نظرة متأملة لشعبية الدعوة السلفية وذراعها السياسي حزب النور السلفي، مواقفَ وآراءً وشعبية منذ الدعوة لثورة يناير، تجلعنا نفهم سبب هذه المفاجأة الانتخابية.

فالدعوة السلفية كانت من أوائل من رفض الثورة على نظام مبارك، وأفتوا بحرمة الخروج على الحاكم وساقوا الأدلة الشرعية على ذلك، هذا بخلاف كم الأحكام الشرعية والفتاوى التي أطلقتها الدعوة في حكم المشاركة السياسية سواء أكانت تظاهرًا أو تكوين أحزاب أو المشاركة في الانتخابات النيابية أو حتى النقابية، ولك أن تستغرب كيف تم محو كل هذه الفتاوى من الذاكرة في أربعة أشهر فقط هي الفارق الزمني بين إعلان تنحي مبارك وبين إنشاء حزب النور.

سؤال يطرح نفسه دائمًا في الأوساط السياسية المصرية، كيف استطاع حزب النور أن يكون أكبر حزب من حيث عدد الأعضاء في مصر؟ وصاحب المركز الثاني في أغلب الاستحقاقات الانتخابية متفوقا على أحزاب عريقة كالوفد والناصري والتجمع وغيرهم؟

 

 

 

وللإجابة على هذا السؤال يجب استحضار أجواء تكوين حزب النور، حيث أن الثورة في أوجها والزخم الثوري طاغٍ على كل جوانب الحياة؛ فهنا مجموعة من الشباب تنظف الشارع – ملمحة لإزالة فساد النظام السابق -، وهنا ملصق على الحائط يحض الشباب على التعامل اللائق مع النساء في الشارع والوقوف ضد ظاهرة التحرش، وهذا طفل يحمل علم مصر سعيدًا، وتلك قهوة تطرب الناس بأغاني ميدان التحرير، وحالة من الرومانسية السياسية والأمل الجارف والتطلع إلى الوصول إلى المثالية تتملك كثيرًا من أبناء الشعب المصري، ومن بين هذه المكونات المثالية هو الدين.

فالإحساس بنعمة الحرية وإطلاق أيدي رجال الدين بدون خوف، وانتشار كل الخطب الممنوعة جعل كثيرًا من المصريين يتجهون إلى الحزب الديني الأكثر التزامًا بالمظهر الديني شكلا وخطابًا، ظنًّا منهم أن انضمامهم لهذا الحزب تقربٌ لله وإكمالٌ للمثالية التي يسعون إليها، ويسعى إليها المجتمع وأفراده كلٌ حسب فهمه لها. وهذا بالإضافة لدعم باقي أغلب التيارات السلفية – وهم كثر بالمناسبة – لرؤيتهم أنه الأقرب لفكرهم والأقرب للمنافسة.

بدأ حزب النور يضع أقدامه في الشارع المصري، وبدأت معه مواقفه المثيرة للجدل ما بين مدافع عنه وما بين متهم إياه بالنكوص على فتاويه وآرائه ومواقفه السابقة، وأكمل حزب النور مسيرته معتمدًا على أن المتابعين للشأن المصري قبل الثورة من أبنائه هم قلة قليلة، وأن عدم علمهم بالفتاوى السابقة للحزب هي عنصر قوة لصالح تقدم الحزب في خطواته.

فها هو الحزب يؤيد د/ عبد المنعم أبو الفتوح في السباق الرئاسي رغم أن قسطًا كبيرًا من الهجوم على جماعة الإخوان المسلمين قبل الثورة كان نابعًا من آراء د/ عبد المنعم الانفتاحية حول المرأة والأقباط والموسيقى حين كان عضوًا في مكتب الإرشاد في الإخوان، وبعد أن استقال أو أقيل من جماعة الإخوان – أي الروايتين أصدق – قرر حزب النور أن يدعم صاحب الرأي المعيب من وجهة نظرهم ويستمر في مجابهة جماعة الإخوان!

و كان السبب المعلن من حزب النور لانسحابه من التحالف الديمقراطي الذي كان يضم الإخوان وأحزابًا أخرى في انتخابات مجلس الشعب 2012 هو أن هذا التحالف يضم أحزابًا علمانية، وأن أي علماني يتحمل إثم دخوله البرلمان كل من أيدوا القائمة وانضموا إليها، ولكن تم وأد هذه الفتوى أيضًا قبل أن تتم عامها الثاني على إثر تحالف حزب النور مع جبهة الإنقاذ وتبنّيها موقفها المضاد لسياسات الدكتور مرسي الذي أجازوا الخروج عليه باستحياء، برواية المنتقبة التي رفض سائقو التاكسي أن يقفوا لها، رغم أنهم حرموا الخروج على مبارك قبلها بعامين، ومن المفارقات الغريبة أنهم أجازوا على لسان أحد أكبر قيادتهم د/ عبد المنعم الشحات أن يتم منع المنتقبة من التدريس بدعوة حاجة الطالب أن يرى شفتي مدرسته.

وبعد أن هاجموا الدكتور مرسي لعدم مساندته لقضية الضباط الملتحين، لم يمنعهم ذلك من التصريح بأن طاعة الأوامر أوجب من اللحية بعد الانقلاب العسكري.  وأيضًا ما أسموه التقارب المصري الشيعي، والخوف من تشيع مصر رغم أن كل ما تم بين مصر وإيران هي بعض الاتفاقيات الاقتصادية، ورغم موقف الدكتور مرسي الواضح من إيران ومن حزب الله في سوريا. لكنهم لم يتخذوا موقفًا مشابهًا عندما قام السيسي بمساندة الحوثيين في اليمن وبشار في سوريا علنًا.

والمادة 219 أو مسمار جحا والغنيمة الكبرى لحزب النور من دستور 2012 كما روجوا لذلك وقتها، وهي المادة التي كادت أن تتسبب في انسحاب حزب النور من لجنة إعداد الدستور، وكيف أنهم روجوا بأن أكبر مكاسب الإسلام في مصر قد أتت من هذه المادة التي كانوا هم أبطالها بحق؛ لم يتحمسوا كثيرًا للدفاع عنها في دستور 2014 وقالوا ببساطة إنها ليست قرآنًا لكي نهدم مصر من أجلها.

كل هذه المفارقات والتباين في المواقف والفتاوى على مدى زمني قصير جدًا كان كفيلًا بأن ينبه حشود المؤيدين والأعضاء غير المؤدلجين في حزب النور والمنجذبين للسمت والخطاب الرنان أن اختيارهم كان خاطئًا، فعادوا قانعين وراضين إلى مواقعهم السابقة في الشأن العام إلى اللامبالاة وعدم الاهتمام، وهو بالمناسبة المصير المتوقع لما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام أو داعش كما يحلو للبعض أن يطلق عليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد