«ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة».. لم يبالغ داهية العرب في وصف مصر بعد الفتح الإسلامي؛ فهي التي قال عنها الجاحظ: «إن أهلها يستغنون عن كل بلد حتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا سورًا؛ لغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا». وهي التي قال عنها فرعون مفاخرًا: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}، وهي التي كان بها خزائن الأرض، في الأرض وقت الجفاف، في عصر نبي الله يوسف -عليه السلام-، وهي التي أنقذت الجزيرة العربية من الجوع في عام الرمادة.

فقد رزقها الله بموقع جغرافي متميز في قلب الأمة، وهي أكبر البلاد العربية في عدد السكان، وهي التي شرفها رسولنا الكريم -صلي الله عليه وسلم- في الحديث الشريف «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ»، وغيرها من الأحاديث؛ كل هذه الأمور جعلت مصر في موقع القيادة للأمة، فبقوتها تقوى الأمة، وبضعفها تضعف الأمة، فهي مقياس جيد لحال الأمة.

تاريخيًّا

دائمًا ما كانت مصر حائط الصد في الدفاع عن الأمة، فضعف مصر كان يؤدي دائمًا إلى كوارث عظيمة، فلم تسقط القدس، والعديد من الإمارات الإسلامية في بلاد الشام تحت أيدي الصليبيين، إلا عندما كانت في حالة ضعف تحت حكم الفاطميين، الذين تحالفوا مع الصليبين في أكثر من مرة ضد المسلمين؛ لصالح أهدافهم السياسية والعقائدية، ولم تتحرر القدس إلا عندما تخلصت مصر من الحكم الفاطمي، على يد «صلاح الدين الأيوبي» الذي أدرك جيدًا أن تحرير القاهرة هو بداية تحرير القدس، واتّخذ من مصر مركزًا للحكم، ووحد مصر والشام تحت حكمه؛ ليستطيع تحرير القدس، وقد حدث بعد معركة «حطين»، ولم يدرك هذه الحقيقة إلا الملك الفرنسي «لويس التاسع» الذي كان يعلم أنه إذا نجح في حكم مصر؛ فيستطيع بسهولة أخذ القدس، وقام بحملة صليبية على مصر، والتي انتهت بهزيمته في معركة المنصورة، وأسره وسجنه في دار «ابن لقمان»، وأكمل الكثير من السلاطين من الأيوبيين، والمماليك محاربة الصليبيين، واستمروا في تحرير المدن الإسلامية في الشام واحدة تلو الأخرى؛ حتى تم تحرير آخر معاقل الصليبيين، الشام على يد السلطان المملوكي «خليل بن قلاوون»، ودخل عكا عام 1291.

وهي التي وقفت حائط صد أمام الخطر المغولي، بعدما سقطت عاصمة الخلافة العباسية في بغداد، وقتلوا الخليفة العباسي، واستمروا في تدمير البلاد الإسلامية، وارتكاب المجاز، حتى اصطدموا بالجيش المصري تحت قيادة «قطز» في معركة «عين جالوت»، وانهزموا فيها شر هزيمة، وتبع «قطز» سلاطين المماليك في محاربة المغول، وحماية ديار المسلمين من شرورهم، واستضافت الخليفة العباسي في القاهرة؛ لتكون مقرًا للخلافة العباسية لقرون، وفي العصر الحديث يعد المصريون أكثر من خاضوا الحروب ضد الصهاينة، وأكثر من دافعوا عن فلسطين وأهلها، وهي أيضًا أكثر من خذلهم.

لذلك ليس كما يقول المصريون في سخريتهم «بسم الله الرحمن الرحيم الإجابة تونس» ولكن الإجابة الصحيحة هي القاهرة؛ فطريق القدس يبدأ بتحرير القاهرة، وصلاح الأمة يكون بصلاح مصر.

اليوم يحكم مصر نظام انقلابيّ عسكريّ مدعوم بشكل لا يخفى على أحد من إسرائيل والغرب، وعملائهم في المنطقة، مصر الآن هي أكبر متآمر على فلسطين، وأكبر متحالف مع الصهاينة، وأكبر داعم للطواغيت من الحكام العرب على شعوبهم، وصدق «هرتزل» مؤسس الحركة الصهيونية العالمية: «سنولي عليهم سفلة قومهم؛ حتى يأتي اليوم الذي تستقبل فيه الشعوب العربية جيش الدفاع الإسرائيلي بالورود والرياحين»، وهو ما يحدث اليوم في بلادنا العربية، وعلى رأسهم مصر.

يغفل كثير من الإسلاميين في مصر عن هذا الأمر، ويسندون ظهورهم لمشاريع إسلامية أخرى، نجحت في دول أخرى، والحقيقة أن هذه المشاريع رغم إنجازاتها، لن تحدث تغييرًا حقيقيًّا وقويًّا في المنطقة، بل يمكنها أن تكون فقط عوامل مساعدة، فهل هؤلاء لم يعلموا أن تصريحًا واحدًا من الرئيس «محمد مرسي» المنقلب عليه كان يقلق إسرائيل أكثر من أي حاكم إسلامي؟ وهو الذي لم يكن له حول ولا قوة، ولم يمتلك الحكم أو مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش.

لذلك أولى بقيادات العمل الإسلامي أن تصنعوا رؤية، يكون في مقدمتها تحرير القاهرة، وأن تقدموا لها كل سبل النجاح، وأن يشارك في النماذج الناجحة في الأقطار الإسلامية، فالأمر صعب، والكثيرون ينتظر نجاحكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد