كان الشاعر العراقي مظفر النواب قد صرخ فينا منذ عقود فقال في قصيدته الشهيرة:

القدس عروس عروبتكم

فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها؟

ووقفتم تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها

وسحبتم كل خناجركم

وتنافختم شرفا

وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض

فما أشرفكم

أولاد ال***ة هل تسكت مغتصبة؟

هذه القصيدة المرّة مرارة واقعنا، المؤلمة ألم جراح فلسطين، البذيئة بذاءة ما يفعل بنا ونرتضيه، هذه القصيدة كاد الشاعر يتنبّأ فيها بما يحصل اليوم.

ربما كان دونالد ترامب الرئيس الحالي للولايات المتحدة شخصيّة مثيرة للجدل، وهو الذي لم يبرح يفاجئ العالم بقراراته الجريئة التي كان آخرها اعتراف بلاده بالقدس عاصمة لإسرائيل.

منذ أعلن ترامب قراره هذا انهالت بيانات الإدانة من مشارق العالم العربي – الإسلامي ومغاربه. إدانات كالعادة، تلك الإدانات التي قال فيها الشاعر العراقي أحمد مطر:

لا البياناتُ سَتَبْني بَيْنَنا جِسرًا

ولا فَتْلُ الإداناتِ سَيُجديكمْ فتيلا

نَحنُ لا نَشْري صراخًا بالصَّواريخِ

ولا نَبتاعُ بالسَّيفِ صَليلا

فما علمنا لإسرائيل شعرة تهتز من بيانات وتنديدات العرب بل والعالم قاطبة، وما «ترامب» بالرجل الذي يأبه لأمر العرب ويتأثر ببياناتهم المستضعفة. منذ مدّة قصيرة رأيناه يرقص مع أمراء السعوديّة، في قلب جزيرة العرب، بل في بلاد الحرمين، وهو مملوء بالغبطة، واستمتعنا بالنظر إلى ابنته الحسناء «إيفانكا» التي لم تكلف نفسها النفاق وارتداء حجاب فلله درّها من فتاة أشجع من ألف رجل من الأعراب.

لكن إقرار ترامب – لعمري – ليس صادمًا إلى هذا الحدّ، وما ترامب فيه بمبدع ولا خارج عن خط السياسة الأمريكية تجاه القضيّة الفلسطينيّة. إن كل من كان له عقل وتابع تطورات النزاع العربي الإسرائيلي منذ النكبة إلى الآن، مرورا بالنكسة وبحرب أكتوبر ومفاوضات السلام الشائكة، كل إنسان وكل دابة تمشي على الأرض، بل حتى أشجار الزيتون والتين، والقطط المتشردة في شوارع القدس، كلها تعلم مدى انحياز الولايات المتحدة للطرف الإسرائيلي، وتدرك عمق الصداقة، بل والعشق المتبادل بينهما، فهل ينتظر العُرب من الولايات المتحدة عدلًا وإنصافًا.

إن للولايات المتحدة مصالح عليها رعايتها، وشؤونا عليها تصريفها، لكن لا يبدو أن العرب يزنون في ميزان مصالحها أثقل من حبّة خردل. إن قرار ترامب بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل هو الشاهد الحيّ على أن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل يعيرون العالم العربي انتباها. لكن لماذا؟

أمن قلّة بهم؟ كيف هذا وإن جمعنا العالمين العربي والإسلامي لوجدناهم يفوقون المليار نسمة.

أمن ضعف بهم؟ كلا – لعمري – فإن العالم كلّه يتذكر ماذا حل بالاقتصاد العالمي عندما استخدم العرب سلاح النفط، وكانت تلك المرة الوحيدة التي استخدموا فيها ذلك السلاح الرهيب.

لكن ربما كان السبب وراء طمأنينة الولايات المتحدة وحبيبتها إسرائيل هو أن العرب ذاتهم لم يعودوا يأبهون لشأن فلسطين، ولا لشأن القدس. لن أبرئ أحدا، ولن ألقي اللوم على الحكام العرب وحدهم، فهذا تهرب من المسؤوليّة. كأن مظفر النواب ينطق برأيي حين يقول:

أعترف الآن أمام الصحراء بأني مبتذل وبذيء كهزيمتكم. يا شرفاء المهزومين

ويا حكام المهزومين

ويا جمهورا مهزوما

ما أوسخنا.. ما أوسخنا.. ما أوسخنا ونكابر

ما أوسخنا

لا أستثني أحدًا. هل تعترفون

إن واقع العالم العربيّ اليوم مأساوي، وقد زاد مأساوية في العشر سنوات الأخيرة، خصوصًا بعد غزو العراق وثورات «الربيع العربي» التي أدخلت العالم العربي في حالة فوضى أشبه ما تكون بالفتنة الكبرى التي تأكل الأخضر واليابس باستثناء تونس التي نجت من الفتنة بأعجوبة.

 لقد انتشر منذ أيام في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مقطع يتكلّم فيه مفكر إسرائيلي، كان فيه مباشرا وصريحا في لقاء تلفزيوني، فعندما سأله مقدّم البرنامج: «ألا تخشون ردة فعل الشارع العربي؟» كان ردّ الإسرائيلي واضحا وبمنتهى الصراحة بأن إسرائيل لا تخشى العرب، وليست بحاجة لسلام مع العرب لأن العرب لا ينعمون بالسلام في أرضهم وفي بلدانهم أصلا، وفاقد الشيء لا يعطيه. كما قال المحلل الإسرائيلي أن العرب فاشلون، ولو أن إسرائيل فتحت حدودها للعرب لجاؤوا ليقيموا فيها وينعموا بالرخاء الاقتصادي في ربوعها. ربما يكون هذا الرجل قد بالغ، وربما لا لأني أرى الحقيقة بين كلماته الجارحة والمرّة.

إن المواطن العربي العادي اليوم أصبح همّه قوت يومه الذي لا يكاد يحصل عليه، فنرى العربيّ لا يكاد يجد متّسعا في صدره لقضيّة القدس. نرى طائفة من أبناء أوطاننا يبتلعهم البحر الأبيض المتوسّط فيحول دون وصولهم لأرض الأحلام الأوروبيّة التي يظنون أنها تقطر سمنا وعسلا، فإن نجوا بعد رحلتهم الملحميّة على قوارب الموت، أصبحوا عبئًا على المجتمع الأوروبي الغريب بدل أن يكونوا عبئا على أوطانهم الأصليّة، لكنهم يفضلون التسول في أوروبا بدل العمل في بلادهم، فليت شعري أفلا يعقلون؟

نرى بعض الدول العربية اليوم تستعمل السلاح الأمريكي الذي تشتريه بأبهض الأثمان ليقاتل بعضها بعضا، ولا تستخدمه لقتال أعداء خارجيين، نرى دولا عربية تحاصر أخرى وتقاطعها بدلًا من أن تقاطع أعداء العرب والعروبة. نرى شيوخا أصبحوا أشهر من نجوم السينما نسميّهم دعاة، وهم لا هم لهم سوى تجميع الثروات من خلال التجارة بالدين، ولا فائدة ترجى منهم ولا نفعًا بل وبالًا علينا بسبب تشويههم للواقع ونشرهم لأفكار لا تؤدي إلا إلى تعميق حالة الجهل والتخلف لدى جمهورهم، حتى أصبح جمهورهم كالأنعام أو أضل سبيلا.

إن إسرائيل اليوم هي فعلا دولة متقدمة على جميع الأصعدة. لقد شاركت خلال مسيرتي الأكاديميّة في محاضرات وندوات علميّة في مجال البحث العلمي حول تكنوجيات المعلومات والبرمجة، ولم تكد الجامعات والباحثون الإسرائيليون يغيبون عن أي منها، والعرب حتى إن كانوا حاضرين في هذه الندوات والمحاضرات العلميّة فإنهم يمثلون دولا غربيّة ولا يمثلون دولهم الأصليّة وذلك لانتمائهم لجامعات أوروبية أو أمريكية حيث يجرون أبحاثهم ودراساتهم. وبحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن اليونسكو ففي عام 2003، كان كل 80 عربياً يقرأ كتاباً واحداً، بينما كان المواطن الإسرائيلي يقرأ 40 كتاباً. وفي المؤشر العالمي لترتيب الجامعات حول العالم لعام 2017، تصدرت جامعة تل أبيب الإسرائيلية صدارة الترتيب في منطقة الشرق الأوسط، بحلولها في المركز رقم 168 عالميًا، تلتها الجامعة العبرية في القدس، التي جاءت في المركز رقم 195 عالميًا، ثم معهد إسرائيل للتنكولوجيا الذي جاء في المركز رقم 281 عالميًا. وكان التواجد العربي محدودًا، في قائمة أفضل 20 جامعة في الشرق الأوسط، بوجود أربع جامعات عربية فقط.

إذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه البيانات والحقائق التي ذكرتها، ظهر السبب وبطل العجب وفهمنا ما يقصده ذلك الرجل الإسرائيلي حينما تحدث بكلامه الجارح. فهل ما زال للشاعر العربيّ أن يفتخر ويمدح كما كان يفعل الشعراء في العر العباسي أو في الأندلس؟ لا أجد ما أختم به غير ما قلته في هذا السياق في قصيدة من قصائدي الكئيبة:

شانَ العروبةَ بؤسٌ لا مثيلَ لهُ

ودُقَّ في قلبِها الموجوعِ مسمارُ

والقدسُ آلامُها ما أقلقت عَرَبًا

همومُهم مرأةٌ تعرى ودينارُ

عراقُهُم أُسِرت والقدسُ قد سُبيتْ

فَـدنّـسَ القدسَ بعد الطُّهرِ فُجّارُ

سَادَ الخَرَابُ بلادَ الشامِ فاحتَرَقتْ

وسادَ في أرضِها لصٌّ وجزّارُ

أرثي العروبةَ في سِرّي وفي عَلَني

وليسَ يَسكنُ غيرُ الحزنِ أشعاري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد