُرشية في الإمامة عند أهل السُنة – عدا الحنفية -، كما أنكروا النظرية الاثنا عشرية عند الشيعة الإمامية.

ولتوضيح اعتقادهم في الإمامة، يقول فيصل عون في مقدمة تحقيقه لـ«الأصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار المعتزلي (ص11): «إن الإمامة كما فهمها المعتزلة قضية مصلحية في المقام الأول. والإمام ليس إلا رجلًا عاديًا، لكنه برز في حقل العلم والعمل، وأنه قد تم اختياره كما يختار المصلون إمامًا لهم. هذا الإمام المختار لم يكن قبل اختياره إمامًا؛ ولن يظل إمامًا بعد انتهاء اختياره أو تنحيته. هذا ما ذهب إليه نفر غير قليل من المعتزلة، وعلى رأسهم، أبو عمران الرقّاش، وفضل الحدثي، وحسين الكوفي، وأبو بكر الأصم. فالإمامة ليست واجبة بالشرع كما ذهبت فرق كلامية كثيرة» اهـ. وكعادته يشذّ الأصم في آرائه، ويخالف ليعطي تصورًا فوضويًا في الإمامة، يقول الأصم: «إن الإمامة غير واجبة بالشرع وجوبًا لو امتنعت الأمة عن ذلك استحقت اللوم والعقاب؛ بل هي مبنية على معاملات الناس. فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى، واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه، استغنوا عن الإمام ومتابعته. فإنّ كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام والعلم والاجتهاد. والناس كأسنان المشط، والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله» اهـ!

وأوجب المعتزلة على الرعية أن ينصحوا للإمام، فإن أبى الاستماع إلى النُصح، وتمادى في غيه، وجبت مقاومته وخلعه. فالمعتزلة قد يُفضي بهم هذا الأصل نظريًا إلى ‏الخروج على الحاكم الظالم إن ظنوا الغلبة عليه – ولكنهم لم يفعلوها يومًا -، وبالتالي يكون اعتقادهم في الإمامة فرعًا من اعتقادهم في حرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، وفرعًا من أصلهم الخامس في إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد وسل السيوف، ولكن في حين أن المعتزلة لم يطبقوه، فقد طبقته فرقة أخرى وهم الزيدية، وصار أساس مذهبهم. وسبق أن تحدثنا عن عقيدتهم في مقال سابق.

ويدعي بعض المعتزلة الجُدد أن أسلافهم قد ثاروا وخرجوا على الحكام الظلمة، وينسبون لأنفسهم ثورات الزيدية، ومعروف أن الزيدية تتشابه الكثير من عقائدهم مع المعتزلة، ولكن تبقى الثورات منسوبة للزيدية، وليس للمعتزلة كفرقة منفصلة. فأما ما كان من ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فكعادة شيعة الكوفة كلّموه وعاهدوه وبايعوه، ثم نكصوا، فلم يذكر المؤرخون نصرة له لا من واصل بن عطاء المعتزلي، ولا من غيره، حتى قُتِل. ذكر الذهبي في «السير» (ج5، ص391) أنه لمَّا قُتِل زيد بن علي كان يحيى ولده بخراسان، فقال ‏يحيى: ‏

لكل قتيلٍ معشرٌ يطلبونه *** وليس لزيدٍ بالعراقين طالبُ

ثم قُتِل يحيى بن زيد سنة 125هـ بخُراسان زمن خلافة الفاسق الوليد بن يزيد.

وقُتِل محمد النفس الزكية وأخوه إبراهيم سنة 145هـ، وقد خرجا على المنصور العباسي، وهما أبناء عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو من مشايخ أبي حنيفة، خرج محمد بالمدينة، وخرج أخوه إبراهيم بالعراق. ويدعي المعتزلة أن عمرو بن عبيد المعتزلي قد آزر محمد النفس الزكية في ثورته ضد المنصور، بينما لم يذكر من أرَّخوا للحدث أي إشارة تثبت ذلك، بل جاء في طبقات المعتزلة ما يردّ ادعاءهم، ويثبت تميز علاقة ابن عبيد بالمنصور. ذُكِر في طبقاتهم (ص40) «وكان المنصور العباسي يبالغ في تعظيمه – أي عمرو بن عُبيد -، حتى قيل له: إن عَمْرًا خارج عليك، فقال: هو بريء، إن يخرج عليّ إذا وجد ثلاث مائة وبضع عشرة مثله، وذلك لا يكون» اهـ.

وحتى لو صحّ أن عَمْرًا قد تقلبت علاقته بالمنصور، فقد كان خروج محمد النفس الزكية بالمدينة، وعمرو بن عبيد وقت ثورته ببغداد. فإن كان قد ذكر المؤرخون أن أحدًا ذا شأن قد ناصر النفس الزكية وأخاه؛ فهما الإمامان أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس، تغمدهما الله برحمته. وذكر الشهرستاني في «المِلل والنِحل» (ج1، ص157) أن سبب غضب المنصور على أبي حنيفة كان مناصرته زيد بن علي أو محمد النفس الزكية، ولمّا علِم المنصور ذلك حبسه. وهناك أخبار وردت في كتب المؤرخين عن مناصرة أبي حنيفة لزيد بن علي بماله، ومجاهرته بوجوب نُصرة إبراهيم. كما أوذي الإمام مالك بعد مقتل محمد النفس الزكية لأنه شجّع الناس بالمدينة على الخروج معه على المنصور، لإصراره على أن يُفتي بحديث «ليس على مستكره طلاق»، والقياس عليه أن ليس على الناس بيعة للمنصور؛ لأن بيعته كانت إكراهًا. لكن وإن لم يُثبت المؤرخون مؤازرة المعتزلة للنفس الزكية، فقد اختلف الأمر بالنسبة لإبراهيم أخيه، حيث أثبت الإمام الأشعري في «مقالات الإسلاميين» مناصرة المعتزلة له، وقال: «قُتِلت المعتزلة بين يديه».

أما الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، الملقب بيزيد الناقص، لكونه نقص ‏عطاء الناس، فقد خرج على ابن عمه الفاسق الوليد بن يزيد، وتم له الأمر، واستولى على دار ‏الخلافة في سنة ست وعشرين ومائة. ويذكره المعتزلة بخير، وإن كانوا لا يعدونه منهم، بينما ‏يعده خصومهم منهم. يقول الذهبي في ترجمته في «السير» (ج5، ص376) «هو عند المعتزلة ‏أفضل من عمر بن عبد العزيز للمذهب»، أي لكونه أقرب لمذهبهم، لكن الذهبي لا يوضح حقيقة ‏معتقده، وهل آمن بأصول المعتزلة كلها، أم أنه كان على خطى معبد الجهني؛ قدريًا، يؤكد على ‏الحرية الإنسانية، ويرفض جبرية الأمويين كالمعتزلة، لكنه لم يكن معتزليًا خالصًا. يروي الذهبي ‏عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم «سمعت الشافعي يقول: لمّا ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى ‏القدر، وحملهم عليه، وقرّب غيلان القدري أو قال: أصحاب غيلان». والمعنِي هو غيلان ‏الدمشقي، وهو معدود في المعتزلة الأوائل، وكان هشام بن عبد الملك قد قتله في خلافته بعد وفاة ‏عمر بن عبد العزيز، وكان غيلان عونًا لعمر بن عبد العزيز في رد الأموال التي نهبها بنو أمية ‏من أموال المسلمين.‏

وعلى كلٍ، فتلك الثورات أو الدعوات الفردية لرفض الظلم التي أُشير لدور للمعتزلة أو ‏القدرية فيها كانت كلها – على قلتها – في العهد الأموي، وبداية العهد العباسي، ولم يُشر لهم في ‏أي حدث مشابه في فترات لاحقة من تاريخ المسلمين. ولكن اعتقاد المعتزلة في الأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر لا يتعلق فقط بمقاتلة الإمام الجائر. يقول الإمام الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (ج2، ص157) عن اعتقاد المعتزلة في الخروج على السلطان: «قالت المعتزلة: إذا كنا جماعة، وكان الغالب عندنا أنّا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه، وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذي هو التوحيد، وفي قولنا بالقدر، وإلا قتلناهم، وأوجبوا على الناس الخروج على السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه» اهـ. ومعنى قولهم إن الفلاسفة إن ملكوا فسيُكرِهون الناس على معتقدهم وإلا يكون مصيرهم القتل!

والأمر بالمعروف هو أصل من ‏أصول السلفية أيضًا، ولكن مع اختلاف، فالسلفية لا تُجيز الخروج على ‏الحاكم، كما أن السلفية يجعلون من أنفسهم محتسبين على عقائد باقي فرق المسلمين ‏باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأغرقوا العوام في الفتن، وهو ما لم تفعل المعتزلة مثله ربما لافتقادهم الظهير الشعبي، حيث يظهر من رأي بعض أئمتهم فيه استعدادهم لقتل من يرفضون اعتقاداتهم، وأرى أن محنة خلق القرآن التي تمت في عهد الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق بإرغام العلماء والقضاة على الإقرار بصحة عقيدتهم بأن القرآن مخلوق هو أسوأ احتساب على عقائد العباد حدث في تاريخ الإسلام.‏

وقد سبق وشرحت الدور المحوري للمعتزلة في محنة خلق القرآن في مقال «هل المعتزلة أبرياء من محنة خلق القرآن؟».

يُتبع.

***************

ملحوظة: قائمة المراجع ستُضمَّن في الجزء الأخير من هذه السلسلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد