المعتزلة هي فرقة كلامية تنتسب في أشهر الأقوال إلى واصل بن عطاء (80هـ- 131هـ). ظهرت عقيدة المعتزلة بالبصرة في أوائل القرن الثاني الهجري أواخر العصر الأموي، وازدهرت في العصر العباسي ‏خاصة في عهد المأمون الذي وقعت في عهده محنة خلق القرآن التي تسبب فيها اعتقاد المعتزلة بأن الكلام –والذي يعتقدونه من صفات الفعل وليس من صفات الله الذاتية- محدث وليس قديمًا أزليًّا بقدمه تعالى، ‏وضعفت هذه العقيدة تمامًا وقل معتنقوها بعد شيوع العقيدة الأشعرية بين المسلمين، ثم نفخ الروح في السلفية على يد ابن ‏تيمية ثم ابن عبد الوهاب، ولم يبق سوى قلة قليلة من المسلمين ممن يعتنقون تلك العقيدة في عصرنا ‏الحاضر.‏

اختلاف حول النشأة والتسمية

قيل في نشأة المعتزلة أنها ظهرت لمّا اعتزل واصل مجلس الحسن البصري بسبب قوله بأن مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين منزلتيّ المؤمن والكافر. ذكر الشهرستاني في «الملل والنِحل» (ج1، ص42) «القول بالمنزلة بين المنزلتين، السبب فيه أنه دخل واحد على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يُكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يُخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يُرجُون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مُرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟، فتفكر الحسن في ذلك، وقبل أن يُجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى إسطوانة من إسطوانات المسجد، يُقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسُمي هو وأصحابه معتزلة»أهـ.

بينما يذكر العلامة علي سامي النشار في موسوعته «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» (ج1، ‏ص230)، نقلًا عن الكعبي والقاضي عبد الجبار المعتزلي، أن المعتزلة ترجع في أصولها الحقيقية ‏إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، فواصل بن عطاء نشأ بالمدينة، ربّاه محمد بن ‏الحنفية مع ابنه أبي هاشم عبد الله في الكتّاب، ثم صحب أبا هاشم بعد وفاة أبيه صحبة طويلة، ‏وعنه وعن أبيه أخذ واصل.‏

أما الملطي في «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبِدع» (ص44) فيذكر قصة أخرى حول نشأة الاعتزال وسبب تسمية المعتزلة. يقول: «وهم سمّوا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية، وسلّم إليه الأمر اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس. وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسُموا بذلك معتزلة».

أصول المعتزلة

اعتمدت المعتزلة على العقل وتميزت بتقديمه على النقل في فهم العقيدة الإسلامية، وقالوا ‏بأنّ العقل والفطرة السليمة قادران على تمييز الحلال من الحرام بشكل تلقائي، وتحديد الحسن من ‏القبيح، وتأثروا بالفلسفة في بحثهم مسائل العقيدة، فقد نشأ ذلك المذهب العقدي في عصر توسعت ‏فيه رقعة الدولة الإسلامية واتصلت بحضارات شتى.‏ فالعقل عندهم هو مصدر آخر للمعرفة. لكن يعيب المعتزلة الثقة المطلقة فيه، التي تصل لدرجة التغطرس والتباهي؛ فاحتكامهم يكون بشكل مستمر لما يقضي به العقل، دون فحص كافٍ للنصوص.

يُعرِّف المعتزلة أنفسهم بأنهم أهل العدل والتوحيد، ويؤكدون على مقولة منسوبة للإمام عليّ ‏بن أبي طالب عن الله عز وجل يقول فيها:

توحيده ألّا تتوهمه، والعدل ألّا تتهمه

فعقيدتهم في الله تعالى ‏على أصول، اختلف عددها وتحديدها باختلاف المصادر، فقول بأن للدين أصلين وهما: التوحيد والعدل، وقول بأنهم أربعة وهم: التوحيد والعدل والنبوات والشرائع، وقول أكثر شيوعًا، ويعتبر أكمل تصور لعقيدة المعتزلة، وهو على أن أصول الدين خمسة، التي هي: التوحيد، والعدل، ثم هناك المنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، ‏والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‏

1- ‏التوحيد

التوحيد كما يُعرفه القاضي عبد الجبار في «الأصول الخمسة» (ص68) «هو العلم بما تفرد الله عز وجل به من الصفات التي لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين»أهـ، فالله وفقًا لعقيدتهم، واحد في ذاته، وهو شيء لا كالأشياء ليس بجسم ولا صورة، وليس بجوهر، ولا عنصر، ولا يتجزأ، وليست له جوارح وأعضاء، ولا يتحرك ولا يسكن. ويُنكرون الجهة والفوقية والعرشية، إلى آخره من التنزيهات المعروفة عند أهل السُنة، وتتنافى تمامًا مع مفهوم السلفية التجسيمي للذات الإلهية. ولا يشاركه تعالى غيره فيما يستحق من الصفات على الحد الذي يستحقه.

ويتفقون أيضًا مع السُنة من الأشاعرة والماتريدية في ‏تقرير الصفات السبع لله تعالى (العلم– القدرة– الإرادة– الحياة– ‏السمع– البصر– الكلام)، لكن يعتقد المعتزلة أن ذات الله قديمة بينما صفاته حادثة، وأن صفاته تعالى هي عين ذاته وليست قائمة بذاته كما يعتقد الأشاعرة، فقرروا وحدة الذات الإلهية وصفاتها، وقرروا نفي الصفات ‏الزائدة عن الذات، فهو عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، فالصفة هي نفس الوصف. وكان ذلك تفاديًا للشرك بزعمهم، حتى لا يقولوا بأكثر من قديم، لأنها لو شاركته في القدم لشاركته في الإلهية. ويصفهم السلفية ‏بالمُعطِّلة والجهمية بدعوى أنهم ينفون الصفات تمامًا عن الله، والحقيقة أنهم ما ينفون الصفات وإنما ينفون الأزلية عن الصفات، وينفونها قائمة بالذات، وينفون انفصالها عن الذات، فدمجوها مع ذات الله وقالوا هي عين ذاته.

وكانت مشكلة وحدة الذات والصفات من شواغل فلاسفة المسلمين من الأشاعرة ‏والمعتزلة، وقد شغَّب بعض المعتزلة على الأشاعرة لإثباتهم ذاتًا وسبع صفات ‏قديمة ليست عين الذات، وحاولوا تصوير الأمر على أن لهم ثمانية أقانيم، وهذا تشنيع مقيت؛ فالذات ‏واحدة مهما تعددت الصفات الموصوفة بها. يقول السبكي في «طبقات الشافعية» (ج2، ‏ص300) «يقول سائر المعتزلة للصفاتية -أعني مثبتى الصفات-: لقد كفرت النصارى بثلاث ‏وكفرتم بسبع، وهو تشنيع من سفهاء المعتزلة على الصفاتية. ما كفرت الصفاتية ولا أشركت وإنما ‏وحّدت وأثبتت صفات قديم واحد، بخلاف النصارى، فإنهم أثبتوا قدمًا فأنى يستويان أو يتقاربان»أهـ.‏

اعتقاد المعتزلة في صفة الكلام (خلق القرآن)

يعتقد المعتزلة أن الكلام صفة للفعل وليس من ‏صفات الذات، وأنه محدث غير قديم، مما تسبب في قولهم بخلق القرآن، فيعتقدون أن كلام الله مخلوق أو حادث ‏أي أنه وُجد بعد أن لم يكن موجودًا، وتكلم الله به بعد أن لم يكن متكلمًا، وأن كلامه تعالى حرف وصوت.

يذكر محمد صُبيح في مقدمة تحقيق كتاب «فتوح مصر وأخبارها» (ص5) عن محنة خلق القرآن التي تسببت فيها عقيدة المعتزلة «هي فكرة جدلية ملأت على الخليفة المأمون أقطار نفسه، وغلبت على ما عداها من فكر، وهزت هزًا عنيفًا كل ما عُرف عنه من رجاحة الرأي وسعة الصدر. قال –أي المأمون- يشرح الأمر في الكتاب الذي بعث به إلى واليه بمصر: «قال الله تعالى: ‏﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا‏‏﴾‏‏ [الزخرف: 3]. وكل ما قد جعله فقد خلقه. كما قال تعالى: ‏﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ‏‏﴾‏‏ [الأنعام: 1]. وقال تعالى: ‏﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ‏‏﴾‏‏ [طه: 99]‏‏، فأخبر أنه قصص لأمور أُحدثت بعدها. وقال عزّ وجلّ: ‏﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾‏‏ [هود: 1]. والله تعالى محكم كتابه، ثم مفصله، فهو خالقه ومبدعه». وقصد المأمون بهذا أن القرآن كلام الله، خلقه وأبدعه، وأنه ليس جزءًا غير منفصل عن الذات الإلهية، وذلك تنزيهًا للتوحيد، ومن لم يؤمن بأن القرآن مخلوق فقد عمي عن رشده، وابتعد عن الإيمان بالتوحيد، وكان أكذب الناس لأنه كذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حق معرفته»أهـ.

ومثل ذلك تقريبًا كان في الكتاب الذي بعث به المأمون إلى واليه على العراق إسحاق بن إبراهيم يأمره بامتحان الناس، وذكره الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» (ج8، ص632). وكُتب المأمون هذه تُلخص الأسباب العقلية المستقاة من فهمهم للقرآن، التي أدت بالمعتزلة للقول بخلق القرآن.

ومثلها ما أورده القاضي عبد الجبار في «الأصول الخمسة» –المنسوب إليه- (ص86-87)، يقولون: «الله قد أنعم على العباد بأن كلّفنا وأمرنا ونهانا، وأن الكلام فعله، كما خلقهم ثم أحسن إليهم، فكما أن الإحسان محدث فكذلك كلامه محدث. وقد قال عز وجل: ‏﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:2]، والذكر هو القرآن، لقوله تعالى: ‏‏﴿وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:50]، وقوله: ‏﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ‏‏﴾ ‏‏[يس:69]، وقال عز وجل: ‏﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا‏‏﴾‏‏ [الأحزاب:37]، والأمر هو القرآن. وقال الله تعالى: ‏﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا‏‏﴾ [الزمر:23]. والحديث لا يكون إلا مُحدَثًا. وقال تعالى: ‏﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ‏‏﴾‏‏ [هود:1]، وهذه علامة المُحدَث. وقال: ‏﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً‏‏﴾‏‏ [الأحقاف:12]، وقبله غيره لا يكون إلا مُحدَثًا. على أن القرآن سوره كثيرة، وهو عربي، ويُنصّف، ويُتلى، ويُستمع، ولا خلاف بين الأمة أن كل ما سوى الله فهو مُحدَث. فيجب أن يكون القرآن كلام الله مُحدَثًا، ومُحدِثه الله عزّ وجلّ، فإن أحدًا غيره لا يقدر على مثله، كما قال عزّ وجلّ: ‏﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏‏﴾ [الإسراء:88]»أهـ.

أما رأي أهل السُنة من الأشاعرة والماتريدية في المسألة، فمجمل في كتاب «الفقه الأكبر» المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة بأن: «القرآن كلام الله تعالى في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي عليه الصلاة والسلام منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق، وكتابتنا له مخلوقة، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق، وما ذكر الله تعالى في القرآن حكاية عن موسى وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وعن فرعون وإبليس فإن ذلك كله إخبار عنهم، وكلام الله تعالى غير مخلوق، وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق. والقرآن كلام الله تعالى فهو قديم لا ككلامهم»أهـ.

حيث يميز الأشاعرة بين الكلام النفسي القديم القائم بالذات، وبين الألفاظ التي نلفظه بها، ‏لتدل على الكلام النفسي القديم، وهي مخلوقة ليست قديمة. يقول الشهرستاني في «المِلل ‏والنِحل» (ج1، ص83) عن اعتقاد الأشاعرة في الكلام: «والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان ‏الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام دلالات على الكلام الأزلي، والدلالة مخلوقة مُحدَثة، ‏والمدلول قديم أزلي، والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو، كالفرق بين الذكر والمذكور، ‏فالذكر مُحدَث والمذكور قديم»أهـ. ‏

وروى السُبكي في «طبقات الشافعية» (ج8، ص224) قول الإمام العز بن عبد السلام الأشعري ‏في «مُلحة الاعتقاد» «‏﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:2]، جعل الآتى مُحدَثًا، ‏فمن زعم أنه قديم فقد ردّ على الله سبحانه وتعالى، وإنما هذا الحادث دليل على القديم، كما أنّا ‏إذا كتبنا اسم الله تعالى في ورقة لم يكن الرب القديم حالًا في تلك الورقة، فكذلك إذا كُتب ‏الوصف القديم في شىء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلّت الكتابة»أهـ.‏

وأقول: يتضح مما سبق أن اعتقاد المعتزلة في كلام الله هو شكل من أشكال إجراء الزمن ‏على الله تعالى، ودائرة الزمن تشملنا ولا تشمله سبحانه؛ فهم يرون كلامه ذا طبيعة تفاعلية مع ‏البشر، فموسى عليه السلام تكلم فأحدث الله تعالى كلامًا ردًا عليه، ولكنهم ينفون أن يكون ‏إحداث ذلك الكلام في ذاته تعالى، تهربًا من هذا التزمين لذاته العليّة، ولأنهم كجموع المسلمين ‏عدا الكرامية –ومن تابعهم كابن تيمية- ينفون أن تكون ذاته العليّة محلًا للحوادث. إن تصور ‏المعتزلة عن الكلام باعتباره صفة فعل وليس صفة ذات، جعلهم يفصلونها عن ذات الله، ومن ثم لزمهم ‏أن كل ما سوى الله محدث، وتصورهم عن القرآن ككلام الله المنزل على فترات، والذي يقص ‏علينا قصص أمم مما كانت قبلنا، بل ويقص بعض ما حدث للرسول مثل وجود الرسول في ‏الغار وقت الهجرة إلى المدينة، وبعض ما حدث في الغزوات، وما حدث من الصحابة والمنافقين، ‏وغيرها من حوادث، إضافة لعدم تمييزهم بين المدلول القديم والدلالة المحدثة (التنزيل، التلاوة، ‏الكتابة،…)، هو سبب قطعهم بكون القرآن محدثًا مخلوقًا، وهذا فرع من تصورهم الإجمالي ‏المختزل لصفات الله تعالى المغاير لمعتقد أهل السُنة، فتصورهم القاصر للكلام يرتبط بتصورهم ‏المختزل عن علم الله، فالأشاعرة على النقيض من المعتزلة يقطعون بأن علم الله واحد، يتعلق ‏بجميع المعلومات، المستحيل والجائز والواجب، والموجود والمعدوم، ويتفرع عن ذلك العلم ‏بالمعدوم الغيبي أن كلام الله قديم حتى ولو دلّ على ما حدث للأمم من قبلنا أو للرسول أو ‏للصحابة، وهم محدثون وليسوا أزليين.‏

والمعتزلة الجُدد يجادلون حول اعتقاد أسلافهم بأزلية صفات الذات، وأهمها العلم. يقول أحدهم: «يثبت المعتزلة لله كونه عالمًا منذ الأزل، وإنما الخلاف في كون العلم تابعًا للذات كما يقول المعتزلة، أو في كونه عرضًا على الذات كما يقول الأشاعرة. التعدد الذي حذّر المعتزلة من الوقوع فيه ليس هو تعدد التماثل، بل تعدد قدم الأشياء وإن كانت غير متماثلة، فالقول بأن العلم عرض يلزم منه، وجود جوهر له؛ وبذلك يصير عندنا جوهر وعرض متساويان في القدم». وخلاصة الكلام أنهم يريدون أن يصوروا لنا أن سبب تشنيع المعتزلة على الأشاعرة بأنهم يقولون بأكثر من قديم، هو أن الأشاعرة يعتقدون صفات الذات قائمة بالذات، وليست عين الذات، وهو ما لا يمكن الاعتداد به والركون إليه. إن من يقرأ ما يدفع به أسلافهم حول اعتقادهم خلق القرآن لا يتلمح من خلال تلك الدفوع اعتقادًا بأزلية علم الله مثلما يعتقد أهل السُنة أشاعرة وماتريدية، بل وسلفية، فطالما تؤمنون أن العلم قديم؛ لماذا رفضتم أن الكلام قديم، والدلالة عليه فقط المحدثة؟!، وجادلتم وحاججتم بأن الكلام ذاته محدث لأنه يدل على (أخبار محدثة)، والمفترض لمن يعتقد بأزلية العلم أن يعي أن تلك الأخبار محدثة لنا، غير غائبة عن علم الله القديم، ولا يَستبعد أن يكون الله قد تكلم بها في الأزل.

وجاء في «طبقات الشافعية» (ج3، ص417) عن اعتقاد الأشعري في الكلام في مقابل اعتقاد ‏المعتزلة «ومذهبه أن الله تعالى أفرد موسى فى وقته، بأن أسمعه كلام نفسه بغير واسطة، ولا على ‏لسان رسول، وإنما لا يصح هذا على أصول القدرية –يعني المعتزلة-، الذين يقولون إن كلام الله ‏مخلوق فى الشجرة، وموسى عليه السلام يسمع كلامه، وقال الأشعرى: لو كان كلامه سبحانه فى ‏الشجرة لكان المتكلم بذلك الكلام الشجرة، فالقدرية قالوا: إن موسى عليه السلام سمع كلامًا من ‏الشجرة، فلزمهم أن يقولوا إنه سمع كلام الشجرة لا كلام الله»أهـ. فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند ‏المعتزلة من فعل الكلام؛ لأن الكلام عند المعتزلة فعل، والفِعل يُنسب لفاعله، وليس لمن قام به، ‏وبما أنهم يرونه صفة فعل وليس صفة ذات، فهم يعتقدون أنه حادث مخلوق، والله تعالى قديم، ‏وذاته لا تقوم بها الحوادث، فقولهم بخلق القرآن هو نهاية سلسلة من الاعتقادات المترتبة على ‏بعضها، وأصلها أن الكلام من صفات الفعل، وأن صفاته التي هي عين ذاته –على اعتقادهم-، ‏كالعلم والإرادة، حادثة.‏

أما السلفية، ووفقًا لابن تيمية في الفتاوى الكبرى، فهو يتهم الأشاعرة بالاضطراب في ‏مسألة القرآن. ويبدو أنه لم يفهم كيف يكون اعتقادهم بأن القرآن غير مخلوق، بينما لفظنا به ‏مخلوق، وهو أمر حتى أكثر السلفية المعاصرين يخلطون فيه ولا يفهمونه.

ولقد كانت مسألة التلفظ بالقرآن سبب محنة الإمامين البخاري والعز بن عبد السلام، بسبب ‏دسائس الحنابلة، حيث لم يخالف الأشاعرة المعتزلة بذلك الاعتقاد فقط، بل خالفوا السلفية أيضًا. ‏فالسلفية تارة يثبتون ضرورة التوقف عن الخوض في مسألة التلفظ بالقرآن، وعدم التصريح بكونه ‏مخلوقًا أو غير مخلوق، وتارة يُصرِّون على عدم انفصال المتلو عن التلاوة، وبالتالي فكما أن القرآن ‏غير مخلوق، فاللفظ بالقرآن غير مخلوق!، فحكموا بأن كليهما قديم!؛ حيث خلطوا بين فعل الله ‏وأفعال العباد، وقالوا كلام الله حرف وصوت، وبالتالي فالحروف والكلمات التي يُتلى ويُكتب بها ‏القرآن قديمة! وكان كتاب «خلق أفعال العباد» ردًا من الإمام البخاري على كل من المعتزلة والحنابلة، فكل ‏طائفة منهما لم يميزوا بين المتلو والتلاوة، فالمعتزلة اعتبرت القرآن مخلوقًا كما رفضت القول بأن ‏أفعالنا مخلوقة لله لقولهم بالعدل –وهو الأصل الثاني لهم-، والحنابلة اعتبروا القرآن قديم غير مخلوق، لكن لم يميزوا فعل العبد من أفعال ‏العباد، فظنوا تلاوتنا وكتابتنا للقرآن أيضًا قديمة!

ومن أكثر ما يُسوؤني استخدام ما يُسمى «التشنيع بإساءة الحكاية» عند شرح كثيرين لعقيدة المعتزلة في خلق القرآن، فيشنِّعون بأن المعتزلة قالوا إن القرآن الذي هو كلام الله مخلوق كالمخلوقات!، أو أن المعتزلة ادَّعوا أن القرآن هو عمل بشري من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم! في حين أنه يمكن مجادلتهم بالعقل لنثبت لهم ما نراه من خطأ اعتقادهم.

هذه المناظرة التخيلية وضعتها بين أشعري ومعتزلي لإبطال عقيدة المعتزلة في الكلام أنه صفة فعل غير قائمة بذات الله القديم، وأنه مُحدث، والتي قادتهم للقول بخلق القرآن:

الأشعري: هل أمره سبحانه قبل خلقه، أم خلقه قبل أمره؟

المعتزلي: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾‏ [يس: 82]

الأشعري: فكيف يأمر ربنا وينهى؟

المعتزلي: يأمر ربنا بكلام.

الأشعري: فكيف يكون الكلام مُحدثًا وقد سبق الخلق؟

المعتزلي: الكلام فعل فعله الله قبل الخلق.

الأشعري: فذاته تعالى غير محل للحوادث، وأفعال الله يحدثها في مخلوقاته، فلو كان كما تقول أن الكلام صفة فعل، لا بد من خلق يُحدث فيه فعل الكلام، وأمره قبل خلقه، فكيف يكون الكلام صفة فعل؟

فانقطع المعتزلي.

أما محنة خلق القرآن فقد سبق وشرحت دورهم المحوري فيها في مقال «هل المعتزلة أبرياء من محنة خلق القرآن؟»

************

يُتبع

ملحوظة: قائمة المراجع ستُضمَّن في الجزء الأخير من هذه السلسلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد