تحدثنا في المقال السابق عن تولية ألب أرسلان مقاليد الحكم بعد وفاة عمة طغرل بك، وكيف استطاع تثبت أركان حكمه في البلاد والترتيب للغزوات والجهاد لمعركة «ملاذكر» الفاصلة في التاريخ الإسلامي، واليوم نكمل الحديث بالتفصيل عن المعركة  حيث وقعت في آخر ذي القعدة سنة 463 هجريًا / 26 أغسطس سنة 1071 ميلاديًا، فقد جهز رومانوس جيشًا ضخمًا قوامه 200 ألف مقاتل من جنسيات مختلفة: الروم والروس والكرج والأرمن والخزر والفرنجة والبلغاريين وتحرك من القسطنطينية عاصمة دولته واتجه إلى ملاذكرد حيث يعسكر الجيش السلجوقي.

 

كان البيزنطيون يفوقون السلاجقة في العدد والعدة، ولذا أدرك ألب أرسلان أنه في موقف خرج حيث لم تتجاوز قواته 20 ألفا، حاول أن يحقق نصرًا خاطفًا من خلال الهجوم على مقدمة جيش الروم، فأرسل إلى رومانوس مبعوثًا ليعرض عليه الصلح والهدنة؛ إلا أن الأخير رفض العرض وأبلغ المبعوث أن يبلغ سلطانه بأن الصلح لن يتم إلا في عاصمة السلاجقة – الري، إشارة إلى أنه سيهزم السلاجقة حتى حدود عاصمتهم.

 

لا مفر من الحرب والقتال، هكذا أدرك ألب أرسلان بعد فشل الصلح والمهادنة في دفع شبح الحرب، ولذا قام في جنوده خطيبًا يشعل في نفوسهم روح الجهاد وحب الاستشهاد والحماس والصبر والثبات، وهناك قام فقية السلطان وإمامه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري خطيبًا يشد من عزم السلطان ويقول: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال، في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة».

 

يقول ابن كثير في «البداية والنهاية» أنه عندما تواجه الجيشان في ملاذكرد نزل ألب أرسلان عن فرسه وسجد لله عز وجل، ومرغ وجهه في التراب ودعا الله واستنصره، وجمع فرسانه وخطبهم خطبة قال فيها «من أراد الانصراف فلينصرف، فما ها هُنا سلطان يأمر وينهى»، وألقى القوس والنشاب، وأخذ السيف، وعقد ذنب فرسه بيده، وقال: «إما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيدًا إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، فما أنا اليوم إلا واحد منكم وغازٍ معكم فمن تبعني ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة»، فقالوا «مهما فعلت تبعناك فيه وأعناك عليه، فبادر ولبس البياض وتحنط استعدادًا للموت»، وقال «إن قتلت فهذا كفن، فإن انتصرنا فتلك نعمة من الله، وإن كتبت لي الشهادة فهذا كفني وحنوطي جاهزيْن، وأكملوا معركتكم تحت قيادة ابني ملكشاه».

 

أبلى المسلمون بلاءً حسنًا في تلك المعركة وقتلوا جموعًا كثيرة وأُسر رومانوس فلما كان بين يدي ألب أرسلان ضربه بيده ثلاثة مقارع وقال: لو كُنت أنا الأسير بين يديك ما كنت تفعل؟ قال: كل قبيح، قال: فما ظنك بي؟ فقال: إما أن تقتل وتشهرني في بلادك، وإما أن تعفو وتأخذ الفداء وتعيدني، قال: «ما عزمت على غير العفو والفداء، فافتدى منه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، وأن يطلق أسرى المسلمين، فقام بين يدي الملك وسقاه شربة من ماء وقبَّل الأرض بين يديه، وقبل الأرض إلى جهة الخليفة إجلالًا وإكرامًا، وأعطى له ألب أرسلان بعض النقود يتجهز بها، وأطلق معه جماعة من البطارقة وشيَّعه فرسخًا، وأرسل معه جيشًا يحفظونه إلى بلاده، ومعهم راية مكتوب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله».

 

وكما استولى المسلمون بعد انتصارهم في معركة اليرموك على كامل بلاد الشام، وانتزاعها من يد الرومان البيزنطيين في عصر الخلافة الراشدة على يد الصحابي الجليل والقائد العسكري الفذ خالد بن الوليد؛ فقد مهدت أيضًا ملاذكرد الطريق أمام جيوش السلاجقة للتوغل في بلاد آسيا الصغرى، واقتطاع هذه الأقاليم الأناضولية المهمة من ممتلكات الإمبراطورية البيزنطية لأول مرة منذ قيامها.

 

من بين نتائج الانتصار في معركة نلاذكرد أن زادت هجرة التركمان إلى عمق الأناضول واستقرارهم هناك مستغلين الانشقاق الذي حدث في صفوف البيزنطيين في أعقاب المعركة، بعدما بدأ الرومان «اليونانيون» بترك أراضيهم، والتوجه نحو الغرب.

 

في عام 470 هجريًا 1077 ميلاديًا وبتفويض من ألب أرسلان، اتجه سليمان قتلمش السلجوقي، ابن عمه، إلى بلاد الأناضول تاركًا حلب لينشئ دولة جديدة باسم سلاجقة الروم والتي فيها وحد جهود التركمان وإماراتهم تحت راية واحدة.

 

ثم بدأ الأتراك يتجهون إلى بلاد الأناضول وزادت أعدادهم وبدأوا في شن الغارات على المناطق البيزنطية ونشر الإسلام فيها، ووصلوا إلى جزر بحر إيجه وسواحل البحر الأسود، وأرسوا قواعد دولة دام حكمها أكثر من قرنين (470-708هجريًا /1077-1308 ميلاديًا).

 

تقول المصادر إن نجاح سليمان السلجوقي في تحقيق المهام السياسية والعسكرية التي أسست قواعد دولة إسلامية في تلك المنطقة أدت إلى ظهور الدولة العثمانية فيما بعد.

 

لا يمكن إغفال أن معركة ملاذكرد ترتب عليها قيام الحروب الصليبية حيث أثارت هزيمة الروم مخاوف الدول الأوروبية.

 

ورغم العداء بين روما والقسطنطينية بسبب الخلاف المذهبي الذي انتهى بانفصال الكنيسة الشرقية في القسطنطينية عن الكنيسة الغربية في روما سنة 1054م، إلا أنه – طبقًا للمثل الشعبي الذي يقول «أنا وأخويا على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب»، كانت الدولة البيزنطية تشكل حصن أمان وحائط سد للغرب.

 

ولذا بدأ الغرب المسيحي بمساعدة الدولة البيزنطية و تحريض ملوك أوروبا على مساعدة بيزنطة في شن هجوم وحملات صليبية على المسلمين في الشرق وكانوا لا بد من مواجهة السلاجقة أولا فهم الأقرب لهم.

 

قامت الحملات الصليبية بعد هزيمة البيزنطيين في المعركة واستمرت الحملات لمدة قرنين على العالم الإسلامي شرقًا في الشام وغربًا في الأندلس. وعلى أنقاض سلاجقة الروم قامت الدولة العثمانية وزادت مملكتهم ونفوذهم في أوروبا والشام وشمال أفريقيا واستمرت ما يقرب من 600 سنة تخللت هذه القرون فترات قوة وفترات ضعف وخلفت حضارة وتاريخ لا يمكن طمسه مهما حاول البعض.

 

لم يعش ألب أرسلان حتى يجني ثمار انتصاراته ويواصل فتوحاته، حيث نشب خلاف بينه وبين أصهاره الخانيين فتوجه إلى الشرق وعبر نهر جيحون شنة 1072 وهاجم القلاع الثائرة وقبض على قائدها – يوسف الخوارزمي- وأراد ألب أرسلان أن يقتله بنفسه فوجه إليه سهمًا لكنه أخطأ الرمي وكان الخوارزمي يخبأ سكينًا في ساقه فطعن بها ألب أرسلان عدة طعنات نافذة توفي بعدها بأربعة أيام.

 

والواقع يعد عصر ألب أرسلان من أهم عصور السلاطين السلاجقة حيث ظهرت قوة العالم الإسلامي الأمر الذي خاف منه العالم المسيحي – وهذا لا يمكننا أيضًا أن نغفل الحملات الصليبية التي انتصرت في بعض الأحيان، لكنها باءت بالفشل في النهاية على يد صلاح الدين الأيوبي. خلف ألب أرسلان ابنه ملكشاه فيما بعد واتسعت دولته وأصبحت مترامية الأطراف ثم نشأت دولة سلاجقة الروم بقيادة قتلمش بن أرسلان، أحد أقرباء طغرل بك مؤسس الدولة السلجوقية الأم كما ذكرنا من قبل.

 

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية

 

المصادر

دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي – على الصلابي

 

دولة السلاجقة– عبد النعيم محمد حسنين

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد