في ظل الصمت العربي والدولي على جرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين, واعتداءاتهم وجرائمهم المتكررة في حق الشعب الفلسطيني، والاستمرار في إنشاء المستوطنات, واستمرار الاعتداء على المقدسات الإسلامية في فلسطين، وبخاصة الحفر تحت المسجد الأقصى بهدف ايجاد معبد سليمان المزعوم.

 

 
كان أبناء الشعب الفلسطيني يحملون راية الدفاع عن أنفسهم وعن مقدساتهم, فمنذ شهور كان المرابطون والمرابطات يحاولون بكل ما استطاعوا من قوة أن يصدوا هجمات الصهاينة واقتحامهم للمسجد الأقصى, ووقفوا في وجه الصهاينة محتجين ومصرين على عدم ترك الأقصى في يد قوات الاحتلال والمستوطنين.

 

 
ولم يدعم هؤلاء المرابطون أحد، ولم يشيد بجهودهم أحد إلا القليل, ولم تنتشر أخبارهم على مواقع التواصل الاجتماعي حجم الانتشار الذي يليق بقضيتهم، وبصمودهم ضد الكيان الصهيوني.

 

 
في الشهر الأخير تطورت المواجهات في القدس الشريف والضفة الغربية المحتلة, وصارت الاحتجاجات أكثر شعبية وازداد عدد المنضمين إليها، رغم القبضة الأمنية الشديدة، سواء من الشاباك الصهيوني أو من سلطة الفلسطينية الأوسلوية المفرطة في حقوق الشعب الفلسطيني المتقاعسة عن حمايته, وازداد العنف الصهيوني ضراوة، وازداد استهدافهم للفلسطينيين بالشبهة وقتلهم على المعابر وعلى نقاط التفتيش.

 

 
وتطورت المواجهات بشكل أكبر عندما بدأ الشباب الفلسطيني في تنفيذ عمليات طعن ضد جيش الاحتلال الصهيوني، وضد قطعان المستوطنين, ضاق الشباب ذرعا بالذل والخنوع فتحركوا بأبسط سلاح عندهم, سكين المطبخ وهجموا به على الصهاينة: جنود ومستوطنين, ليسقط البعض قتيلا أو جريحا، وينجو البعض وتفشل العمليات أحيانا.

 

 
و لكن حتى لو فشلت العملية, فإن الرسالة التي أوصلها أكبر, وهي أن فلسطين لن تخضع لليهود، ولن تكون أمانا لهم, وأن الشعب الفلسطيني لم ولن يرفع الراية البيضاء للعدو الصهيوني, مهما تخاذلت قياداته, ومهما خانته السلطة ومنظمة التحرير, ومهما قال (عواجيز) المنظمة ومافيا السلطة عن السلام الكاذب, استطاع الشباب الفلسطيني أن يحرك الركود الذي سببه (العواجيز).

 

 
وتطورت العمليات مرة أخرى بعد أن بدأ الشباب بالهجوم باستخدام الأسلحة النارية من مسدسات وبنادق آلية، وسقوط قتلى وجرحى أكثر من الجانب الصهيوني.

 

 
و استمر العرب في التجاهل, واستكثروا على الفلسطينيين حتى حملات الدعم الإعلامية, بل إن بعض العرب صمت دهرا ونطق كفرا, وبدأ البعض يهاجم المرابطين لأسباب شتى, ويمطرهم بتنظيرات سخيفة وهو يجلس مرتاحا في بيته, ورغم أنه من المعتاد أن يأتي الهجوم من النظام العربي الرسمي, أو من الأبواق الإعلامية للنظام, فالكارثة أن المزاودة الهجوم أتى تلك المرة من بعض ما يسمون أنفسهم مستقلين و حقوقيين، بل وبعض من يعتبرون أنفسهم إسلاميين ومتدينين.

 

 

 
أصبح من المعتاد أن تسمع إعلاميين مؤيدين للنظام المصري، مثل إبراهيم عيسى ينتقدون أفعال الفلسطينيين، ويسخرون من جهادهم وصمودهم ضد الاحتلال الصهيوني، ويشككون بجدوى عمليات الطعن ضد الصهاينة, فالإعلام الرسمي للدول العربية يريد أن يظهر تلك الدول بأنها صاحبة الحق الوحيد في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وأن الفلسطيني مخطئ؛ لأنه لا يسمع كلام القيادات العربية الحكيمة صاحبة النظرة الثاقبة.

ولا يكتفي بذلك، بل يتم تشويه الفلسطيني، ويتهمه بإثارة القلاقل, بينما عندما يتحدث عن الكيان الصهيوني يتحدث بكل أدب، وأنه علينا أن نتعامل معهم كما يتعامل معهم القائد الحكيم، وألا نغضبهم حتى لا يتهموننا بالإرهاب في المحافل الدولية.
وعلى غرار إبراهيم عيسى ظهر كاتب كويتي من مدعي التنوير يدعى عبد الله الهدلق يقول: إن الحق مع إسرائيل، وأنها ستهزم الباطل الفلسطيني, كما يدعي, ولم يقم النظام الكويتي بأي إجراء ضده رغم تصريحاته الصهيونية الفجة, ولا يزال هذا الكائن وأمثاله يحسبون على النخبة ممن يسمون أنفسهم بصفوة المجتمع, بينما من ينتقد النظام فإنه يلقى في غياهب السجن إلى أجل غير مسمى.

وفي الموجة ظهر بعض نشطاء الملحدين العرب يدعون العرب إلى عدم كراهية الكيان الصهيوني, والاعتراف بكيانهم وبالخضوع لهم نهائيا والاعتراف بالهزيمة واعتبار الصهاينة هم الجنس الأقوى؛ نظرا لتفوقهم العلمي والعسكري, وتلك النظرية العرقية السخيفة ليست إلا امتدادا للفكر الاستعماري الغربي والفاشية, الذي يرى أن شعوب بعينها يجب أن يكونوا أسياد العالم، وآخرون يظلون عبيدا, ورغم أن الدول الغربية تخلت عن هذا الخطاب (وإن كان بعضها يمارسه ضمنيا)، إلا أن هؤلاء, الذين يدعون أنهم من دعاه التنوير والمدنية والمساواة ويدعون أن تلك القيم منافية للأديان, يؤمنون بتلك النظريات العنصرية ويدعون لتطبيقها كراهية لنا.
أما الأسوأ في الموجة، فهو قيام بعض النشطاء الحقوقيين بانتقاد تلك العمليات تحت دعوى الإنسانية, وأن تلك العمليات تشوه صورة الشعب الفلسطيني في وجه الغرب وتبدد جهود الحقوقيين والإنسانيين في دعم الشعب الفلسطيني، الذي يجب أن يظل ضحية طوال حياته ليرضوا عنه, وحتى يستطيعوا التسويق لقضيته حقوقيا وإنسانيا.

أما أن يرفع الفلسطيني السلاح ليدافع عن نفسه, ويحارب الاحتلال فتلك همجية في نظر إنسانيتهم المخنثة, فهؤلاء يرون أن الفلسطينيين يجب أن يتسولوا على أبواب النظام الدولي حتى يعطيهم بعضا من حقوقهم.

وهناك صنف آخر من الحقوقيين, وهم ليسوا مثل الصنف الأول, يرون أن قتل المحتلين مطلوب ومشروع أخلاقيا، لكن المدنيين لا ذنب لهم, ولكن هؤلاء يغفلون أن لا يوجد شيء اسمه مدني صهيوني، وأن مجرد وجوده على الأراضي المحتلة يعد استيطانا, حتى وان لم يحمل سلاحا في حياته, فالاحتلال الصهيوني، ليس كالاحتلال البريطاني لمصر مثلا: مجرد وجود عسكري ووصاية سياسية واقتصادية وثقافية.

 

 

 
بل هو استيطان يريد إلغاء الهوية الفلسطينية تماما، وتثبيت هوية يهودية مكانها, يريد أن يقول إنه لا يوجد ولم يوجد وطن اسمه فلسطين, ومن أجل هذا يجب أن يجلب يهود ليعيشوا في الأراضي المحتلة، ويغلبوا الفلسطينيين عددا, وبالتالي فإن كل مدني منهم, وإن كان مولودا في الأراضي المحتلة، ولم يهاجر بإرادته, هو خادم للمشروع الاستيطاني الصهيوني, وإذا أراد إثبات العكس, فعليه: إما الوقوف ضد الصهاينة ودعم الفلسطينيين علنا, أو الرحيل تماما عن أرض فلسطين, غير ذلك هو هدف مشروع تماما؛ لأنه يؤدي نفس وظيفة العسكري، لكن بشكل غير مسلح.

 

 

 
والأكثر سوء, هو قيام بعض المحسوبين على الإسلاميين والمتدينين, بتنظيرات يظنون أنها أخلاقية وشرعية، وهي ليست بأخلاقية ولا شرعية, على المرابطين. فهناك من اعترض على خروج بعض المرابطات بزي مخالف للحجاب الشرعي, ولم يروا من كل ذلك الحراك إلا هذا الزي, فلم يتكلم هؤلاء المتدينون الكذبة عند استشهاد المحجبات والمنتقبات برصاص الاحتلال الصهيوني, وهاجموهن باعتبار ان الحجاب فريضة، والجهاد ليس بفريضة على النساء, متناسيا أن في حالة جهاد الدفع يصبح الجهاد فريضة على النساء أيضا.

 

 

 
وأن وجود ذكور مخنثين في العالم العربي هو ما دفع النساء للخروج دفاعا عن المقدسات, وأنه إن ارتكب المسلم معصية في شيء ما فعسى أن يغفر الله له بعمل صالح فعله, فما بالك لو كان العمل الصالح هو الجهاد؟

إن هؤلاء كمثل من يقول للمدخن لا تصلي حتى تقلع عن التدخين. وهناك من يقول للفلسطينيين انتظروا حتى تأتي داعش لتنقذكم, وهو لا يختلف تماما عمن يطلب من الفلسطينيين الانتظار حتى تأتي الجيوش العربية لتنقذهم.

فإلى كل من ينظر تنظيرات فاسدة، ويريد للفلسطينيين الالتزام بها, من أبواق للأنظمة مرورا بملحدين ومثقفين وحقوقيين وانتهاء بإسلاميين, لا يطلب منكم أحد الدفاع عن الفلسطينيين, بل نطلب منكم فقط, أن تكفوا ألسنتكم عن الفلسطينيين. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد