في الحلقة الأولى من سلسلة المقالات تحدثنا عن نشأة المعتزلة، وعن أصل التوحيد، وهو أهم الأصول في أي عقيدة، ثم تطرقنا إلى ما يرتبط بأصل التوحيد في مسألة «خلق القرآن».

نتابع في الحلقة الثانية شرح ثلاثة من الأصول العقائدية للمعتزلة (العدل- المنزلة بين المنزلتين- الوعد والوعيد)

2- العدل

أما مقولة «العدل ألّا تتهمه» فهي مقولة عظيمة للإمام عليّ، ولكن لم يتفق للمعتزلة أن فهموا ‏ما قصد إليه سيدنا عليّ وسائر المسلمين من أن كل ما فعله الله وقدَّره للإنسان هو من ‏العدل فليس الله بظلام للعبيد، ولكن الإنسان قد لا يدرك الحكمة من وراء كثير مما ‏يحدث في الكون. وهو تعالى مالك الكون يتصرف فيه بما يشاء، ولا يُتصور منه ظلمًا. والمعتزلة فهموا الأمر على أن قياس أحكام الله يكون وفقًا لما يتفق مع ‏العقل، والعقل هو الذي يتحدد تحسين وتقبيح الأشياء على أساسه، فالعدل عندهم هو ما يقتضيه العقل من الحكمة، وهو إصدار الفعل على وجه الصواب والمصلحة. ويُعرفه القاضي عبد الجبار في «الأصول الخمسة» (ص69) بأنه «العلم بتنزيه الله عز وجل عن كل قبيح، وأن أفعاله كلها حسنة»أهـ.

وإرسال الرسل بالشرائع السماوية فرع من أصل العدل عندهم؛ لأن العقل يقضي بأن إرسال الرسل وتعبدنا بالشرائع فيه صلاح البشر، وبالتالي أوجبوا على الله فعله.

وكان الأمويون قد شجعوا القول بالجبر، لتبرير سياساتهم الظالمة تجاه الرعيَّة بنسبتها إلى الله تعالى، فكان هذا الأصل عند الفِرقة الناشئة المعتزلة ردًا على جبرية الأمويين؛ يقولون بالعدل وينفون الجبر. فالعدل الإلهي عند المعتزلة يرتبط بحرية الإنسان ومسئوليته في خلق أفعاله، لأن من العدل أن يكون الإنسان حرًا ليحاسبه الله، ولاعتقادهم بأن ‏الإنسان مُخير في أفعاله وقعوا في نفي أن يكون الله خالقًا لأفعال عباده لأن فيها الشر، ‏والله لا يفعل الشر ولا يأذن به بزعمهم.

قال أبو محمد ابن حزم في كتابه «الفِصل في الملل ‏والأهواء والنِحل» (ج5، ص57): «قالت المعتزلة: بأسرها حاشا ضرار بن عبد الله الغطفاني ‏الكوفي، ومن وافقه كحفص الفرد وكلثوم وأصحابه، إن جميع أفعال العباد من حركاتهم ‏وسكونهم في أقوالهم وأفعالهم وعقودهم لم يخلقها الله عز وجل»أهـ.‏ بالتالي أثبتوا خالقين لا يُحصون. ‏‏‏﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾‏‏‏‏ [الرعد:16].

ولعل قولهم بأن كل أفعال العباد الخير والشر من خلقهم، كان هربًا من الوقوع في التصنيف الثنوي المجوسي الذي كان قد دخل إلى معتقد بعض المسلمين من بلاد فارس، والقائل بأن الخير من الله والشر من الإنسان. كما يتضح أن اعتقادهم أن العباد يخلقون أفعالهم يرتبط باعتقادهم في القدر.

ومن طرائف ما يُروى من مناظرات الأشاعرة والمعتزلة بخصوص خلق أفعال العباد ما رواه السُبكي في طبقات الشافعية (ج4، ص261-262) في ترجمة أبي إسحاق الإسفراييني، عن مناظرة حدثت بين الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني الأشعري الشافعي والقاضي عبد الجبار المعتزلي الشافعي.

قال القاضي عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة: سبحان من تنزّه عن الفحشاء.

فقال الأستاذ مجيبًا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء.

فقال القاضي عبد الجبار: أفيشاء ربنا أن يُعصى؟

فقال الأستاذ: أيُعصى ربنا قهرًا؟

فقال القاضي عبد الجبار: أفرأيت إن منعني الهدى وقضى عليّ بالردى أحسن إليّ أم أساء؟

فقال الأستاذ: إن كان منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء. يقول السُبكي: فانقطع عبد الجبار.

وروى السُبكي في ترجمة القاضي عبد الجبار المعتزلي (ج5، ص98) «من ظريف ما يُحكى أن الأستاذ أبا إسحاق نزل به –أي القاضي عبد الجبار- ضيفًا فقال القاضي: سبحان من لا يريد المكروه من الفجّار، فقال الأستاذ: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يختار».

ومن مناظرات الأشاعرة والمعتزلة أيضًا، يحكي السُبكي (ج3، ص356) «مناظرة بين الشيخ أبي الحسن الأشعري وأبي علي الجبائي المعتزلي، في الأصلح والتعليل.

سأل الشيخ الأشعري أبا علي الجبائي، فقال: أيها الشيخ ما قولك فى ثلاثة مؤمن وكافر وصبي؟

فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة.

فقال الشيخ: فإن أراد الصبى أن يرقى إلى أهل الدرجات، هل يمكن؟

قال الجبائي: لا، يُقال له: إن المؤمن إنمّا نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها.

قال الشيخ: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن.

قال الجبائي: يقول له الله: كنتُ أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيتُ مصلحتك، وأمتُك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف.

قال الشيخ: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلّا راعيت مصلحتي مثله؟

فانقطع الجبائي»أهـ.

3- المنزلة بين المنزلتين

وهي منزلة الفاسق في الدنيا عندهم، فهو لا يُسمى مؤمنًا ولا يُعد ‏كافرًا، وكان تعليل المعتزلة لتلك المنزلة الوسطى التي أنزلوها مرتكب الكبيرة أن الإيمان لو كان موجودًا لعصم صاحبه من الكبائر.

ورغم أن تعليلهم للأمر كان مصدره ما حكم به العقل من عدم فصل الإيمان عن العمل، فقد رأى المعتزلة في الآيات القرآنية التي حثت على العمل الصالح في القرآن وقرنته بالإيمان أنه دليل على ركنية العمل باعتباره جزءًا من الإيمان، وهناك نصوص دينية يتفق ظاهرها مع قولهم. يقول تعالى: ‏﴿‏إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ‏‏﴾ [العنكبوت:45]. وورد في صحيح البخاري (2475) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن». وعن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مثله، إلا النهبة. قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر: قال أبو عبد الله: تفسيره: أن يُنزع منه، يريد الإيمان. وللحديث أطراف بصحيح البخاري (5578- 6772- 6810).

فالمعتزلة يرون في النصوص التي قرنت الإيمان بالعمل الصالح، وتلك التي على العكس قرنت نفي الإيمان بالعمل الطالح، نصًا على عدم الفصل بين الإيمان والعمل، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأنه عمل بالجوارح واعتقاد بالقلب وقول باللسان.

بينما أهل السُنة من الأشاعرة والماتريدية ترى تمييز الآيات بين الإيمان والعمل دليلًا على انفصالهما، ذكر البيجوري في (حاشيته على جوهرة التوحيد) (ص94) في شأن اعتقاد الأشاعرة في العمل «العمل ‏شرط كمال –يعني للإيمان- على المختار عند أهل السُنة، فمن أتى بالعمل فقد حصّل ‏الكمال، ومن تركه فهو مؤمن، لكنه فوّت على نفسه الكمال، إذا لم يكن مع ذلك استحلال أو ‏عناد للشارع أو شك في مشروعيته، وإلا فهو كافر فيما علم من الدين بالضرورة»أهـ.

وأعتقد أن أفضل تشبيه ممكن للإيمان عند أهل السُنة الأشاعرة هو بالشجرة، فكما أن الشجرة جذع وأفرع، ‏فالإيمان إقرار وأعمال، فكأن الجذع هو الإقرار، وكأن كل فرع بمثابة عمل، وحتى لو قُطِعت ‏كل فروع الشجرة، فالشجرة لا تزول إلا بقطع جذعها، وكذا الإيمان لا يزول إلا بزوال أصله ‏وهو الإقرار بالشهادتين، حتى لو لم يعمل صاحبه أي عمل. كما قد تكون شجرة جذعها قوي ‏وأفرعها قليلة، وشجرة كثيرة الفروع وجذعها ضعيف، وهي شجرة المُرائي غير المخلص؛ لذا رُوي ‏عن ساداتنا العُرفاء بالله قول بعضهم: «إن الله يقبل قليل عمل مع الإخلاص، ولا يقبل كثير ‏عمل من غير إخلاص». ولعل تشبيهي هذا يُفسر أن يقع شخص كان كثير الصلاة والصوم ‏وقراءة القرآن فريسة الإلحاد، بينما لا يتطرق حتى الشك لنفس شخص تارك العمل، لأن جذع ‏إيمان هذا الثاني قوي حتى لو عدم الفروع.‏

وكان هذا الأصل من أصول عقيدة المعتزلة هو سبب انعزال واصل بن عطاء عن مجلس أستاذه الحسن البصري. وقد تفرّد المعتزلة به، فكان مخالفة من المعتزلة لاعتقاد الخوارج بأن الفاسق غير مؤمن، ومرتكب الكبيرة كافر، ‏والذي على أساسه كفّر الخوارج المسلمين وخاضوا في دمائهم، وكذا كان فيه مخالفة من المعتزلة لأهل السنة والجماعة من ‏الأشاعرة والماتريدية الذين لم يُكفّروا أصحاب ‏الكبائر، ولم يحكموا بتخليدهم في النار، بل اعتبروهم مؤمنين فاسقين، أمرهم إلى الله. كما خالفوا المرجئة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وحكموا بنجاة كل من نطق بالشهادتين، وهو قول يفتح الباب على مصراعيه أمام اقتراف المناكر، وما جاء الإسلام إلا لمحاربتها.

وكان واصل بن عطاء قد فسَّق أحد فريقيّ حرب الجمل، لا بعينه. وفيهم عليّ والحسن والحسين وابن عباس وعمّار بن ياسر من جهة، وعائشة وطلحة والزبير من جهة أخرى!، ووافقه عمرو بن عبيد، وردّا شهادة الفريقين!

4-الوعد والوعيد

ينقل النشار في «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» (ج1، ص436) عن القاضي عبد الجبار المعتزلي في «شرحه للأصول الخمسة»، أن «الوعد هو كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى غيره أو دفع ضرر عنه في المستقبل، وأما الوعيد فهو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير أو تفويت نفع عنه في المستقبل»أهـ. وهو تعريف لغوي، أما التعريف الاصطلاحي لهذا الأصل فيذكره القاضي عبد الجبار في «الأصول الخمسة» (ص70) فيقول: «هو العلم بأن كل ما وعد الله به من الثواب لمن أطاعه، وتوعّده من العقاب لمن عصاه، فسيفعله لا محالة لأنه لا يُبدَّل القول لديه، ولا يجوز عليه الخُلف في وعده ووعيده، ولا الكذب في الإخبار به، بخلاف ما ذهب إليه المرجئة»أهـ.

يقول الشهرستاني في «الملل والنِحل» (ج1، ص39) «اتفقت المعتزلة على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض والتفضيل، ومعنى آخر وراء الثواب، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها، استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف من عقاب الكفار»أهـ. ويعنون أن أصحاب الكبائر من المسلمين سيُخلدون في جهنم، ولن يقبل ‏الله تعالى فيهم شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم. ووفقًا لتعبير المسعودي في «مروج الذهب» «الله لا يغفر لمرتكبي الكبائر إلا بالتوبة، وأنه الصادق في وعده ووعيده، ولا مبدل لكلماته». ويؤكد القاضي عبد الجبار في «الأصول الخمسة» (ص90) على عقيدة المعتزلة بتوعد الله عز وجل للفسّاق بالنار، فيورد بعضًا من آيات الوعيد كآية أكل مال اليتامى وغيرها، ثم يقول: «فقد دلّ بهذه الآيات أن كل من ارتكب الكبائر فهو من أهل النار إلّا أن يتوب، وأنهم يُخلَّدون فيها على ما أخبر الله عز وجل في كتابه»أهـ. وهنا يقترب المعتزلة كثيرًا من فكر الخوارج، ولا يُخفِّف تقاربهم غير اشتراط التوبة، فإن تاب الفاسق رجع إلى إيمانه، وإن مات مُصرًّا على فسقه صار من الكافرين، واستحق ما توعده به الحق سبحانه من العذاب.

بينما أئمة المسلمين على أن آيات الوعيد لا يجوز حملها على ظاهرها، وقد فسّرها الخوارج من قبل على أنها تثبت كفر من كانت حاله حال المتوعّدين، فأفسدت عليهم دينهم، فخرجوا عن جموع المسلمين. يقول الشريف العوني –وهو سلفي- في «تكفير أهل الشهادتين» (ص118-119): «وأما التمسك بالظواهر: فقد بيّنا أنه ليس هو المنهج السديد الذي كان عليه السلف، وإن خالف فيه من خالف؛ لأن هذا التمسك مع خطأ منهجه التفقهي، فهو يُصحح مذهب الخوارج في التمسك بظواهر نصوص الوعيد، والتي أطلقت وصف الكفر على ما لا يُكفَّر به. ومن هذه الظواهر (ضعيفة الظهور) الظاهر المستنبط من قوله تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29]، والذي حُكي عن الإمام مالك أنه استدل به على كفر من اغتاظ من الصحابة رضي الله عنهم، وهي جملة في كتاب الله تعالى لا يمكن أن تكون على ظاهر إطلاقها، فقد تغيّظ بعض الصحابة رضي الله عنهم على بعض، حتى تجالدوا بالسيوف، فلو كان هذا الإطلاق صحيحًا ومرادًا للزم من ذلك تكفير عامة الصحابة رضوان الله عليهم ممن وقع بينهم نزاع واختلاف، وصل حد القتال بينهم»أهـ، ثم مضى العوني إلى شرح أقوال العلماء في الآية.

والإمام الذهبي رغم كونه حنبلي العقيدة –والحنابلة أشد الناس على المعتزلة- لم يرتض تكفير بشر المريسي المعتزلي التكفير المُخرِج من الملة. يقول في ترجمته، في «السير» (ج10، ص202): «ومن كُفِّر ببدعة وإن جلَّت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي. أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلّى وحجّ وزكّى، وإن ارتكب العظائم وضلّ وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها»أهـ.

كما ينفي المعتزلة شفاعة النبي يوم القيامة لأصحاب الكبائر. يقول القاضي عبد الجبار في «الأصول الخمسة» (ص92-93): «نقول بالشفاعة ونؤمن بها، ولكنها للمؤمنين دون الفاسقين، لأن الله عزّ وجلّ قد أخبر أنه يُخلد الفاسقين في النار. وقال عزّ وجلّ: ‏‏‏﴿‏‏مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ‏﴾‏‏‏‏‏ [غافر:18]. وقال: ‏‏‏﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾‏‏‏‏ [آل عمران: 192]. وقال: ‏‏‏﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾‏‏‏‏ [الأنبياء:28]. وكل ذلك يدل على أن الفاسق لا شفاعة له، وأنه صلى الله عليه وسلم يشفع للمؤمنين والتائبين، ليزيدهم الله بشفاعته رفعة ومنزلة في الجنة، ويكون ذلك كرامة لرسول الله صلى الله عليه وآله…»أهـ.

وكما نرى فقولهم في هذه المسألة هو تنطع زائد في تفسير الآيات وإخراجها عن معانيها المرادة بها، وتحكم على الله عز وجل، وتحديد لمن يرتضي الله تعالى الشفاعة فيهم وفقًا لما اقتضته عقولهم، وتنطعهم هذا لا يقل عن تنطع الخوارج عندما فسروا آية ‏‏‏﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾‏‏‏‏ [يوسف: 40]‏‏‏‏، ولا يقل عن تنطع السلفية عندما أثبتوا الجوارح، واعتبروا أن آية مثل ‏‏‏﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ‏‏‏‏﴾‏‏‏‏ [القصص: 88]، دليل على إثبات وجه لله، مع معرفتهم أن المقصود ذاته تعالى!

وأقول: العجيب ليس موقف الخوارج، بل ولا حتى السلفية إن كانوا حروفيين متمسكين بالظواهر، رافضين لفهم ما يرمي إليه الشارع الحكيم من الآيات، فهم متسقون مع منهجهم، بل العجيب هو موقف فلاسفة المعتزلة، المطالبين دومًا بإعمال العقل، والمؤولين الآيات التي ظاهرها الجوارح والجهة والانتقال ونحوه بما لا يليق بذات الله تعالى، عندما يرفضون التأويل في حق آيات الوعيد، وأرى منشأ هذا من روح خارجية كانت لدى المعتزلة، جعلتهم –ولا زالت تجعل كثيرًا ممن بقي منهم- لا يرون مسلمًا عداهم، فدفعتهم إلى تصديق آيات الوعيد وحملها على ظاهرها. ويحكي لنا التاريخ ما قاله القاضي عبد الجبار المعتزلي عن الوزير الصاحب بن عباد بعد موته، والصاحب هو الذي قرَّبه وولاَّه قضاء الريّ؛ إذ قال عبد الجبار أن الصاحب مات ولم يتب فهو لذلك لا يرى الترحم عليه. ذكرها ياقوت في معجم الأدباء (ج1، ص179)، قال: «وكان القاضي أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد قد قال: لا أرى الرحمة عليه لأنه مات من غير توبة ظهرت منه، فطُعِن عليه بذلك، ونُسِب إلى قلة الرعاية فيه»أهـ. وحُكي أنه تساءل، كيف يصلي عليه؟؛ لأنه شيعي!، علمًا بأن الصاحب بن عباد جمع بين الاعتزال والتشيع، كونه وزيرًا لبني بويه، والذين اكتسب الشيعة كثيرًا من أصول المعتزلة وضموها لعقيدتهم في عهدهم، وله بيتان من الشعر يُنسبان إليه يقول فيهما:

لو شُق عن قلبي يُرى وسطه **** سطران قد خُطا بلا كاتبِ

العدل والتوحيد في جانب**** وحب أهل البيت في جانب

فالحقيقة التي تختفي وراء عباءة الفلسفة أنه مثلما يراك السلفي كافرًا لأنك لا تُجسِّم الله مثله، فالمعتزلي يراك في منزلة بين المنزلتين لا تستحق وصف الإيمان، فإن اعتقدت اعتقاده بتمامه قبل موتك ومتَّ عليه وإلا فأنت كافر، فالمعتزلة لديهم نظرة استعلائية وتفاخر بمعتقدهم الذي أقاموه بالعقل يجعلهم لا يرون مؤمنًا غيرهم.

يُتبع

*************

ملحوظة: قائمة المراجع ستُضمَّن في الجزء الأخير من هذه السلسلة.‏

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد