هل هم معارضون يملكون برنامجًا للوقوف بوجه الرزاز ولن يرحمونه وسيعملون على إسقاطه، أم معترضون على أفعاله وإدارته، قادرون على دعمه وتدعيمه لانطلاقه من مبدأ المصلحة العامة.

طبقات المعارضة

الكثير يرون أن الرزاز يمثل ظاهرة فردية لا تمثل أجندات بقدر ما تمثل قرارات يجب اتخاذها.

ثمة نوعان من المعارضة ضد رئيس للوزراء، نوع يعارض سياساته، وآخر يتأتى من مجموعات منظمة تتحرك بهدوء وصمت لزعزعته، بواسطة سلبه بعض أوراق قوته، لاعتبارات تتعلق بصراع مراكز القوى، أكثر مما تتعلق بصراع المصلحة الشعبية.

المشهد محزن، لكنه يمنح الرزاز مساحة محدودة للحركة بثبات، هذه الحركة لا تختلف كثيرًا عن تلك التي منحُت لكل رؤساء الوزارات السابقين.

ربما لأن قوة الحكومة لا تكمن في الدوار الرابع، كما لا ترتبط بشخص وكاريزما الرئيس، بل تتواجد في أماكن تعتمد مبدأ توزيع الأدوار والقبول بها، لإبقاء الحال على ما هو عليه.

عمليًا لا يوجد رئيس وزراء امتلك الولاية العامة، حتى وإن كانت حكومته تنال الثقة الملكية مرة بعد مرة، فالثقة شيء والواقع الذي تعبث به الجماعات شيء آخر، مختلف تمامًا عما يعرفه الناس.

الرزاز ليس ساحرًا

مقابل ذلك، لماذا لا يتحدث معارضو الرزاز من أرباب الصالونات السياسية والليبراليون المتقلبون، ومجموعات دحلان من الصحافة الصفراء والمدفوعة الأجر، أو كتائب وأتباع الإمارات والسعودية وغيرها، عن التعقيدات التي تواجه رئيس الوزراء وخضوعها لاعتبارات أمنية وسياسية داخلية وخارجية، يصير فيها من يمسك ملف الداخلية مثلًا أقوى من الرئيس، ووزير الخارجية أكثر ثباتًا من الرئيس، ويصير رئيس الديوان الملكي أقوى بمرات من الجميع.

لماذا لا يتحدثون عن الحروب والصفقات التي يتم طبخها على يد هؤلاء سياسيًا وأمنيًا، داخليًا وخارجيًا بهدف إزاحة الرجل، لتقاسم ورثته وخلط الأوراق من جديد بما يخدم مصالحهم.

الرزاز ليس ساحرًا يملكُ عصًا أو غبارًا سحريًا يمُكنه من اجتراح المعجزات، نستطيع النظر للرجل كما هو ببساطته وهدوئه وتركيزه، دون أن ننظر إليه حسب رؤيتنا نحن له، نحن لسنا مكانه ولو كنا لصدمتنا الحقيقة الموجعة.

منذ أواخر التسعينيات لم تنجح حكومة واحدة في حلحلة مشاكل الأردن، أو نجحت في إيقاف النزيف الحاد الذي أصابه، كما فشلوا في إيجاد الفرصة لإطلاق مسيرة من التقدم وإن ببطء، دون أن تتسارع خطواتهم صوب السقوط، لكن الرزاز، يحاول إنقاذ ما يمكن انقاذه، خصوصًا ما يتعلق بالملف الاقتصادي وأزماته باعتباره مختصًا يستطيع الإمساك بطرف الخيط للتحرك للأمام. دون الارتماء في مستنقعات الملفات السياسية العالقة البعيدة عن اختصاصه، القريبة من رجالات حول الملك فقط، والتي تقود حالات من الترقب والخوف.

وهم القوة

لكن، الغريب أن الذين ينتقدون، هم رؤوساء وزراء عانوا بالأمس مما يعانيه الرزاز اليوم، وكانوا سببًا في إنتاج أزمات الأردن من الروابدة إلى الملقي، ومن فيصل الفايز إلى عبد الله النسور!

لذا، إن أردنا محاكمة الرزاز وحده، فإننا نحيد عن الصواب، إذ إن الإنصاف يطالبنا بالعودة لمحاكمة الرؤساء خلال العقود الماضية.

خصوصًا وأنهم ينظرون للرجل باعتباره منافسًا لهم، لا شريكًا، لا بد من إقصائه لفتح الطريق من جديد لإعادة التدوير، بعدما تراجع النفوذ والاهتمام بهذه الشخصيات، وباتت تقع خارج السلطة، لكنها تصر على تمثيل دور الوصاية الأبوية على كل حكومة تأتي من خارج صالوناتها، لا تتوافق مع أفكارها.

الهدف هنا تركيع للرزاز للقبول بما يقوله سدنة المعابد، وإلا تم شرعنة الإسقاط بدءًا من تسفيه كل تحركاته، هذا كله دون النظر لأهمية إيجاد مبدأ للنهوض بالجميع، والمشاركة في إنتاج حراك تفاعلي يساعد في حلحلة الأزمات، لا إشعالها.

لكن، ماذا لو عرض الرزاز منصبًا وزاريًا على مجموعة من هؤلاء أيقبلون أم يرفضون؟ ماذا لو عرض الرئيس منصبًا على زوج بنت أحدهم، هل يتراجع عن انتقاده، ماذا لو صار قدم الرزاز منصبًا استشاريًا لصحفي أو إعلامي هل تنطفئ جذوة اشتعاله؟

من ينتقدون الرزاز، يملكون شعورًا كاذبًا بالقوة، وهذا ما يقودهم إلى السقوط الحتمي، فوهم القوة لا يمنح المعارض جوازًا للمرور باعتباره الأكفأ الأجدر والأقدر على إدارة المشهد، ممن هو في صخب المشهد بذاته.

هذا يذكرني بمقولة الليبي نعيم موسى رئيس تحرير لـ«فورين بوليسي » السابق في كتابه «نهاية القوة» إذ يقول: «القوة في عالم اليوم، من السهل الحصول عليها، لكن من الصعب استخدامها، ومن السهولة جدًا خسارتها».

إلى الرزاز

مقابل ذلك، بحث الرئيس عن نوعيات لا تتقن قول «لا»، مقابل «نعم» وحاضر دولتك، قاد لإبعاد الآخرين المعارضين والمعترضين عنه، الذين قد يساندونه في مسعاه، أو يمنحونه مناخًا إيجابيًا يسهم في تعزيز حركته وتمكينها إن استمع لهم.

لذا من الأهمية بمكان إعادة التفكير في الالتقاء بين الرئيس وبينهم لمنحه جسرًا ذا قيمة لامتلاك ناصية «نعم» و«لا » في القبول والرفض انطلاقًا من المصلحة العامة، لا من مصلحة الرزاز ومن يحيط به، ممن يسعون لفصله عن واقع الشعب وما يدور حوله. وهذا لا يلقيه في غياهب الاطمئنان كحل لعلاج المشاكل، وفق وصفات الوطن بخير، والشعب استوعب ذلك، التي يسوقها البعض كمصد لحماية الرزاز.

فالحقيقة غير ذلك، لكونها تمنحه حافزًا يدعو لمواجهة الواقع من خلال الاشتباك معه، وإلا كان سببًا في منح المعارضين الذخيرة للصراع والاستقطاب، ما يعني الرضوخ للأفكار يروجون لها، والتي تعشق وضع الأزمات في دواليب الحركة، بعضها شخصي، وبعضها فئوي، وبعضها إقليمي، جميعها لا تصيبه هو، بقدر ما تصيب الأردن وقلبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد