شاءت الأقدار أن تتوالى النكبات تباعًا على أمة كتب لها أن تتجرع مرارة الظلم والذل والإهانة، وأن تستباح أعراضها وتدنس مقدساتها وتنهب خيراتها وتغتصب كرامتها، وكأن لا كرامة ولا عزة لها.

ففي خضم المآسي والقلاقل التي نكابدها من جراء الحروب الطاحنة في كل من اليمن وسوريا وغيرها، وما خلفته من ندوب وجراح عميقة، وفي مئوية ذكرى وعد بلفور المشؤوم تنضاف نكبة جديدة إلى سجل المخازي والمهازل العربية، باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وفاء بالوعد الذي أطلقه الرئيس الامريكي دونالد ترامب إبان حملته الانتخابية الرئاسية، التي مثلت رصاصة الرحمة لتجارة السلام المزعوم بين إسرائيل والعرب.

وهو قرار غير مستغرب؛ فلم تكن الولايات المتحدة وسيطًا للسلام بل ظلت طرفًا غير محايد في النزاع العربي الإسرائيلي، إذ قدمت الملايين من الدولارات منذ إعلان قيام اسرائيل ماليًا وعسكريًّا وقانونيًّا من خلال الضغوطات التي مارستها لإسقاط قرارات الأمم المتحدة، وهذه الأمور لا تخفى على أحد.

ولأن مهندسي القرار السياسي في الولايات المتحدة الحقيقيين هم مجتمع كبار رجال الأعمال والشركات العملاقة، ولوبيات المصالح الخاصة باليهود الأمريكيين وأهمها الإيباك «اختصار بالإنجليزية للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية»، التي تعد أحد أقوى اللوبيات اليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ تمارس نفوذًا سياسيًا قويًا على مؤسساتها، والضغط عليها بهدف ضمان مصالح إسرائيل وحلفائها، من خلال سن التشريعات والقوانين، وتمكين مرشحيها المفضلين من الوصول إلى البيت الأبيض، ودعم حملاتهم الانتخابية عبر ضخ التمويلات اللازمة وتسويقهم للرأي العام الأمريكي عبر شبكاتها الإعلامية.

فمنذ لحظة تعيين ترامب رئيسًا لأكبر دولة في العالم، أكد من خلال قرارته الرئاسية على كونه المرشح المثالي وكنزًا استراتيجيًا لإسرائيل ولوبياتها داخل الولايات المتحدة، جدد فيها التزامه العميق بخدمة قضايا حليفته ومصالحها دون مراعاة للتبعات والانعكاسات التي قد تطال مصالح بلاده القومية وأمنها الاستراتيجي، مثل مغامرة نقل سفارة بلاده إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، على الرغم من أن ذلك لا يعد سبقًا له فهو مجرد تطبيق قرار صادر عن الكونغرس منذ 1995جرى تأجيله لدواعي أمنية وقومية وريثما تتهيأ الأوضاع لذلك.

توقيت الإعلان عن هذا القرار الخطير مدروس بعناية؛ إذ يتزامن مع أحلك فترات الأمة العربية التي تشهد في السنوات الأخيرة احتدام الحروب الأهلية في العديد من الأقطار العربية، مثل ليبيا وسوريا واليمن، وبالتالي توارت القضية الفلسطينية عن الأضواء وصارت قضية ثانوية تقض مضاجع زعماء الأنظمة العربية ينبغي حسب عرفهم تصفيتها بأي وسيلة وثمن متاح.

ومع هذا الإعلان الذي مثل صدمة في دوائر صناع القرار في العالم تناسلت بلاغات الإدانة والاعتراض من قادة دول إسلامية على استحياء وتردد مخجل، لا ترقى إلى مستوى رد الفعل الحازم على قرار سياسي خطير بهذا الحجم، ويمكن عدها فقاعات إعلامية لذر الرماد وامتصاص غضب الشعوب، يؤكدها تلكؤ واضح عن تفعيل آليات الضغط المتاحة، وأسهلها قطع العلاقات الدبلوماسية، فلسان حال الأنظمة العربية للقدس رب يحميه.

خطوة بهذه الجرأة لا يمكن تحقيقها دون وجود رضا وتفاهم سري بين الولايات المتحدة والأنظمة العربية المتواطئة معها، بدليل سياق الأحداث الحالية التي تنحو في اتجاه واحد، هو السير باتجاه تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية على ضوء التقاء المصالح المشتركة، خاصة العداء لإيران التي باتت الهاجس الأكبر والعدو الأول في عرف الأنظمة العربية الحالية.

فالسمات الحالية التي تميز العلاقات العربية الإسرائيلية تشير إلى انقلاب واضح في التوجهات؛ فعدو الأمس المحتل للأرض والمنتهك لحقوق الشعب الفلسطيني أصبح صديقًا وحليفًا لا بد من كسبه، بدليل خطابات التقارب والحضور الدائم لمسئولين ومثقفين عرب في شاشات القنوات الإعلامية الإسرائيلية، وتبادل الزيارات الدبلوماسية السرية بين الطرفين التي بلغت أوجها، والتي لا يمكن أن نعدها استمرارًا للانبطاح العربي الرسمي منذ التخلي عن خيار المقاومة والتحرير، الذي دشن بالاتفاقيات المهينة مثل اتفاقية كامب ديفيد، واتفاقية وادي العربة، واتفاقية أوسلو، التي نصت على الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات السياسية معها مقابل إقامة دولة فلسطينية على جزء من أراضيها التاريخية، أو ما تبقى منها بعد حرب 1967.

وما تلا ذلك من مبادرات عربية للسلام فما هو إلا دليل على زيف ادعاء التمسك بالثوابت القومية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي باتت حملًا ثقيلًا ينبغي التخلص منها بأي وجه كان، ولو على حساب الحقوق التاريخية والدينية للشعب الفلسطيني، الذي صار غير مرغوب فيه، بدليل حملات شيطنة الفلسطينيين في بعض وسائل الإعلام العربية، واتهامهم بالتفريط في أراضيهم، ووسم حركات المقاومة بالإرهاب، وحملات التطبيع الثقافي والإعلامي والسياسي الذي تتسارع خطاه بين إسرائيل والدول العربية، خاصة الأنظمة الخليجية التي باتت حاملة لواء التقارب والتودد لعدو أمعن طيلة عقود في انتهاك حرمات الأمة ومقدساتها.

ومعها تتكشف أبعاد مؤامرة خُطط لها بعناية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية ووأدها نهائيًا، وتجري بخطط حثيثة ومن جميع الجوانب، وما خطوة إعلان القدس عاصمة لإسرائيل إلا ضربة البداية لما بات يعرف بصفقة القرن يقودها الثلاثي المكون من ترامب ومحمد بن سلمان والسيسي بحماسة منقطعة النظير.

وتفاصيل هذا المشروع الذي خُطط له منذ سنوات عديدة ينص في خطوطه العامة على إيجاد تسوية نهائية لقضية استعصت على الحل، بإقامة وطن بديل للفلسطينيين في جزء من سيناء مقابل التخلي عن حلم إقامة دولة لهم على أراضيهم التاريخية، دون الإشارة إلى مصير فلسطينيي الشتات في البلدان العربية المجاورة، وفي المقابل ستتخلى إسرائيل عن جزء من صحراء النقب المحتلة لصالح مصر لترتبط جغرافيًّا بالأردن من خلال نفق أرضي، ومقابل مساعدات مالية ضخمة تنعش اقتصاد البلدين المشرفين على الإفلاس الاقتصادي، بالإضافة إلى مكاسب أخرى تتمثل في تنشيط المبادلات التجارية، وتدفق الاستثمارات على المنطقة.

ظلت فلسطين منذ عقود محور التوجهات القومية العربية، وقبلة تطلعات العرب في الوحدة والاستقلال الفعلي، فعلى أراضيها امتزجت دماء شهداء العرب من الخليج إلى المحيط في الحروب التي اندلعت لنصرتها من 1948 إلى 1973، وشكلت أيقونة ورمزًا للنضال والكفاح عالميًّا، وعلى الرغم من تفريط الأنظمة العربية فيها، ستبقى حية في الوجدان، فما ضاع حق وراءه مطالِب، ولن تنفع المصالحة ولا التطبيع مع عدو مغتصب الأراضي والتاريخ، فما بني على الأكاذيب مصيره إلى الزوال، فلا صوت يعلو فوق صوت المقاومة والتحرير.

ومن الألم يولد الأمل، وما سلب بالقوة لا يعود إلا بها، ولن نجد في هذا السياق أبلغ من أبيات أمل دنقل في ذم عقلية الانهزام والصلح والانبطاح التي استشرت منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد:

لا تصالح

ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى؟

هي أشياء لا تشترى

لا تصالح على الدم حتى بدم

لا تصالح ولو قيل رأس برأس

أكل الرؤوس سواء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد