يقول هو: “يجب قتال المرتد، لقول النبي: “من بدل دينه فاقتلوه”، وقوله: ” لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة”، ولأن أبا بكر قاتل المرتدين، ولاتفاق العلماء القدامى على حد الردة”.

أولًا لا إكراه في الدين:

طبيعة الدين وقوامه هو الاعتقاد، وهو مقابل الإكراه والإجبار. ومن ثم فلا معنى لقول: إكراه على اعتقاد! فهي جملة لا تصح عقلًا قبل تحريمها شرعًا.

إذا أسلم رجل، ثم أراد أن يكفر، عندئذ نحن أمام اختيارين:

– أن نتركه يختار: وبذلك نضمن أن كل مسلم هو فعلًا مؤمن بصحة الإسلام.

– قتله: وبذلك يزداد عدد المحسوبين مسلمين واحدًا، ولا يجرؤ أحد على ترك الإسلام وإن كان لا يؤمن بصحته، وبذلك نكسب منافقًا جديدًا.

وأما من الناحية الشرعية، فإجبار الناس على دين – قولًا واحدًا فاصلًا – هو جريمة محرمة مغلظة فجة.
يقول تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (1)

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (2)

﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (3)

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (4)

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (5)

ثانيًا القرآن يتحدث عن المرتد:

إننا نجد عشرات الآيات تتحدث عمَّن يبدلون دينهم، ولا نجد آية واحدة – ولو واحدة فقط – تشير إلى قتل المرتد، بل تكتفي بالعقاب الأخروي، منها:

﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (6)

لاحظ استخدام الآية لفظ (يمت) ولم تقل: (يُقتل)، وهي إشارة دقيقة لا تمر على نص معجز.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. لاحظ هنا أيضًا استخدام لفظ (ماتوا)، وليس (قُتلوا).

ثالثًا من بدَّل دينه فاقتلوه:

قبل التطرق لحديث النبي يجب أولا التذكير بأساسيات لا يُفهم النص بدونها.
للنبي (صلى الله عليه وسلم) أكثر من دور:

هو رسول الله: وذلك فيما يختص بالرسالة، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾. (7)، إذن فما يقوله النبي – فيما يختص بالرسالة – فهو شرع من عند الله.

هو رئيس الدولة: أقوال النبي وتوجيهاته الخاصة بإدارة الحكم، بعضها ليس صادرًا عن النبي بصفته رسول الله، وإنما بصفته رئيس الدولة، ومن ثم فهي أوامر في حدود المكان والزمان الخاضعيْن لسلطة الحكم حينئذ، مثل قوله (صلى الله عليه وسلم): “من أحيا أرضًا فهي له” فهو ليس نصًا دينيًا يمكن تطبيقه الآن بزعم أنه فرض أو سنة، وإنما هو توجيه من رئيس الدولة إلى شعبه حينئذ.

هو قاضٍ: بعض من أقوال النبي صادرة عنه بصفته قاضيًا، ومن ثم لا يجوز تعميمها على الناس كلهم، وإنما هي أحكام قضائية تخص من حكم النبي له، مثل قول النبي لهند بنت عتبة عندما اشتكت شُح زوجها، فقال لها: “خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف”.

هو إنسان: بعض من أقوال النبي ليس لها علاقة لا بصفته رسول الله ولا قاضيًا ولا رئيس الدولة، فهو رجل يحتكم لعرف زمانه ومكانه وتقاليده، مثل أكل النبي على الأرض، وأكله بيديه، ولبسه للجلباب، ومواصفات بيته، ودابته، وما يحب من مأكولات… إلى آخر الصفات الشخصية الإنسانية للنبي. (8)

هل قول النبي: (من بدَّل دينه فاقتلوه) قاله بصفته رسول الله (تشريع) أم بصفته رئيس الدولة؟

1. لغويًا هذا الحديث لا يمكن اعتباره تشريعًا عامًا، وذلك لأن من صفات النصوص التشريعية – الدينية والدستورية والقانونية – الدقة والتحديد المتناهين، إلا أننا نجد الحديث عام للغاية، حيث يحتمل كل من يبدل دينه، سواء من الإسلام إلى المسيحية، أو من المسيحية إلى اليهودية، أو من اليهودية إلى الإسلام، فهل كل أولئك يُقتلون؟!

2. إن كان معنى الحديث هو قتل كل من يخرج عن الإسلام على وجه العموم، فهو مضاد ومناقض وهادم لقواعد الشرع، ومعنى الإيمان، وثوابت العقل. وحاشاه النبي أن يفعل ذلك.

3. تضافرت قوى الجاهلية لمحاربة الإسلام بكل وسيلة إعلامية وعسكرية واجتماعية واقتصادية، إلا أنهم لم يفلحوا.

ومع كل محاولاتهم لتشويه الإسلام، إلا أن الناس كانت تسمع عن الإسلام من أتباعه، لذلك تآمروا بحيلة ذكية يبلغنا بها القرآن ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (9) فقد اتفقوا على أن يؤمنوا، ثم يكفروا، وبذلك يأتيهم الناس ليسألوهم عن الإسلام، فتأتي الفرصة لهم للتشويه والتكذيب والافتراء. وأضف لذلك أن دخولهم ضمن الفئة المسلمة يسمح لهم بالاطلاع على أسرارهم السياسية والعسكرية ثم إفشائها، وأضف لذلك أن دخولهم للفئة المسلمة يسمح لهم بزرع أفكار شاذة كفرية تمردية ضد الإسلام ووحدتهم. وأضف لذلك استفزاز المسلمين، إذ يرون بأعينهم جماعة ضالة فاجرة ساخرة لاهية يؤمنون، ثم يكفرون، ثم يؤمنون، ثم يكفرون!

أمام كل ذلك جاء القرار الحاسم الحازم من النبي بأن “من بدَّل دينه فاقتلوه”، وبذلك نجا المسلمون من حيلة ذكية.

رابعًا التارك لدينه المفارق للجماعة:
يقول النبي: “لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة”.(10)

يستشهد البعض بهذا الحديث للدلالة على جواز قتل المرتد، إلا أن الصحيح أنه يُستدل به على عدم قتل المرتد. فإن قصدَ النبي قتل المرتد لقال: “التارك لدينه”، ولكنه قال: “التارك لدينه المفارق للجماعة”، وبذلك يتضح أن القتل ليس للمرتد عن الدين، بل للمرتد على الدين، أي التارك للدين والمحارب له، فليس القتل لمجرد الارتداد، وإنما للإتيان بأمر زائد يفرق به جماعة المسلمين.

لذلك يقول ابن تيمية: “أن النبي قبل توبة جماعة من المرتدين، وأمر بقتل جماعة آخرين، ضموا إلى الردة أمورًا أخرى تتضمن الأذى والضرر للإسلام والمسلمين، مثل أمره بقتل (مقيس بن حبابة) يوم الفتح، لما ضم إلى ردته قتل المسلم وأخذ المال، ولم يتب قبل القدرة عليه، وأمر بقتل (العرنيين) لما ضموا إلى ردتهم نحوًا من ذلك. وكذلك أمر بقتل (ابن خطل) لما ضم إلى ردته السب وقتل المسلم، وأمر بقتل (ابن أبي سرح)، لما ضم إلى ردته الطعن عليه والافتراء”.(11)

ولذلك أفتى أبو حنيفة بقتل المرتد، ولم يفتِ بقتل المرتدة، ولما سُئل عن ذلك قال: “لأنها لا تقاتل”، إذن فهو يفتي بقتال المرتد المقاتل، وليس المرتد فقط.

من صفات الحد: أنه لا يجوز الشفاعة فيه، مثلما حاول أسامة أن يشفع في حد السرقة، فعنفه النبي ورفض شفاعته. إلا أننا نقف أمام سيرة النبي ونجده لم يقتل كل من ارتد، فعن جابر أنه “جاء أعرابي النبي فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محمومًا فقال: أقلني بيعتي، ثلاث مرات، فخرج الأعرابي، فقال النبي: المدينة كالكير تنفي خبثها”.(12)

خامسًا الإجماع:

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾(13)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(14)

لذلك قال بعض العلماء أن الإجماع أحد مصادر التشريع، وعرَّفوا الإجماع بأنه: اتفاق مجتهدي أمة النبي بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي.

الأدلة والتعريف لا ينصان على أن الإجماع يقتصر على مجتهدي عصر معين دون غيره، وبذلك يمكن أن يتفق مجتهدو عصر على حكم ويصبح إجماعًا، ثم يتفق مجتهدو عصر آخر على حكم آخر ويصبح إجماعًا يلغي الإجماع الأول.

يقول الإمام محمود شلتوت: “وإن كان من أسس الإجماع اتفاق النظر في تقدير المصلحة – وهي ما يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال – فإنه يجوز للمجتهدين أنفسهم أو لمن يأتي بعدهم إذا تغيرت ظروف الإجماع الأول، أن يعيدوا النظر في المسألة في ضوء الظروف الجديدة، ويكون الاتفاق الثاني مُنْهِيًا لأثر الإجماع الأول، ويصير هو الحجة التي يجب اتباعها”.(15)

وفي قضيتنا (قتل المرتد) حدث شبه إجماع بين العلماء القدامى على قتله، لأسباب سياسية أو دينية لا يهم، المهم أن علماء عصرنا كادوا يجمعون على عدم قتل المرتد، ومنهم الإمام محمد عبده، والإمام القرضاوي، والإمام الغزالي، والشيخ راشد الغنوشي، والإمام البوطي، ود. عدنان إبراهيم، ود. محمد سليم العوا، ود. محمد عمارة، ود. جابر العلواني، ود. علي جمعة.

سادسًا قتال أبي بكر للمرتدين:
بمجرد وفاة النبي وبيعة أبي بكر لم تتوقف الأخبار الواردة للمدينة عن ارتداد قبائل العرب، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من ارتد عن الإسلام بالكلية. وقد جاء قادتهم ليعلنوا لأبي بكر عن موقفهم، فقالوا: إننا لا ننكر الإيمان بالله ولا رسوله، ولا الصلاة، ولا الصوم، ولا الحج، إلا أننا لن نعطي إليك الجزية بعد اليوم، وسنوزعها على أهلينا في قبائلنا.

يقول النويري: “لما قُبض الرسول، ارتدت العرب كلها إلا قريشًا وثقيفًا، وأتت وفود العرب إلى أبي بكر مرتدين، يقرّون بالصلاة ويمنعون الزكاة”.(16)

وينقل الطبري قول المدائني: “أن وفود العرب إلى أبي بكر يقرون الصلاة ويمنعون الزكاة”.(17)

ويقول الشافعي: “أهل الردة بعد رسول الله ضربان: منهم قوم كفروا بعد إسلامهم، ومنهم من تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات”.

وهنا كان موقف أبي بكر الحاسم: “والله لأقتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله لقاتلتهم على منعها”.(18)

وقد كان اعتراض عمر في البداية: “كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه؟”.

إذن فالتوصيف القانوني والسياسي لهذه الحرب أنها حرب ضد متمردين أرادوا الانفصال عن الدولة، وليست حربًا ضد جماعة اختاروا دينًا غير الإسلام، وإن كان بينهم من ارتد فعلًا، إلا أن الدافع الرئيسي لارتداد القبائل هو الانفصال عن الدولة.

ومن الأدلة أن هذه الحرب ضد انفصالهم وليس كفرهم، أن نفس الموقف قد حدث مع عمر بن الخطاب، فقد ارتدت قبيلة (تستر)، إلا أنه تم السيطرة على تمردهم، فلم يقتلهم عمر، بل أعاد فرض الجزية عليهم.

روى سعيد بن منصور: “أن (تستر) فُتحت صلحًا ثم كفر أهلها، فغزاهم المهاجرون وسبوهم، فأمر عمر من سبي منهم أن يردوا إلى جزيتهم”.(19)

وقد تكرر الفعل نفسه مع عمر بن عبد العزيز؛ فقد روى عبد الرازق أن “قومًا أسلموا ثم لم يمكثوا إلا قليلًا حتى ارتدوا، فكتب فيهم ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه عمر: أن رد عليهم الجزية ودعهم”.(20)

إذن فلا يوجد في الإسلام حد يسمى حد الردة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

البقرة :256
يونس :39
الأنعام :104
النساء :80
هود:28
البقرة:217
آل عمران:91
النجم
. (الإسلام عقيدة وشريعة) ص500 ، (الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام) ص26
آل عمران: 72
البخاري (6497)، ومسلم (3261)
(الصارم المسلول) ص368
(صحيح البخاري) رقم (7322) ص1808
النساء :115
النساء :59
(الإسلام عقيدة وشريعة) ص546
(نهاية الأرب) ج17 ص67
(تفسير الطبري) ج3 ص242
(البخاري) ج3 ص308
(سنن سعيد بن منصور) رقم الأثر (2430)
(مصنف عبد الرازق) رقم الأثر (18102)
عرض التعليقات
تحميل المزيد