…. لتفاجئه رسالة على هاتفه من شخص يرفض ذكر اسمه قائلًا: شكرًا آل باتشينو على كل ما قدمته للسينما ولمحبيك، شكرًا لكونك آل باتشينو .. عيد ميلاد سعيد لأعظم من ظهر على الشاشة.

– في ذكري ميلاد آل باتشينو الـ 77 …

رائحة أفخم أنواع الخمور مازالت تلاحق أنفاسه، ربما يجد ضالته في الجاك دانيلز المحببة لقلبه والتي وقع عليها الاختيار قبل إعداده للحظة الإظلام الأخير التي كان يعد لها على طريقة معشوقة شكسبير، ولكنها لم تحدث حتى وإن وصل للذروة في عطر امرأة، عينه المرهقة تنظر من خلف الزجاج لشوارع نيويوورك التي تضج بالحركة والحياة، يعرفها جيدًا فقد نشأ فيها وجاب شوارعها منذ الطفولة، وكاد أن يضيع وسط غياهب مقاطعة ساوث برونكس، لولا والدته التي منعته من حياة الشوارع، والتي يدين لها بالفضل لذلك، أصوات صرير احتكاك إطارات السيارات يتسلل بنعومة إلى أذنيه فيمنعه الزجاج الذي يجلس أمامه، ولكنه لا يستطيع أن يمنع ذاكرته على تخيل ذلك لطالما عرف ذلك الصرير، هو يحب السيارات للغاية، يعشق السرعات العالية وتخنقه الحواجز، يريد الانطلاق بسيارته كفيلم heat، لا يعنيه أي شيء سوى تنفيذ هدفه ويتفق معه الكولونيل فرانك سلاد حتى لو كان غير مبصر.

يمسك بريموت التلفاز ويضغط على الزر لتظهر أمامه قناة رياضية عالمية تدعى sky sports، فيقف للحظة ليلاحظ أنها تعرض أهداف مباراة فريقين، أحدهما اليوفي، والآخر برشلونة، ثم يظهر مذيع رياضي في منتصف العمر؛ ليعلن عن مجد إيطالي جديد، وصعود للسيدة العجوز، لتطيح بالأسبان من بطولة دوري الأبطال الأوروبية.

يبتسم ابتسامه خفيفة فهو يعرف جيدًا إصرار الطليان حتى لو بأقل الإمكانات، جذوره ما زالت هناك، ابن صقلية التي تنشئ الرجال، بل المحاربين – تمامًا مثله – حارب منذ الصغر على فرصته وتمسك بها، حارب الحياة نفسها، أن تنشأ بدون والدك لا تعرف عنه أي شيء، لا يتذكر شكله إلا عندما ينظر صدفة في وجه أحد الباعة المتجولين، فقد كانت وظيفة والده السابقة تركه في سن الثانية فقط، نشأ فقيرًا، وأمه كذلك رحلت مبكرًا، وربته جدته؛ مما سبب له جرح كبير لم يندمل حتى عند سن السبعين، عندما كان يحكي مع الصحفي لورانس والذي جاء في كتابه، ولكن هيهات؛ إنه ال باتشينو.

الجرح سيترك أثرًا، ولكنه سيتخطى ذلك تمامًا، كما تخطى عقبات فقره في سكارفيس و فقدان والده في جادفازر، يقوم بتغيير القناة فيشاهد فتاة شابة جميلة بشعر كستنائي، يكاد يشتم رائحة عطرها من خلف الشاشة، نعم هي كتلك الفتاة التي رقص معها علي أنغام التانجو، يقوم بغلق التلفاز بعد حفيف الذكريات الذي تسلل إلى قلبه وعقله ويقوم بتشغيل موسيقي لموتسارت التي يعتبرها موسيقاه المفضلة، يرتشف بضع من الكأس الموجود أمامه، ولكن لا يكثر، فالسن لم يعد يسمع بالكثير من ذلك، ينظر للحائط المقابل ليجد صورة للعظيم مارلون براندو مثله الأعلى، وأباه الروحي تلفت نظره، ويتذكر معها ميلاد مايكل، وما قبله يرى فيها حلم حياته وانطلاقته التمثيلية عندها لم يكن يمتلك ثمن حذاء جديد، حيث إنه منذ صغره كان شغوفًا بالتمثيل، بداية من المسرح إلى أن شق طريقه السينما عن طريق فيلمي The Panic in Needle Park وMe, Natalie، إلى أن استطاع أخيرًا تحقيق حلمه، بل مشاركة مثله الأعلي في فيلم جادفازر، حيث وقع اختيار كوبولا عليه ليقوم بدور مايكل، حيث يقول كوبولا أنه كان يري وجه الباتشينو في كل جملة لمايكل عند قراءة نص الفيلم، مازال يتذكر صوت طلقات الرصاص في أفلامه وعشقه للسلاح، والذي كاد أن يتسبب له في مشكلة كبيرة.

ولكن الأمر انتهي لسجنه لثلاث أيام فقط لحيازته سلاحًا بدون ترخيص، ينظر للمرآة المقابلة ليلاحظ الخطوط البيضاء التي تجد طريقها بسهولة في شعر رأسه ولحيته وتجاعيد حول عينيه ، ولكنه يدرك حقيقة الأمر أنه في السابعة والسبعين من عمره الآن، تجاعيد وجهه تذكره بمشوار لبطل أسطوري يظهر علي الشاشة فيخطف أنظار الجميع ، لم يبحث عن الجوائز يومًا ما، ولكنه أجبر الجميع علي الوقوف والتصفيق لإحدى أطول الفترات في أوسكار 93 عندما نالها باستحقاق عن عطر امرأة، بعد أن تجاهلته الاكاديمية في عدة أدوار عظيمة، ولكن صرخة الأعمي في الخطاب الأخير كانت كافية لتفيق أعضاؤها، الأصابع تضغط علي هاتفه الذكي ليرى عنوانًا عريض بالإنجليزية، ثم يلاحظ صورته وقائمة بأهم أفلامه، ليعيد النظر لأعلى ليجد تذكير بمسيرته، وبجوائزه احتفالًا بعيد ميلاده الذي يوافق اليوم : 44 فوزًا و77 ترشيحًا وقائمة تطول من الأفلام والانتصارات السينمائية، أهمها 8 ترشيحات للأوسكار فاز بواحد منها عن عطر امرأة، و5 جوائز جولدن جلوب إلى غير ذلك من جوائزه وأفلامه بداية من Me, Natalie مرورًا بـ The Godfather إلى باقي المسيرة ( Serpico، Dog Day Afternoon ، Scarface ، The Devil’s Advocate ، The Merchant of Venic ، Heat ، Carlito’s Way ، Donnie Brasco ، Any Given Sunday ) .. إلى آخره من قائمة أعمال مهيبة تليق بممثل عظيم.
كل هذه الذكريات تجوب عقله ، ولكنه لا يعرف هل اختار الطريق الصحيح في حياته هل وصل للجنة الموعودة التي حلم بها في Carlito’s Way، لتفاجئه رسالة علي هاتفه من شخص يرفض ذكر اسمه قائلًا: شكرًا آل باتشينو على كل ما قدمته للسينما، ولمحبيك، شكرًا لكونك آل باتشينو عيد ميلاد سعيد لأعظم من ظهر على الشاشة.
يشعر بالسعادة لهذه الرسالة وتريح نفسه قليلًا، حتى مع عدم علمه باسم المرسل، ولكنه بالتأكيد شعور الكثيرين حول العالم ممن عشقوه وعشقوا فنه وما قدمه، حتى لو أصبح غير قادر على تقديم المزيد، فما قدمه يكفي وسيكفي ليصبح أحد أساطير السينما، بل أفضل ممثل في التاريخ حتى، وإن كان في وجهة نظري فقط.

يسألونني لماذا لم أعد كسابق عهدي في السينما، في الحقيقة حينما تصلون لمثل سني ستعملون قليلًا، وتنامون كثيرًا، وتذهبون للطبيب كثيرًا جدًا؛ لأنني ببساطة كنت إنسان في مقتبل حياتي، واستهلكتني الحياه بكل طاقتي وشبابي وموهبتي، حتي انتهي تاريخ صلاحيتي وحتى يأتي ميعاد الرحيل، أنا آل باتشينو.

وستظل دائمًا آل باتشينو حتى إنك لن تحتاج لقبًا لمدحك غير ذكر اسمك … Al Pacino

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد