دعوني في هذا المقال أفسر الدين بالسياسة لا العكس،  ليرتفع الحرج عمن تصيبهم الحساسية من الدين عندما نتكلم في السياسة!

في محاضرة Political Decay and Political Order نص «فرانسيس فوكوياما» على أن (ظهور القانون مرتبط بظهور الدين،  لأن فكرة سيادة القانون ضد فكرة حكم الفرد،  وكان الدين هو منبع القانون الذي يقيد سلطة الحاكم الفرد ويحدها، وكان القانون الإسلامي هو الأضبط والأبرع في ذلك).

لكن دعني بعد عرض ما قاله فوكوياما أنقش نقطتنا هنا: هل سيادة القانون تعني أن يحكم الدولة رجال القانون؟ أي رجال الدين؟ لو نظرنا إلى هذه الفكرة لوجدناها ليست إسلامية ولا حتى مسيحية أو يهودية بل مرجعها إلى «أفلاطون»: الذي تصور أن «الفضيلة» أو القيمة الأعلى هي قيمة «المعرفة» وبالتالي تصور أن رجال المعرفة «الفلاسفة/العلماء» هم أفضل الناس فنص على أن (أفضل الحكومات هي حكومات الفلاسفة)، لكن مثلا في الإسلام كان «معاذ بن جبل» و«زيد بن ثابت» و«عبد الله بن عمرو» أكثر علما من «عمر بن الخطاب» لكن «أبا بكر» عهد بالخلافة إلى عمر بن الخطاب وليس إلى أحد منهم ومن قبله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضله عليهم رضي الله عنهم أجمعين! فأين حكم رجال الدين في ديننا؟! أو لنقل بمفهوم آخر: لو كان رجال الدين هم من يحكمون في شريعتنا فتعريف رجال الدين مختلف كل الاختلاف عن التعريف الأفلاطوني بأنهم أصحاب المعرفة بل هم في الإسلام بالتأكيد من يجيدون تطبيق  المعرفة على الواقع ويسيِّرون الواقع وفق هذه المعرفة. لذلك اختار الله الأنبياء أهل علم وعمل لا مجرد مبلغين لكلام بلا تطبيق! (كان خُلقُه القرآن). وعندما أمر الله رسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم باتباع الأنبياء من قبله لم يقل له أن يبحث عن كلامهم وينفذه بل قال له بعد أن قص عليه قصصهم (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) أي اتبع أفعالهم التي حكيتها لك في القرآن، وهنا يؤسس القرآن قاعدة أن إصلاح الحُكم وأن تعديل السلوك لا ينبنيان على كلمات أكاديمية فارغة بل ينبنيان على محاكاة السلوك الأمثل الذي وقع يومًا ما من الدهر. وإذا كان الإنسان يميل إلى واقعية الحلول بطبعة فعليه إذا أراد صلاح حاله أن يحاكي الواقع الأمثل لا الواقع الناقص أو المريض الذي يعيشه.

أسوق هذه المقدمة للتعليق على وفاة الشيخ الجليل «شعيب الأرناؤوط». لماذا لم تبك عليه البواكي كثيرًا؟ لماذا لم يشتهر خبر وفاته؟! هل لصغر قدره لا سمح الله؟ أم لأنه مجرد رجل دين؟! أعنى بالمعنى الأكاديمي: رجل تجد عنده العلم البحت غير العملي ولا التطبيقي! ذلك العلم الذي لا يرى الناس أنهم في حاجة إليه فضلا عن أنهم لا يفهمونه! لأن البشر يحتاجون أن يروا المعلومة في سياقها وموضعها من الواقع ليسهل فهمها بينما طالما بقيت معلقة في الفضاء بلا تطبيق ولا تنزيل على الواقع فلن يفهموها وإن فهموها سيراها كل منهم بصورة مغايرة عن الآخر وربما تكون كل الصور مختلفة عن حقيقتها التي أرادها الله أن تنتشر بين الناس ليعملوا بها.

يوم القيامة سيسأل الله كل واحد فينا ناهيك عن العلماء (ماذا عملت فيما علمت؟)، إذن فمربط الفرس ومحل الفضيلة والأفضلية ليس مجرد المعرفة كما نص أفلاطون وكما يتصور مريدو العلماء والشيوخ في عصرنا بل  محل الفضيلة والأفضلية وعقد الرايات هو العمل والإجراء والمثابرة!

الناس عندما يقعون في مشكلة أو تحل عليهم كارثة ويحتاجون لحلها فإنهم لا يرغبون فيمن يتوقف في دراسته للمشكلة عند الدراسة الوصفية description بناء على الاستقراء induction لكنهم يحتاجون لمن يجيد الوصف ثم يتجاوزه إلى وضع الحلول والوصفات العلاجية prescription بناء على الاستنباط deduction، نعم يحتاجون لمن يحلل المشكلة ويفهم أسبابها! لكن ما حاجتهم لمن يقف عند الوصف ولا يقدم الحلول؟!

وعلى هذا نجد الناس متعلقين أكثر بالشخصيات الفاعلة التي تحقق الخير العام وتعمل بأيديولوجيتها لتحقيق التوازن بين مصلحتها ومصلحة فئتها وبين مصلحة الناس لتخرج للناس أفضل الحلول لما يحيط بهم من مشكلات هذا وإن كانت هذه الشخصيات أقل علما من أصحاب العلم الصامتين الذين يقدمون المعرفة أفلاطونية مجردة ولا يقدمون للناس ما ينفعهم، مابالك بمن يقدمون للناس السم في العسل ويعرِّفون الناس على مفاهيم مغلوطة أو فاسدة تخدم عدوهم مثل «حكم المتغلِّب» و«مهادنة الجور» و«مصالحة الطغاة».

ولذلك يعرف الناس «ابن تيمية» أكثر مما يعرفون «السبكي» لو عرفوه – طبعا يعرفون السبكي الذي هو منتج الأفلام الساقطة وليس هذا الإمام! – ويعرفون «حسن البنا» أكثر مما يعرفون «أنور الجندي» لو عرفوه! صحيح أن هناك كثيرون أيضا يفزعون لخبر إصابة القرني أو العودة إصابة طفيفة ولا يتحركون لخبر اغتيال قائد في «جبهة فتح الشام» أو «حماس» مثلا، لكن دعني أضيف حقيقة واقعة أن القائد الفاعل يجتمع حوله الأتباع الفاعلون والقائد الأفلاطوني يجتمع حوله الأفلاطونيون فدعنا نخرج الأفلاطونيين من حسابات التغيير في مستقبل الإسلام والمسلمين بل من مستقبل البشر عموما لأن الأفلاطوني وظيفته أن يجمع الناس حوله لينقرضوا معا في أُنسٍ وسرور بدلا من أن ينقرض وحده في وحشةٍ وكآبة! لا تنفر من كلماتي فضلا،  (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا  لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) خذ مقياسي هنا وطبقه على نفسك: مع نفسك أو مع صديق مقرب لتعرف هل ستستمر وتحصل على التمكين الذي وعد الله به هذه الأمة أم سنتقرض!

إن الأفلاطونيين تجدهم بين من يسمون أنفسهم بالاعتدال أو من ينعتون أنفسهم بالأصولية وبين درجات تلك الأوصاف على سواء! الأفلاطوني هو من توقف جُهده عند المعرفة ولم يعمل ولم يتحرك أيا ما كان مكانه من مقياس حداثة أو أصولية الأفكار! ومصير هؤلاء جميعا معروف بينما مصير العاملين من كافة الأطياف معروف، الإنسان لا يبقى إلا بالعمل، بينما الأفلاطوني الذي يتمنى على الله الأماني مصيره الانقراض! الأفلاطونيون هم ديناصورات الشعوب! تتغير الظروف من حولهم وتجاهد الكائنات من أجل البقاء بينما هم يذهبون في صمت أو تحل عليهم عقوبة خارقة لأنهم لا يستحقون الحياة!

الواجب على أصحاب المعرفة أن يعرِّفوا الناس بـ«ما ينبغي أن يكون» بالمفهوم العملي الإجرائي وليس القِيَمِي الأيديولوجي وحده، بمعنى أن يخبروا الناس بأكثر الأدوات فاعلية لتحقيق الغايات التي يدعونهم إليها ولا يتوقفون عند إخبارهم بمثالية الغايات التي يدعونهم إليها دون إخبارهم بكيفية تحقيق هذه الغايات.

قد تبدو مقارنتي لبعض الأسماء ببعضها صادمة لك، وقد يبدو حديثي عن بعض الأسماء مسيئًا من وجهة نظرك، لكن دعني أقرر حقيقة في واقعنا: أننا نتكلم وحسب! وحتى كلامنا ليس فيما يفيد، نحن في جمهرتنا لسنا إلا صورًا فارغة كما وصفتُ واقترحت العلاج في كتابي «السولوفانية».

كتبتُ وكتب غيري كثيرًا في وصف الحال وتحليل المجريات، لكن أقل الناس يكتب فيما ينبغي علينا فعله، وأندر الناس يكتب في كيفية تطبيق ما ينبغي علينا فعله، وآثارٌ من الناس هم من يعملون بالفعل بما ينبغي علينا فعله! فحتى تكون جمهرة الأمة فاعلة ذات عزيمة دعونا معشر القراء والكتاب منذ الآن نتجاذب أطراف الحديث في كيف نكون أصحاب العزيمة على الرشد بدلا من وصفنا لهذا الرشد وصفا فوق وصفٍ لا يسمن ولا يغني من جوع.

اعتراف: هذه المقالة أيضا من باب «الوصف»! لكنني أرجو أن تكون مرتكزا لـ«العلاج»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد