فإن أساس التسامح من القرآن الكريم، ولا غرو فالقرآن الكريم وضع لنا أساسًا للتعامل مع غير المسلمين، ولكن ليس على إطلاقهم، وإنما فقط إذا كانوا مسالمين للمسلمين، وجاءت السنة الكريمة تؤكد هذا التسامح في أحاديث صحيحة، وآيات الله عز وجل والأحاديث الكريمة خير شاهد على كيفية تعامل المسلمين مع المسالمين والمعادين لهم، وقد قال سيد طنطاوي في تفسيره: وبين سبحانه للمؤمنين القاعدة التي يسيطرون عليها في مودتهم وعداوتهم وصلتهم ومقاطعتهم. فقال الله عز وجل: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم… (الممتحنة: 8)، وفي المقابل قال الله تعالى: إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون. (الممتحنة: 9).

ومرت على النبي عليه السلام جنازة فقام – صلى الله عليه وسلم – لها واقفًا، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال عليه السلام: أليست نفسًا؟ (البخاري).

وهناك الكثير من الأدلة عن سعة صدر  الإسلام وتسامحه، والإسلام في القسط والبر والسماحة مثلًا أعلى، ولا يوجد له مثيل فيها.

وكذلك الحال مع صحابة رسول الله عليه السلام، كما ذكر  الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه تاريخنا المفترى عليه: فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول: قال الله تعالى: إنما الصدقات للفقراء والمساكين (التوبة: 60) وهذا من مساكين أهل الكتاب.

وعبد الله بن عمرو يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية وكان يكرر عليه الوصية مرة بعد مرة، حتى سأله غلامه عن السر وراء هذه العناية الشديدة بهذا الجار مع أنه يهودي؟ فقال ابن عمرو: إن النبي عليه السلام قال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه. (القصة رواها أبو داود والترمذي والبخاري والحديث متفق عليه).

وسماحة ولطف ورحمة وبر وقسط الإسلام هنا على سبيل أنهم مسالمون للمسلمين وعلى أمل الهداية، لا خوفًا ولا طمعًا ولا ذلة، وفي المقابل في غير هذه الحالة (ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)، وعندما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة القدس لم يمس النصارى بسوء، في حينها ذبحوا الصليبيين، وحرقوا اليهود.. هذا جزاء من يعادي ويأخذ أرضنا بغير حق، ويظاهر على إخراجنا من أرضنا ومقدساتنا.

ومن جميل ما ذكره الدكتور حسين مؤنس في كتابه (الإسلام الفاتح): الإسلام هو الذي نشر نفسه بنفسه: هو الذي دعا لنفسه واجتذب قلوب الناس؛ فأسلموا حبًا في الإسلام، وإعجابًا به، والتماسًا لرحمة الله وهداه.

ولقد قال الراهب القبطي يوحنا النقبوس شيئًا من ذلك، وكان متأسفًا: لأن العرب لم يلجأوا إلى القوة في فرض الإسلام، إذ لو أنهم فعلوا ذلك لزاد تمسك الأقباط بعقيدتهم على مذهب العناد وإباء كل ما يفرض بالقوة، ولما وجد الإسلام هذا الطريق السهل الميسر إلى القلوب في مصر والأندلس. (تاريخنا المفترى عليه).

وبعد النظر والتمعن في الآيات والأحاديث وتسامح الإسلام على مر العصور نجد أن:

• الفكرة التي كانت سائدة وشائعة وما زالت بأن السيف والقتل كانا الوسيلة في تحويل الناس إلى الإسلام نجد أن هذه الفكرة بعيدة جدًا عن العقل البشري الذي يفكر وينظر حوله ويقرأ ويتمعن ويصنع ويخترع… إلخ، وكما قال د. القرضاوي: فإن السيف قد يفتح أرضًا، ولكنه لا يفتح قلبًا للهداية، والإنسان بطبعه يأبى أن يدخل في دين من يقهره عليه بالسيف.

• ونجد أن موالات اليهود لا تكون وهم من سلبوا أرضنا وبدلوا وغيروا ملامحها وعاثوا فيها فسادًا وظاهروا على إخراجنا فلا يكون لهم موالاة هم وغيرهم ممن يقومون بفعلهم.

لا تتولوا قومًا غضب الله عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد