ذكرنا في المقال السابق، تحت عنوان السلاجقة ودورهم في إنقاذ الخلافة العباسية، كيف قامت الدولة السلجوقية بقيادة طغرل بك وكيف قضى على الدولة البويهية الشيعية والبساسيري.

وتكملة لما بدأناه عن دولة السلاجقة نتحدث في هذا المقال إن شاء الله عن خليفة طغرل بك، بن أخيه ألب أرسلان الذي يعني الأسد الشجاع، كان من عظماء ملوك الإسلام وقادتهم، له كثير من المناقب منها الكرم والعدل والرحمة والشفقة على الرعية والبر بأهله وكثير الصدقات خصوصا في شهر رمضان، كما جاء في كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير.

توفي طغرل، الذي لم يكن له ولد، وتوفي قبله أخوه الأكبر جفري في ولاية خراسان، وخلف الأخير ابنه ألب أرسلان في زعامة تلك المنطقة، وتطلع ألب أرسلان إلى الاستيلاء على العرش بعد وفاة عمه طغرل بك وكان يعاونه على ذلك وزيره أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي الوزير الشهير المعروف بنظام الملك.

دخل ألب أرسلان في نزاع مع وزير عمه أبي نصر الكندري الذي أراد الأخ الأصغر غير الشقيق لألب أرسلان واسمه سليمان سلطانا ليتحكّم من خلاله في الدولة، ولذا أسرع ألب أرسلان من خراسان إلى الري للسيطرة عليها، ليجبر الوزير الكندري وسليمان، أخيه الطفل، على مبايعته سلطانا للسلاجقة، لكن عمه قتلمش بن إسرائيل خرج على طاعته، وأعلن نفسه سلطانًا، واقتتل الطرفان في معركة قُرب الري لكن انتصر ألب أرسلان وقتل قتلمش 456 هجريًا، 1063 ميلاديًا وتولى الحكم.

عندما استتب الأمر لألب أرسلان أمر بقتل عميد الملك الكندري في السجن بإيعاز من نظام الملك حسن ابن إسحاق الطوسي، لكن قبل قتله التمس من قاتله رسالتين شفهيتين واحدة للملك والأخرى للوزير، أما الرسالة للملك تقول: «إن هذه أجل خدمتي أديتها لي، فقد منحني عمك الدنيا لأحكمها ومنحتني أنت الآخرة، لأن أمرك بقتلي جعلني أحظى بالشهادة، وأظفر بأجر الشهداء، فظفرت بفضل خدمتك هذه بالدنيا والآخرة معًا».

وأما الرسالة الموجهة للوزير تقول: «إنك قد سننت سنة سيئة بقتل الوزراء وإني لأرجو أن تنفذ هذه السنة فيك وفي أعقابك».

تولى ألب أرسلان السلطنة واتخذ سياسة خاصة تعتمد على تثبيت أركان حكمه في البلاد الخاضعة لنفوذ السلاجقة، بعدما لقب بالسلطان الكبير أو الملك العادل، حيث بلغت حدود دولته من أقاصي بلاد ما وراء النهر إلى أقاصي بلاد الشام، ورغم اتساع مملكته، إلا أنه كان يتبع الخلافة العباسية في بغداد، لأن السلاجقة كانوا يقدرون ويجلون الخلفاء العباسيين.

كان ألب أرسلان يحب الجهاد في سبيل الله، ونشر الإسلام داخل الدولة البيزنطية المجاورة لمملكته مثل بلاد الأرمن والروم، وكانت رُوح الجهاد الإسلامي هي المحرِّك لحركات الفتوحات التي قام بها ألب أرسلان وأكسبتها صبغة دينية، وأصبح زعيماً للجهاد، وحريصًا على نصرة الإسلام ونشره في تلك الديار.

ولذلك الهدف المنشود، ظل سبع سنوات يتفقد دولته المترامية الأطراف والتي كانت تمتد من سهول تركستان إلى ضفاف دجلة، والتي حكمها بمساعدة وزيره نظام الملك الذي اشتهر بعلمه وحنكته السياسية، قبل أن يقوم بأي توسُّع خارجي.

أراد ألب أرسلان أن يوطد علاقته بالغزنويين والخانيين، كأكبر قوتين بعد السلاجقة، كي يتفرغ لفتوحات في الغرب والدولة المسحية، فتزوج ابنه ملك شاة ابنة ملك الخانيين وتزوج ابنه الآخر ابنة ملك الغزنويين.

بعد توليه الحكم نشبت خلافات داخل البيت السلجوقي، عندما ثار عليه بعض أقربائه منهم أخوه سليمان وعمه «قتلمش» لكنه انتصر عليهم، ثم بعد ذلك قضى على الفتن الداخلية التي أثارها بعض حكام الأقاليم وجميع حركات التمرد، فوطد حكمه، وذُكر اسمه في الخطبة في جميع البلاد التي كانت تحت إمرته.

عندما استتب الأمن في جميع الأقاليم والبلدان الخاضعة له، أخذ في تنفيذ خططه التي تتمثل في فتح البلاد المسيحية المجاورة له، وتوحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة العباسية والنفوذ السلجوقي، وإسقاط الخلافة الفاطمية الشيعية في مصر، فأعد جيشًا كبيرًا وقصد بلاد الأرمن وجورجيا، فافتتحها وانضمت إلى مملكته، وشن غارات على شمال الشام وحاصر الدولة المرداسية في حلب، والتي أسسها صالح بن مرداس على المذهب الشيعي وأجبر أميرها محمود بن صالح بن مرداس على إقامة الدعوة للخليفة العباسي بدلًا من الخليفة الفاطمي.

يقول ابن الأثير: «في هذه السنة (463 هجريًا) خطب محمود بن صالح بن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي والسلطان ألب أرسلان؛ وسبب ذلك أنه رأى إقبال دولة السلطان وقوتها وانتشار دعوتها، فجمع أهل حلب وقال: هذه دولة جديدة ومملكة شديدة، ونحن تحت الخوف منهم، وهم يستحلّون دماءكم لأجل مذاهبكم، وأرى أن نقيم الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل، فأجاب المشايخ ذلك».

ثم أرسل ألب أرسلان قائده أتسز بن أوق الخوارزمي في حملة إلى جنوب الشام فاستولى على الرملة وبيت المقدس، اللتين كانتا تحت قبضة الفاطميين.

نتيجة لتلك التطورات، أمر الخليفة العباسي بمبايعة ألب أرسلان وقبوله سلطانًا جديدًا للسلاجقة، بعدما عبر ألب أرسلان عن احترامه وولائه للسلطان، يقول ابن الجوزي «وتقدّم (الخليفة) إلى الخطباء بإقامة الدعوة، فقيل في الدعاء: اللَّهمّ أصلح السلطان المعظّم عضد الدولة وتاج الملة أبا شجاع ألب أرسلان محمد بن داود».

يعتبر المؤرخون معركة ملاذكرد التي وقعت بين السلاجقة تحت قيادة ألب أرسلان والبيزنطيين تحت قيادة رومانوس ديوجينس (اليرموك) الثانية؛ فإذا كانت اليرموك التي وقعت في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في نظر بعض المؤرخين من أهم المعارك في تاريخ العالم لأنها كانت بداية أول موجة انتصارات للمسلمين خارج جزيرة العرب وأذنت لتقدم الإسلام السريع في بلاد الشام، فإن ملاذكرد حظيت أيضًا بأهمية كبيرة لأنها كانت بداية فتح الأناضول وخضوعها تحت الحكم الإسلامي وانتشار الإسلام في أوروبا.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

المصادر

دولة السلاجقة – علي الصلابي

دولة السلاجقة – عبد النعيم حسين

الكامل في التاريخ – ابن الأثير

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد