نغادر الوطن مجبرين أحيانًا، ومطرودين مُبعدين قسرًا عنه أحيانًا أخرى، ولكن بكل الحالات هو لا يغادرنا، نحمله معنا في حقائبنا، نحمله في ألبوم صورنا، نحمله كوشم بذاكرتنا في عيون من أحببناهم، ووجوه من أحبونا، كوجه عجوز ودعتنا باكية قد لا نراها ثانية، نحمل الوطن كدثار يحمينا من برد الغربة، فعندما يغلق الوطن بابه بوجهنا، تبقى الروح هناك خلف ذاك الباب، عالقة بجدران المنازل وفي أسوار الحارات وبأغصان الشجر تبقى الروح هناك والجسد هنا مع الحقائب، لا تعلم أوطاننا أننا بدونها أيتام لا مأوى بالعالم مهما أتسع وكان أكثر تمدنا وغنى، سيجمع أشلاء الجسد ويدفئ برد الروح العالقة.

القدس مدينة بمجرد ذكر اسمها يعود بنا التاريخ طائعًا، يتلمس من عبقها المباركة وربما الصفح عن كل ما حل بها، وما خطه عنها بصفحاته الخونة والكاذبين، اليوم سنترك لدرب السماء المستباح حق الكلام عن نفسها، هي من ستروي لنا قصتها وقصتنا، لن نسمع لمن يروا عنها، فكل حجرٍ بالقدس يملك حسن البيان، كل حبةِ رملٍ هناك لها ذاكرة بعمر التاريخ وربما أكبر منه، تذكر كل من مر ومن ظل، من بنى ومن هدم، من صان ومن خان.

تبدأ مدينة أور سالم أو مدينة إله السلام  تروي لنا فصول قصتها.

عربية الأصل أنا

قبل 4500  سنة لم يكن لي وجود حتى أتاني من دبوا الحياة بأوصالي، وحملت أسمهم كما يفعل الأحرار بحمل أسماء آبائهم، ايبوس كان ذاك أول أسمائي، نسبة لليبوسيين الذين ينحدرون من بطون العرب الأوائل في الجزيرة العربية، الذين نزحوا إلى مع من نزح من القبائل العربية الكنعانية ،فاستوطنوني وبنوا القلاع لحمايتي، من هجمات الفراعنة والعبرانيين، وكأن التاريخ أسر لهم بما سيكون مستقبلًا منهم تجاهي.

لم يحكمني غيرهم حتى أتاني نبي الله داود، بجيوشه ليقتل جالوت ويصير هو على حكمي ومن بعده أتى العبرانيون، منهم الصالح ومنهم الطالح ، يحكمون نعم ولكن هم ليسوا أصحاب الأرض كما يدعون، وكحال أهل الأرض وقتها كانت  البلدان ككورة يتقاذفها الفرس والروم، فأتاني بونخز نصر الفارسي ليقتلع العبرانيين ويدمرني ونفاهم لبابل السبي البابلي، لتطوى صفحة العبرانيين ولا تعود إلا بعصرنا الحديث، حينما باع من باع، وخان من خان ،وصمد أصحاب الدين والمبادئ، ولكنهم خذلوا.

دائمًا ما تسقط القدس بالخيانة

سنة 63 ق.م، حاصر الروم القدس، لكن المدينة التي استعصت على الآشوريين من قبل لم تكن فريسة سهلة، فقد اشتهرت طوال تاريخها بمناعة أسوارها، ومعاونة موقعها لمن فيها على الدفاع عنها. ومع أنه كان متوقعًا أن تسقط القدس بصورة طبيعية في يد بومبي الروماني، لو اتبع في حصارها سياسة النَفَس الطويل، إلا أن الخيانة عجّلت بالقضية، فاقتحمها الرومان بخيانة داخلية من بعض اليهود، ودنست بيوت العبادة في أورشليم، كما ينطقها اليهود، ليظل هذا القهر والتدنيس لمقدسات اليهود والمسيحين  من  بعدهم على حد سواء.

الفتح الإسلامي

ظلت مدينة الأنبياء تدنس حتى أتها الإسلام مخلصًا فاتحًا، وليس محتلًا يفرض على أهلها عقيدته، وليس أوضح من تسامح الإسلام  مع الديانات الأخرى التي اضطهدت طوال تاريخها من أي حاكم يخالفهم العقيدة من العهدة العمرية، وبقدوم المسلمين إلى القدس بدأت حقبة جديدة في تاريخها، حيث توالت سلالات الخلافة الإسلامية على حكمها تباعًا.

إلى أن ابتليت بأول الحملات الصليبية الطامعة بخيراتها وذهبها، لصوص الذهب المتسترين بشعار ديني لا يحمل من الدين إلا رمز يرسموه على ثيابهم، أتوا من بلادهم جوعى ليأكلوا ويشربوا من أرض وأنهار أرض المقدس، أتوا يلفهم العوز والفقر ليسرقوا ذهب بلاد المسلمين.

في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها

الكل مرُّوا من هُنا

فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافرًا أو مؤمنًا.

أُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ.

فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ.

والتتار والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ.

فيها كلُّ من وطئأ الثَّرى.

أتراها ضاقت علينا وحدنا.

الحملات الصليبية

 آفة ابتليت بها قدسنا، وقد اختلف الباحثون في عدد تلك الحملات 8أم 10، ولكن الأرجح أنَّها قائمة إلى يومنا هذا، ولكن بطابع فكري لا عسكري.

تسقط القدس بخيانةٍ أخرى، ولكن هذه المرة ليست بيد اليهود وإنما بيد ذيولهم من الشيعة، تسقط القدس بخيانة الفاطميين، الذين سلموا القدس لهمج الصليبين دون أية مقاومة، فتكالبت على المدينة المقدسة ضباع الغرب، فبعد حصار دام أربعين يومًا، والعالم الإسلامي يُشاهِد الجريمة في صمت، تقتحم جحافل همج  الصليبين أسوار القدس، فلجأ السكان المذعورون أملًا في النجاة إلى الاعتصام بالمسجد الأقصى، لعل الصليبيين يحترمون قدسيَّة المكان، أو حُرمة دُور العبادة، لكن بلا جدوى، فذُبح بالمسجد الأقصى سبعون ألف مسلم، ما بين رجل وامرأة وطفل، ولم ينجُ منها إلا الحامية العسكريَّة العبيديَّة، تركوا الشعب وذهبوا إلى محراب داود واعتصموا به ثلاثة أيام، ثم في ظروف غامضة تم إخراجهم بواسطة الصليبيين في أمان، حيث نُقلوا إلى عسقلان ومنها إلى مصر دون أن يلحقهم أذى؛ مما يؤكِّد أنهم اتفقوا مع الصليبيين على تسليم المدينة مقابل الأمان لهم.

القتل في هذا اليوم لم يكن خاصًّا بالمسلمين فقط، بل عانى منه اليهود أيضًا، فلقد جمع الصليبيون اليهودَ في الكَنِيسِ ثم أحرقوه عليهم، مازال يذكر رمل الأقصى الدماء التي لم يستطع أن يشربها كلها فوصلت إلى ركب  خيل من يدعون أن الله عندهم محبه، تذكر الحجارة صوت صرخات طفل قطعت أشلائه بسيوف محبتهم.

ولكن الغريب أن الخذلان العربي والإسلامي للأقصى بعيد الجذور، فلم يحرك أحد ساكنا، لم يصرخ أحد مناديًا بتحرير الأقصى والثأر للشهداء، كان حزنًا مُقعِدًا شلَّ المسلمين عن الحركة أو الكلام، كاشفا لعورات الشعوب والحكام.

صلاح الدين

بَقِيَ الصَّلِيبِيُّونَ 91 سَنَةً في القُدْسِ، وفَعَلُوا بالمُسلِمِينَ الأَفاعيل، وجعلوا من المحراب مربطا لخيولهم وخنازيرهم، حتى أستفاق المسلمون، وأتاهم صلاح  الدين محاصرًا لهم كما فعلوا ودخلها فاتحًا، ليطهرها ويرتفع صوت الأذان من جديد معلنًا الله أكبر، بعد  أن كسرت شوكة صليبيو الغرب بمعركة ، لم يشهد العرب مثلها من أيام الصحب الكرام، فقد سقط كل ملوك أوربا بالأسر، وظل الأقصى حرا كلما قويت شوكة المسلمين، أو مستباح أذا ضعفوا.

السقوط الأخير

 عندما ضعف المسلمون عرض هيرتزل على السلطان عبد الحميد شراء فلسطين، فكان رده التاريخي اني لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة؛ لأنها ليست ملك يميني، بل ملك شعبي الذي ناضل من أجل هذه الأرض، ورووها بدمائهم، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت إمبراطوريتي يومًا؛ فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لا يكون إنني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.

 وبالرغم من ضعف  الدولة العثمانية، فقد استبسل جنودها وأهل غزة والقدس لمحاربة الإنجليز؛ حتى لا يستولوا على القدس.

حتى كانت التجريدة المصرية التي استبدل فيها القائد الإنجليزي بجنوده الأوروبيين المصريين، فسقطت غزة بعد أن دُمرت، وسقطت مئذنة مسجدها العمري الشهير وتهدمت جدرانه، ورفع علم الصليب بأيد مصرية على مآذن المسجد الأقصى وقال اللنبي كلمته الشهيرة: ها قد عدنا يا صلاح الدين، وتحققت نبوءة اليوبوسين، وسلم أحفاد الفراعنة مفاتيح مدينتهم لرعاة العبرانيين، الذين منحوهم حق بناء دولتهم فوق دولة العرب بوعد بلفور.

هنا تصمت زهرة المدائن

لقد انتهى التاريخ وبدأ الحاضر الذي يضم الكثير من الهزائم المتلاحقة التي وإن دلت على شيء  تدل على خيانة مستترة وراء خطط حربيه بلهاء يخدع بها قادة خونة شعوب غبية، ثم بالتدريج ومن خلال ألة إعلامية صهيونية، بدأت ببث السموم داخل العقول بأن القدس ليست قضية إسلامية، لتحييد مليار مسلم، بل هي قضية عربية، ثم تحويلها  إلى قضية تخص  دول الجوار فقط وليس كل العرب، وباتفاقية العار، صارت قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، شأن داخلي، ثم يحول الإعلام الداعر الفلسطينيين إلى إرهابيين والصهيونيين إلى أصدقاء، فنجد كثيرًا ممن طمس الله على قلوبهم ينادون بنصرة بني صهيون، وأن الأرض أرضهم والأقصى أقصاهم وحقهم التاريخي.

الأقصى مسرى نبينا حكام العرب باعوه ويعرضون خدماتهم ببناء جزيرة لنفي العرب هذه المرة أنه سبي جديد، ولكن سبي صفقة القرن التي بدأت ملامحها للعلن بإغلاق المسجد الأقصى لأول مرة منذ الاحتلال و وضع حواجز وكاميرات، تحت سمع وبصر العالم الإسلامي الخانع لاحتلال إسرائيلي بالوكالة.

 ولكن يأبى المقدسيون إلا أن يعلمونا أن هناك رجالًا يقاتلون بصدور عارية حفاظا على دينهم ومقدساتهم، لا يأبهون لسلاح، ولا يتحججون بأنهم لا يملكون من السلاح ما يقاومون به، وإن باعهم حكام العرب وحاصروهم.

لقد نجح المقدسيون في 12 يوم أن يسقطوا وهم أحتل عقول العرب حول قوة إسرائيل وهيمنتها التي احتلوا بها 22 دولة عربية ما عدا القدس.

يضع لنا القدس الخطة والاستراتيجية التي تمكننا جميعًا من كسر محتلينا، ليس بالشعارات والأماني تتحقق الانتصارات، إنما بالتنظيم والعمل، بالتكاتف لا بالتناحر بيننا، بتحديد الأولويات العامة، وليس بتغليب الأطماع الشخصية. فيشرح لنا أحد المرابطين آليات نصرهم:

– تم تشكيل مجموعة شعبية لإدارة الحراك، والتعامل مع كل التطورات في توجيه المرابطين.

– تحديد هدف رئيس وهو: رفض كل الإجراءات الإسرائيلية ضد الأقصى.

– تلبية آلاف المقدسيين نداء شد الرحال نحو الأقصى للدفاع عنه، ورسم صورة للتلاحم والتعاون.

– صمود أهل القدس أمام القمع الصهيوني والاعتداءات والقتل والاعتقالات وإصرارهم على الثبات لتحرير أقصاهم.

بالرغم من بساطتها تكمن قوتها، هكذا يظل الأقصى يعلمنا كيف نقاوم، هكذا تخبرنا الأوطان أنه مهما كان المغتصب متجبرًا، يظل الوطن الحر يحمل أبناءه الأحرار في ذاكرته كما يحملونه، يظل يراهم سكانه مهما أبعدهم المغتصب.

يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟

أَجُنِنْتْ؟

لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ

لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ

في القدسِ من في القدسِ لكنْ

لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب تاريخ القدس للكاتب عارف باشا العارف
عرض التعليقات
تحميل المزيد