“والأمّة _ أيُّ أمّة كانت _ ليس لها مَن يَــحكّ جِلدَها غيرُ ظفرها، ولا يَقُودُهَا إلاَّ العُقلاء بالتّــنوير والإهداء…” /ع.الرحمن الكواكبي

رحلة بحثٍ حقيقية يجب أن نُبادِر بها جميعًا؛ لتسليط الضوء على أدوار المُثقّفين والفلاسفة ورجالات التاريخ والفكر في تفكيك بنى التسلّط والقهر، والظلم والفقر، ولمعرفة مدى إسهاماتهم الفِعلية والتنظيرية المُواكِبة للّحظة، والسّاعية في تثوير وتنوير الرأي العام الشعبي والرّسمي، وبِناء الذات الثورية الناهضة بالإنسان والرافضة لسطوة السلطان والمُنهِية لمسار الطغيان في البلدان.

نعم؛ في الحاجة إلى رؤية موقعهم الصّحيح في عملية التخطيط والتنفيذ لإستراتيجيات الانتقال العسيرة التي تمرّ بها المِنطقة العربية وأهلُها.

 

تأتي الرغبة في هذا التّقصِّي لا بحُسبانِه حاجة في ذاته، بل في كونه كشفًا وتعرِيةً لحقيقة أولئك الذين لطالَما دوّخوا الدنيا وأصاختْ لهم جدران الكليات والمدرّجات سَمْعًا واصّدّعَت منهم الرؤوس من كَثْرةَ ما تَلَـواْ من السّردِيات والمَحكِيات التاريخية التي رَوَوْهَا لنا وبــثّـوهَا بين الكتب والمقالات واللقاءات التّلفزية؛ تُـزكِّي وتفتخر بالأدوار الطلائعية التي أدّاها بجدارة واستِحقاق رجالات الأنوار ونساؤها في مختلف المجالات، وقادّة التثوير السياسي، والكتلة المُثقّفة التي رفَضت زَمــنـَـئذٍ الإقطاع والاتّباع والانصياع للاستبداد السياسي والإرهاب الديني وتزييف الوعي، ولأحلام البنية الميتافيزيقية التي سادت أوروبا زمنا غير يسير.

لطالَما تدارسنا جميعا المواقِف والمواقِع المُشرِّفة – في سياقها وظروف تحفُّزها وأدائها – لقادَة الفِكر والمعرفة ودهاقِنة الفكر السياسي في إحداث النُّقلة النوعية في أوروبّا (المُظلِمة) وإخراج صوت الجماهير من ردَهات البيوتات إلى ساحات التفاكُر الجماعي في الحلّ الأنسب لمعضِلة بلاد الشُّــقْرِ.

نخبة المثقّفين تلك التي آثرت السّاحات على المكاتب والمكتبات، وانساحت في أرجاء أوروباّ تأطيرًا وتأليفًا وتأثيرًا، وانخرطت بوعيٍ مسؤول في إنقاذ المُضطَهدين في الأرض مِن جبروت السّلطة والثروة والدين المُحَرَّف والمُبَدّل، والواقع السياسي المُزَوّر، والإبعاد العَــمْد للشعب من المجال العام والخاص الذي عانى منه ما يناهز سبعة قرون. لقد سَعَتْ الأنوارية الأوروبية – فِعلا – إلى إدخال الجماهير عصرَ الأنوار في فترة قِياسية كانت لها انعكاساتُها الظاهرة في شتّى الميادين.

فحينما حَـــرَّرَتِ الشعوبَ من عُقدة الخوف، وراهنت على النزعة الإنسانية المتفائلة المؤمنة بقدرة الإنسان على صناعة مصيره والتحكّم في سكّة الذهاب إلى المستقبل، وأبانت للشعب أحقِّيته في نَزعِ من يُريد مِن الحُكام والإبقاء على من شاء منهم، وبَنَت طرائق فِكر سياسي ناقم على الدكتاتورية وداعٍ إلى الديمقراطية، فكرٍ رافِض لكلّ المقولات ما عدا مقولات (الزمن الجماهيري) “الحرية، تمجيد العقل، تعزيز الفُضول العلمي، التقدّم، الفضيلة، حقوق الشعب، السعادة، نزع القداسة عن السياسة” الذي هيـــأ القدَرُ وقتَه لإعادة المياه إلى مجاريها، ولِـــفَكِّ الارتهان مع “الزمن الإكليروسي والفيودالي”؛ حينها دشّنت أوروبا مرحلة الدخول إلى عالمٍ جديد، حيث سيكون لحركية التنوير التحررية التي انطلقت في قلب أوروبا أبْــعَـدُ الأثَـرِ في إحداث تغييرات جذرية ستُترجمها الأحداث التي سيعرفها العالم في أمريكا الشمالية وأوروبا الشرقية وإنجلترا منذ سبعينات القرن الثامن عشر.

ليس المهم أن نتذكّر الكَــمَّ الهائل من المَرويات التاريخية لجيل الأنوارية الأوروبية وامتداداته التأطيرية والتعبوية التي أبدعت في إنتاج “المثقفين”، أي رجال الفكر الذين سَخَّـرُوا معارفهم ومشاغلهم النظرية لقضايا المجتمع، والذين دافعوا عن حقوق الإنسان ونهضوا بها وجعلوا مصلحة الصالح العام فوق كل اعتبار، والذين ورّطوا أنفسهم في قضايا الجماهير بتعبير بورديو، حتّى أضحى لهذا النموذج من “المثقف” أدوار محورية في الثورات السياسية والدستورية الكبرى، التي غيّرت جذريا أوضاع السلطة والدولة والمجتمع في أوروبا، وأهّلتها لواقع آخر، وأسهمت في تعجيل بزوغ “فجرٍ جديد” للبلاد الشائخة!

ليس المهمّ هذا الشقّ من المسألة؛ بل الأهمّ هو أن نرى في لحظتنا هاته، في مكاننا هذا، في مرحلتنا التي نُساهم جميعا في تشكيلها وتأثيثها وإنقاذِها ممّا قد يعصف بها، في داخل تجربتنا العربية الخالِصة، في كيانِنا العربي الشامِل (أن نرى) رؤوسًا أنوارية عربية مُثقَّفَة قد أينَعت وحان وقت قطْفِ ثمار تنظيراتها وجَنْيِ مقولاتها عن “الاستبداد، والفساد، والحريات، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، والمجتمع المدني المعاصر…”.

أن نراها تدلفُ رأسًا إلى الميادين، وتقود مجالِس الثورة، وتُشخِّص اللحظة، وتستحوِذ على حِصص البثّ الإعلامي، وتؤطّر الأمّة، وتتصالَح مع الجسد العربي، والعقل العربي، وتُسجّل المواقِف المُشرِّفة والمطلوبة، وتُعيد التوازن والتناغم بين بِنيَتَي المُجتمع (الفوقية والتحتية)، وتُبسِّط الثقافة العالِمة، وتُيسِّر للجموع المنذهِلة من هوْلِ اللحظة الفارقة أمرَ الولوج إلى الذاكرة الجماعية للأمّة، لفهم خِبرتها في التحولات الكُبرى التي حدثت طيلة مسار غير قصير.

حتّى ما إذا تيسّر على الناس أمر الاستِئناس بنُخَبِهم المُلتَحِمة بقضاياهم، بادَروا إلى الإقبال على مَقولاتِهم الواقعية والعقلانية والصوابية، وتلمّسوا لأنفسِهم المسار الصحيح في مُعادلة التغيير، والإصلاح والنهضة
!
والسؤال الآن؛ هل شاهدنا ذلك حقّا؟

إننا لا نُعدَمُ نماذِج من مثيل النّخب التي ذكرنا أعلاه، ولكن لا نخشى – كذلك – من الاعتراف أنّ زمرة كبيرة ممّن حسبناهم ورَثة الأنوراية الأوروبية، قد انسلخوا من الأدوار المنوطة بهم، وهجروا مقولاتهم التي تبنّوها وتغنّوا بها ردْحًا من الدهر، وأحدَثوا ثُــلمةً بين المبادئ والتطبيق، وخانوا أحلام جيلٍ عريض ممن شَـابَ مِن أجل اللحظة التاريخية!

فمِن تونس ومصر واليمن وسوريا؛ طالعَـتْـنَا رؤوسٌ تحمل عمائمَ لا تُغطِّي علِما، قادت حملة مُضادّة للشّارع ومطالبه في التغيير، وانحازت لقطّاع طريق الربيع العربي، وَمَدَّت حبْل الودّ لمؤسساتٍ ومراكز وقنواتٍ منفصِلة عن نبض المجتمع وكارِهة لأملِ ولوج هذا الأخير عصر الأنوار العربي.

فكم مِن برامج تلفزية أعِدّت، ومقالات كُتِبت، ومحاضرات نُظِّمت، وحوارات أجْــرِيت، ذكّرتنا بالحملات المجنونة التي قامت بها “الجماعات الوظيفية الارتدادية” في أوروبا ضدّا على الجماهير التي تاقت إلى الحرية والانعتاق من رِبقة الكَنيسة والإقطاعية المقيتة والديكتاتورية المَعيبة، وضدّا على حركية التحرر الفكري والسياسي والثقافي الدينامية التي أطلقها وقادها رجال عصر الأنوار.

إنّ إقدام نفرٍ من المفكّرين والكَتَبَة والمثقّفين والإعلاميين وبعض المراكز البحثية العربية على تقديم نُسخة عربية من محاكم التّفتيش ولجان الإقطاعية وجماعات التّصفية في حقّ خيارات الشعوب، ومقولاتها التي عَلَتْ بها حناجرها في ساحات الغضب العربي؛ واهتبالِهم فُرصة الرَّتْــع من موائد الاستبداد العائد والتمجُّد لدى الأسياد الآمرين من الداخل والخارج، والرضاعة من ثقافة الانقلاب، سعيًا لنسفِ وشلّ حركية التنوير الصَّمِيمة في الأوطان المنتفِضة بكلّ اعتسافٍ ومُجُـون وبكل الطرق المباشرة وغير المباشرة. إنه لأمرٌ يدعو إلى الاستغراب والامتعاض والحَسْرَة.

فأمّا زاوية الاستغراب فيه فذلك الاتحاد غير المقبول الذي جمع بعض العلماء ورجال الدين والعارفين بالله مع أشباه المُثقّفين المتملِّقين والسدّنة الإعلاميين والمُتَمَجِّدِينَ المَالِـيّين، من أجل الانحراف بمسار العملية الديمقراطية في الوطن العربي والعودة به لنقطة الصِّفر، خِدْمَةً لأقطاب أكابر رجال عهد الاستبداد.

أما وجه الامتعاض فهو المُفكَّر فيه من طرف العوامّ على ذلِكُمُ الاستغفال الذي تعرّضوا له والشماتة التي لحقت بآمالهم التي عقدوها طيلة سنين على أولئك الشيوخ الذين حدّثوهم في المنابر وعبر القنوات عن معاني بذل الغالي والنفيس في سبيل الله والوطن، وعن نزاهة الصحابة وعدالتهم، وجراءة التابعين وبطولاتهم، ومواقف العلماء السلفِ ضدّ المؤسسات الاستبدادية الغابرة.

والإحساس بالندم على الأوقات التي قضتها شبيبتهم المُستنيرة وطلّاب الجامعات والطبقات القارئة مع المقالات والجرائد والكُتب والمُحاضرات المُسَجّلَة ليل نهار، فعاشت على أنغام مقولات تُمجّد البطولة، وتفخر بالشرف، وتنادي بكرامة الإنسان وتحرير الأوطان وتجريد الطّغيان، وتفكّك نظريات الآدمي المقهور والبشري المهدور، وتتلو مُقتطفاتٍ من العقد الاجتماعي الروسُوي، والحكومة المدنية اللّوكية (جون لوك)، والمجتمع المدني الغرامشي، حتّى عَـزَمَـتِ الجُمُوعُ عقْدَ الثقة في نُخبِها المُثقّفَة ورسَمت خطّ اللاعودة على مستوى الميدان، بعدما أتخِمت على المستوى النظري، وأيقنت صِدقية عزم النّخب على المُضْيِّ قدُما صوب أنوارية عربية لا تُبقي ولا تذر!

ولكن انقلب على الشعوب ظَهرُ المِجنّ، وخانت كُتلة من الأنوارية العربية الأمانة والعهود والوعود (وحملها الإنسان؛ إنه كان ظَلومًا جهولًا) وانطلقت الأعْـيِرَةُ النارية تستهدف صدْر الأمّة مِن الأقربين والأبْـعَدِينَ، في جولة من جولات المُروق والشُّرودِ عن الاتجاه والخطّ والرّسالة، فأضحت المبادئ والعقائد والقناعات والكتابات في وادٍ؛ والأداء والسُّلوك والواقع في وادٍ آخر، والأمّة في جانبٍ والنُّخب الأنوارية المنهزِمة في الجانب الآخر؛ إنّه مشهد دراماتيكي تناقضيٌّ حافلٌ بالمُضحكات التي لا تُضحِك أحدًا!

 

إن كل مَشَاهِدِ التراجع والتعرية والتحلّل والانتكاس التي انصبَغت بها مسلكيات ومواقف زمرة النّهابين الغَاشِّينَ للأمّة، ممن سُمُّوا – زورًا – مُثقّفين وورثة الأنبياء، والتي يراها رأي العين عوام الناس وخواصّهم في الوطن العربي، لَهيَ مِن مصارع الاستعباد وطبائع المتمجّدين أعداء العدل وأنصار الجور، مَن لا دين لهم ولا خلُق ولا وجدان، المتزلِّفين على أعتاب الاستبداد، ومما يُقلِق كل ذي ضمير حيّ.

 

ولكن كل ذلك؛ لا ولن يُوهِن عزائم الأحرار، المُستبسلين في الميادين بعظيم الهِمَّة والإقدام وقوّة الرؤية ونفاذِ الاستبصار، الذين يتلمّسون طُرُقا لبناء أنوارية تستمدّ قوّتها مِن رسالة الأمّة وخبرتها التاريخية، وتنهل شرعيتها من الميادين والساحات ومِن مواقف وعقول البقية المُصلِحة الصادقة من عُقلاء الأمّة وعُلماء القرآن والأوطان.

إنّ المُثقّفين المتورِّطين – بإرادة – في قضايا الجماهير موجودون، والنّخب المهمومة بمصير الأمّة لا زالت لها بقيّة؛ المُشارِكون منهم بوفــــاءٍ والْــــــتِـزامٍ؛ قِلـّة، والمُتَــكَـسِّـبُون – كتابةً وخطابةً ونشرًا وشعرًا – مِن وراء انتفاضة الأمّة؛كُـــــثــــر!

ولكن يبقى السؤال: أين هي الرؤوس التي لا تُــــــعــــدُّ عــدًا من مُثقّفينا، وعلمائنا، وأنواريينا؟!

حقّا؛ فرحلة البحث جارية، مُتفائلة، مُستَبْــشرة؛ ومُحْـــرِجة، وما يعلم جنود ربّك إلا هو!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد