تقع أحداث رواية «وحدها شجرة الرمان» لسنان أنطون في العراق. تحديدًا تحكي الفترة إبان حكم صدام وما تلاه من دخول الأمريكان وحوادث الفتنة الطائفية والحرب الأهلية، فضلًا عن الاحتلال الذي أتى مقنعًا بقناع الحرية، ليكتشف الشعب العراقي ونكتشف معه نحن الشعوب العربية أن التاريخ يعيد نفسه، وما تحسبه خلاصًا من حكم فردي ديكتاتوري قد يكون بداية لعهد جديد مستبد.

في البداية يسوق لنا الكاتب آية كريمة من سورة الرحمن وحديث شريف عن الرمان، فاكهة أهل الجنة!

﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ سورة الرحمن.

«ما من رمانة إلا وفيها حبة من رمان الجنة» حديث.

أما عن البطل فهو (جودي) ابن لأب يقوم بتغسيل وتكفين الموتى، مهنة طالما انقبض صدر البطل منها ونفر من العمل بها، ولم يستمر كثيرًا، عكس أخيه الذي ظل يعمل بها حتى استشهاده!

أعتقد أن جزءًا من رفض البطل لهذه المهنة كان رفضًا للموت، وما يدور حوله من غموض وصمت ومجانية القتل!

الرواية تُروى على لسان بطلها، يحكي بلغة فصحى وأحيانًا اللهجة العراقية التي لن تجد صعوبة في فهم معانيها، أو قد يكون الجرح والهم الشاغل للشعوب العربية دومًا ما يجمعهم ويفهمهم ما استعصى عليهم!

بغداد مدينة الفن والشعر والرسم والمنحوتات الجميلة، وما حدث لها من تشويه، تمثل نفسية البطل الحائر الذي لم يعرف يومًا، فيما يُقتل الناس وما هي النهاية والخاتمة التي تنتظر كلا منهم!

بيت البطل والمغيسل الذي يقوم فيه أبيه بتحضير الموتى لمثواهم الأخير هما مسرح أحداث الرواية، وفيما بينهما نتنقل في بغداد، وبعض المحافظات في العراق!

أحيانًا يسافر بنا البطل ليحكي لنا عن بيت أخته الذي اشتراه له زوجها في منطقة تتمتع بالهدوء بعيدًا عن الانفجارات والتقلبات السياسية، ويعرض لنا كيف يوائم زوج أخته ويستطيع أن يفيد من كل نظام حتى لو كان يناقض نفسه! وهذه الشريحة توجد في كل مكان! كما نسميهم «أغنياء حرب».

أغرب ما في الحكاية أن الموت قد يهدي الحياة للبعض الآخر، أو كما يقول المثل «مصائب قوم عند قوم فوائد» فالبطل وأسرته يقتاتون من مهنة الأب التى ورثها عن أجداده، والتي رغم رفض البطل لها إلا أنه لم يجد غيرها موردًا لرزقه، حتى بعدما درس الفن، ونحت ورسم وكانت له أحلام وأدتها الحرب كما وأدت الناس!

قصص حب البطل لم تكتمل، مثلها مثل أحلامه بترها الزمن والظروف ودمرتها القنابل مجهولة المصدر والانفجارات التي استهدفت حياة العراقيين!

عنوان الرواية مأخوذ كم تأثر البطل بوجود شجرة الرمان في ساحة المغيسل، وكيف كان يرويها الأب بمياه الغسل، فتطرح الحياة من بذور رحم الموت!

يروي البطل تفاصيل عملية الغُسل والتي يعرفها أغلبنا، لكن هذه المرة يأخذك في رحلة وتجربة لمعايشة آخر لحظات الميت، وما يشعر به رفاقه وأهله!

بعض الجثث كان يأتي مشوهًا، أما أكثر المشاهد التي أسهب البطل في وصفها وأثرت فيّ كقارئة وتخيلت المشهد كاملًا، كان رأسًا بلا جسد، أتى به ذووه ليغسلوه، وكيف قرأ البطل علامات وحاول أن يخمن طريقة قتله بهذه الوحشية!

شجون الشعب العراقي كثيرة، والكاتب عبر عنها بعذوبة رغم ألم الكلمات ووجع المشاهد ومحاولة الفرار من الجحيم كانت تعود به كل مرة لجذوره في رمزية لمدى التصاقنا بأوطاننا رغم ما نعانيه فيها من أوجاع!

أما عن الكاتب فهو من مواليد 1967 درس الأدب وعمل به بعدما هاجر بعد حرب الخليج إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

له أربع روايات «إعجام» و«وحدها شجرة الرمان» و«يا مريم» و«فهرس» كما ترجم «في حضرة الغياب» لـ محمود درويش إلى الإنجليزية. وله عدد من الدراسات الأكاديمية عن الشعر العربي الحديث وعن التاريخ والسياسة في العراق.

رواية تستحق القراءة عن المأساة العراقية، تحكي ثنائية الحياة والموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد