أصدر ترامب أخيرًا بصفته لا شيء، إلا أنه رئيس أكبر دول العالم، كما يزعم الكون، قرارًا بنقل سفارة أمريكا العظيمة إلى القدس، لتُعلن القدس رسميًا كعاصمة لإسرائيل، بعدما استمر نزاعٌ لسنين طويلة على كونها فلسطينية أو إسرائيلية، وبهذا يكون الصراع قد حُسم تمامًا لتصبح هذه المدينة المقدسة عاصمةً لذلك الكيان المعتدي الذي دنس المساجد وخضّب الأراضي بالدماء!

وَسط تفاعلاتٍ جماهيرية لا حصر لها لاقى القرار الصادر عن ترامب موجات شبابية ترفض القرار رفضًا قاطعًا ويدعوها أغلبهم بالمهزلة الأزلية التي يُحدثها ترامب على أرض فلسطين.. لكم وددت أن أكمل السطور القادمة قائلةً، وبدأت غضبة إسلامية عربية، بل عالمية تجتاح شتى البلاد تنديدًا بالقرار، لكنني لا أجرؤ على تسمية ما يحدث بأنه غضبة، فأية غضبةٍ تكون عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي؟ أية غضيةٍ تلك التي تحدث من داخل البيوت الهادئة أسفل البطانيات؟ أية غضبةٍ تلك التي تأتي من خلف زجاج الهاتف!

ترى حماس المدونين ويُشعرك هذا بأن الغضبة قادمة لا محالة دون تأخير، لكن لا شيء يحدث، يوم أو يومان ورُبما أسبوع أو اثنان على الأكثر ويخرس الجميع.. يخرس الجميع بالمعنى الحرفيّ ويُنسى الأمر برمته وكأن شيئًا لم يكن، وكأن القدس قد تحررت وعادت فلسطين للفلسطينين.. لا أحاول تسفيه مشاعر المدونين، فأعلم أن كثيرًا من تلك المشاعر صادقة، لكنها لا تُجدي نفعًا، ولا تُحرر وطنًا، فما هى إلا بعض كلمات على شاشات.

حتى وأنا أكتب هذه الكلمات لا أُزيد شيئًا، لكنني أحاول القول أن لا أحد في هذا العالم الآن يستطيع أن يُقدم حلًا جذريًا -وهو الحرب كما يبدو – لفلسطين، فلا حقٌ لنا بانتفاضةٍ إلكترونية إن صح إطلاق عليها لفظة انتفاضة أصلًا!

متى كانت آخر حرب قامت دفاعًا عن أرض فلسطين؟ أظن أن لا أحد يذكر شيئًا كهذا أساسًا.. لقد مر زمن سحيق منذ حدث شيء مماثل، والحق أقول أن من لم ينتفض أو يغضب غضبةً حقة منذ دهرٍ من السنين لن يفعل شيئًا الآن.

ثم يعود السؤال مجددًا يطرح نفسه على الأذهان، من هو هذا الترامب حتى يُقرر سلب الأراضي والتدخل فيما لا يعنيه بأي حالٍ من الأحوال؟ هو لا أحد حقًا.. أما عن الشباب فماذا أصابهم؟ أظن أنه العجز الذي يدمر كل شيء من حوله والحقيقة أن العجز أصبح الشماعة التي نُعلق عليها خيباتنا وضعفنا تجاه القضية الفلسطينية عامةً ومشكلة القدس الحالية خاصةً، فلا شيء يُحدث فرقًا أبدًا، والكل يعلم يقينًا أن الحل موجود فقط من خلال جيوشٍ تُعد للخروج والتحرير لا بقليلٍ من التدوينات الثائرة التي سرعان ما تخمد براكينها؛ لأن الكل ينسى ببساطة.

الذي يحدث الآن أن قلةً من النساء يُدافعن عن أرضيهن مع حفنةٍ من الرجال الذي أُلقيّ أكثرهم بسجون إحتلال حقيرة سلبت كل حقٍ لهؤلاء البشر وها هم الآن يأخذون آخر ما تبقى لأصحاب الأرض.

بأخذ القدس عاصمةً لإسرائيل لن تعود لفلسطين أي حقوق في أرضها، الواقع المحتوم الذي يعلم الجميع أنه مرير يُصيب بالعجز أكثر هو أن أخذ القدس بشكلٍ رسميّ سيُتيح لهذا الكيان اللعين المدعو إسرائيل باستباحة الدماء أكثر، وباغتصاب الحقوق بشكلٍ أقوى وأعنف من أي وقتٍ مضى.. وهكذا تنتهي القصة ويُغلق ملف القضية الفلسطينية بمائةٍ من الأبواب إلى أن يشاء الله أن يأتي رجال أشداء يُحررونها حقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد